باب من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها ولا يعيد إلا تلك الصلاة
باب من نسي صلاة فليصل إذا ذكرها ولا يعيد إلا تلك الصلاة وقال إبراهيم : من ترك صلاة واحدة عشرين سنة لم يعد إلا تلك الصلاة الواحدة . يدخل تحت تبويب البخاري - رحمه الله - هاهنا مسألتان : إحداهما : أن من نسي صلاة ، ثم ذكرها ، فإنه يعيدها مرة واحدة ، ولا يعيدها مرة ثانية . وهذا قول جمهور أهل العلم .
وروي عن سمرة بن جندب ، أنه يعيدها إذا ذكرها ، ثم يعيدها من الغد لوقتها . وقد سبق عنه في النوم كذلك . وروي مرفوعا : فخرج أبو داود من حديث أبي قتادة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لهم لما قضى الصلاة التي نام عنها : ( إذا سها أحدكم عن الصلاة فليصلها حين يذكرها ، ومن الغد للوقت ) .
وخرج الإمام أحمد من طريق حماد ، عن بشر بن حرب ، قال : سمعت سمرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( من نسي صلاة فليصلها حين يذكرها ، ومن الغد للوقت ) . خرجه الإمام أحمد . وخرجه - أيضا - من طريق همام ، عن بشر ، عن سمرة ، قال : أحسبه مرفوعا - فذكره .
قال أحمد في رواية أبي طالب : هو موقوف . يعني : أن رفعه وهم . وبشر بن حرب ، ضعفه غير واحد .
وخرجه البزار في ( مسنده ) من طريق أولاد سمرة ، به ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يأمرنا إذا نام أحدنا عن الصلاة أو نسيها حتى يذهب حينها التي تصلى فيه أن نصليها مع التي تليها من الصلاة المكتوبة . وفي إسناده يوسف السمتي ، وهو ضعيف جدا . وفيه : دليل على أنه لا يجب قضاؤها على الفور .
المسألة الثانية : إذا نسي صلاة ، ثم ذكرها بعد أن صلى صلوات في مواقيتهن ، فإنه يعيد تلك الصلاة المنسية وحدها . وهذا هو معنى ما حكاه عن النخعي . وهذا يبنى على أصل ، وهو : أن ترتيب القضاء ، هل هو واجب ، أم لا ؟ وفيه اختلاف ، سيذكر في الباب الآتي - إن شاء الله تعالى .
ومذهب الشافعي : أنه مستحب غير واجب ، وحكي رواية عن أحمد ، وجزم بها بعض الأصحاب . ومذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد - في المشهور عنه - : أنه واجب . ثم اختلفوا : فقال أبو حنيفة ومالك : يجب الترتيب فيما دون ست صلوات ، ولا يجب في ست صلوات فصاعدا .
وقال أحمد : يجب بكل حال . وحكى ابن عبد البر الإجماع على خلافه . فمن قال : إنه غير واجب ، قال : لا يجب الترتيب بين الصلوات الفوائت في القضاء ، ولا بين الفائت والحاضر .
ومن قال : إنه واجب ، فهل يسقط الترتيب عندهم بنسيان الثانية حتى يصلي صلوات حاضرة ، أم لا يسقط بالنسيان ؟ فيه قولان : أحدهما : أنه يسقط بالنسيان ، وهو قول النخعي ، كما ذكره البخاري عنه ، وقول الحسن وحماد والحكم وأبي حنيفة والحسن بن حي ، وأحمد في ظاهر مذهبه ، وإسحاق . والثاني : لا يسقط بالنسيان - أيضا - فيعيد الفائتة وما صلى بعدها . وحكي رواية عن أحمد ، حكاها بعض المتأخرين عنه ، والله أعلم بصحتها عنه .
وأما مالك ، فعنده : إن ذكر قبل أن يذهب وقت الحاضرة ، وقد بقي منه قدر ركعة فصاعدا أعادهما ، وإن بقي دون ذلك ، أو كان الوقت قد ذهب بالكلية أجزأه . وأما إن صلى الحاضرة ، وعليه فائتة ، وهو ذاكر لها : فمن اشترط الترتيب أوجب قضاء ما صلاه وهو ذاكر للفائتة . ومن لم يوجب الترتيب ، لم يوجب سوى قضاء الفائتة .
ويحتمله كلام النخعي الذي حكاه عنه البخاري ، ولكن روي عنه صريحا خلافه . فروى مغيرة ، عن إبراهيم ، قال : إذا ترك صلاة متعمدا عاد ، وعاد كل صلاة صلاها بعدها . فيكون الذي حكاه البخاري عنه محمولا على حال النسيان ، أو يكون عن النخعي روايتان .
وكان الإمام أحمد لشدة ورعه واحتياطه في الدين يأخذ في مثل هذه المسائل المختلف فيها بالاحتياط ، وإلا فإيجاب سنين عديدة فيها صلاة واحدة فائتة في الذمة لا يكاد يقوم عليه دليل قوي . والذي صح عن ابن عمر في ذلك ، إنما هو في صلاة واحدة فائتة ذكرت مع اتساع وقت الحاضرة لهما ، فلا يلزم ذلك أن يكون حكم الصلوات إذا كثرت أو تأخر قضاؤها حتى صلى صلوات كثيرة في أوقاتها كذلك . وبهذا فرق أكثر العلماء بين أن تكثر الفوائت أو تقل .
ولم ير مالك إلا إعادة الصلاة التي وقتها باق خاصة ، فإن إيجاب إعادة صلوات سنين عديدة لأجل صلاة واحدة فيه عسر عظيم ، تأباه قواعد الحنيفية السمحة . وقد أخبرني بعض أعيان علماء شيوخنا الحنبليين ، أنه رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - في منامه ، وسأله عما يقوله الشافعي وأحمد في هذه المسائل : أيهما أرجح ؟ قال : ففهمت منه - صلى الله عليه وسلم - أنه أشار إلى رجحان ما يقوله الشافعي - رحمه الله . ومما يدل على صحة ذلك : حديث عمران بن حصين ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( لا ينهاكم الله عن الربا ويقبله منكم ) .
فهذا يدل على أن من عليه صلاة واحدة لم يأمره الله بأن يصلي زيادة عليها .