حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب

باب ما يقول إذا سمع المنادي

ثنا معاذ بن فضالة : ثنا هشام ، عن يحيى ، عن محمد بن إبراهيم بن الحارث ، قال : حدثني عيسى بن طلحة ، أنه سمع معاوية يوما ، فقال مثله ، إلى قوله : ( وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ) . 613 - ثنا إسحاق : ثنا وهب بن جرير : ثنا هشام ، عن يحيى - مثله . قال يحيى : وحدثني بعض إخواننا ، أنه لما قال : ( حي على الصلاة ) ، قال : ( لا حول ولا قوة إلا بالله ) ، وقال : هكذا سمعنا نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول .

هكذا خرجه مختصرا . وخرجه الإمام أحمد بتمامه ، عن إسماعيل بن إبراهيم - هو : ابن علية - وأبي عامر العقدي ، قالا : ثنا هشام ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن محمد بن إبراهيم ، عن عيسى بن طلحة - قال أبو عامر في حديثه : ثنا عيسى بن طلحة - قال : دخلنا على معاوية ، فنادى المنادي بالصلاة ، فقال : ( الله أكبر ، الله أكبر ) . فقال معاوية : ( الله أكبر ، الله أكبر ) ، فقال : ( أشهد أن لا إله إلا الله ) ، فقال معاوية : ( وأنا أشهد ) - قال أبو عامر في حديثه : ( أن لا إله إلا الله ) - فقال : ( أشهد أن محمدا رسول الله ) ، فقال معاوية : ( وأنا أشهد ) - قال أبو عامر : ( أن محمدا رسول الله ) .

قال يحيى : ثنا رجل ، أنه لما قال : ( حي على الصلاة ) قال : ( لا حول ولا قوة إلا بالله ) ، قال معاوية : هكذا سمعت نبيكم صلى الله عليه وسلم يقول . وخرجه الإسماعيلي بنحوه من طريق ابن علية . وله طريق آخر عن معاوية : خرجه البخاري في الجمعة في كتابه هذا من طريق ابن المبارك : أبنا أبو بكر بن عثمان بن سهل بن حنيف ، [عن أبي أمامة بن سهل بن حنيف ] ، قال : سمعت معاوية بن أبي سفيان وهو جالس على المنبر أذن المؤذن ، فقال : ( الله أكبر ، الله أكبر ) ، فقال معاوية : ( الله أكبر ، الله أكبر ) .

فقال : ( أشهد أن لا إله إلا الله ) ، فقال معاوية : ( وأنا ) ، فقال : ( أشهد أن محمدا رسول الله ) ، فقال معاوية : ( وأنا ) ، فلما قضى التأذين ، قال : يا أيها الناس ، إني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - على هذه المجلس حين أذن المؤذن يقول كما سمعتم مقالتي . وقد روي عن معاوية من طرق أخرى ، وفي بعضها : أنه قال عند ( حي على الصلاة ) ، و ( حي على الفلاح ) : ( لا حول ولا قوة إلا بالله ) موافقة للرواية التي أرسلها يحيى بن أبي كثير . فخرج الإمام أحمد والنسائي من رواية ابن جريج : أخبرني عمرو بن يحيى ، أن عيسى بن عمر أخبره ، عن عبد الله بن علقمة بن وقاص ، عن علقمة بن وقاص ، قال : إني عند معاوية إذ أذن مؤذنه ، فقال معاوية كما قال المؤذن ، حتى إذا قال : ( حي على الصلاة ) قال : ( لا حول ولا قوة إلا بالله ) ، فلما قال : ( حي على الفلاح ) قال : ( لا حول ولا قوة إلا بالله ) .

وقال بعد ذلك ما قال المؤذن ، ثم قال : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول ذلك . وخرجه الإمام أحمد بمعناه من رواية محمد بن عمرو بن علقمة ، عن أبيه ، عن جده ، قال : كنا عند معاوية - فذكره بمعناه . وروى عبد الوهاب بن الضحاك : ثنا إسماعيل بن عياش ، عن مجمع بن جارية ، عن أبي أمامة بن سهل ، قال : سمعت معاوية يقول : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول - إذا أذن المؤذن - مثل قوله ، وإذا قال : ( حي على الصلاة ) قال : ( لا حول ولا قوة إلا بالله ) .

عبد الوهاب متروك الحديث . وإسماعيل لا يحفظ حديث الحجازيين . وقد رواه الإمام أحمد عن يعلى بن عبيد ويزيد بن هارون ، كلاهما عن مجمع - بنحو سياق حديث أبي بكر بن عثمان الذي خرجه البخاري .

وخرجه - أيضا - عن وكيع ، عن مجمع - مختصرا . ورواه أبو نعيم في كتاب الصلاة عن مجمع - بنحو رواية يعلى ويزيد . وليس في حديث أحد منهم : ذكر الحيعلة .

وفي رواية يعلى ويزيد وأبي نعيم : أنه لما كبر المؤذن - اثنين - كبر - اثنين - ولما شهد أن لا إله إلا الله - اثنين - شهد - اثنين - ، ولما شهد أن محمدا رسول الله - اثنين - شهد - اثنين . وهذا يشعر بأن التكبير في أول الأذان مرتان . وروي هذا المعنى عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من غير حديث معاوية : فخرج مسلم في صحيحه من حديث عمارة بن غزية ، عن خبيب بن عبد الرحمن بن يساف ، عن حفص بن عاصم بن عمر ، عن أبيه ، عن جده عمر بن الخطاب ، قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ( إذا قال المؤذن : الله أكبر ، الله أكبر ، فقال أحدكم : الله أكبر الله أكبر .

ثم قال : أشهد أن لا إله إلا الله ، فقال : أشهد أن لا إله إلا الله . ثم قال : أشهد أن محمدا رسول الله ، قال : أشهد أن محمدا رسول الله ، ثم قال : حي على الصلاة ، قال : لا حول ولا قوة إلا بالله . ثم قال : حي على الفلاح ، قال : لا حول ولا قوة إلا بالله .

ثم قال : الله أكبر الله أكبر ، قال : الله أكبر الله أكبر . ثم قال : لا إله إلا الله ، قال : لا إله إلا الله من قلبه ؛ دخل الجنة ) . وعمارة بن غزية ، ثقة ولم يخرج له البخاري .

وقد روي نحوه من حديث عاصم بن عبيد الله العمري ، عن علي بن حسين ، عن أبي رافع ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان إذا سمع [المؤذن] قال مثل ما يقول حتى إذا بلغ : ( حي على الصلاة ، حي على الفلاح ) قال : ( لا حول ولا قوة إلا بالله ) . خرجه الإمام أحمد والنسائي في اليوم والليلة . وعاصم هذا ضعفوه ، وقد اختلف عليه في إسناده .

وروي نحوه من حديث أنس بن مالك ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . خرجه ابن عدي ، وقال : هو منكر ، وإسناده لا يصح . وإجابة المؤذن مستحبة عند جمهور العلماء ، وليست واجبة .

وكان الحسن كثيرا يسمع المؤذن وهو يتحدث فلا يقطع حديثه ولا يجيبه ، وكذلك إسحاق بن راهويه . ونص أحمد على أن الإجابة غير واجبة . وحكى الطحاوي عن قوم أنهم أوجبوا إجابته .

والظاهر : أنه قول بعض الظاهرية . وحكي عن بعض الحنفية أيضا . وروي عن ابن مسعود ، أنه قال : من الجفاء أن لا يقول مثل ما يقول المؤذن .

وقد روي مرفوعا من وجوه ضعيفة . واختلف العلماء : هل يجيب المؤذن ، فيقول كقوله في جميع ما يقول ، أم لا ؟ فقالت طائفة : يقول مثل ما يقول سواء في جميع أذانه ؛ لظاهر حديث أبي سعيد . وفي صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمرو ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول ) .

وقد روي عن طائفة من السلف ، أنهم قالوا : يقول مثل قول المؤذن ، ولم يستثنوا ، منهم النخعي . وروي عن ابن عمر : أنه كان يقول مثل ما يقول المؤذن . وهو ظاهر قول الخرقي من أصحابنا .

وقالت طائفة : يقول كقوله ، إلا في قوله : ( حي على الصلاة ، حي على الفلاح ) ، فإنه يقول : ( لا حول ولا قوة إلا بالله ) . وهذا مروي عن الحسن ، وهو منصوص عن أحمد ، والشافعي ، وهو قول طائفة من الحنفية والمالكية . وهؤلاء ؛ جعلوا حديث أبي سعيد وما في معناه عاما ، وحديث عمر ومعاوية وما في معناهما خاصة ، فتقضي على النصوص العامة .

ومن الحنفية من قال : يقول عند قوله ( حي على الصلاة ) : ( لا حول ولا قوة إلا بالله ) . وعند : ( حي على الفلاح ) : ( ما شاء الله كان ، وما لم يشأ لم يكن ) . وقالت طائفة : هو مخير بين أن يقول مثل قول المؤذن في الحيعلة ، وبين أن يقول : لا حول ولا قوة إلا بالله ، وجمعوا بين الأحاديث بذلك ، وهذا قول أبي بكر الأثرم ومحمد بن جرير الطبري .

وقالت طائفة : بل يجمع بين أن يقول مثل قول المؤذن ، وبين قوله : لا حول ولا قوة إلا بالله . وهذا قول بعض أصحابنا ، وهو ضعيف ؛ لأن الجمع لم يرد . وكان بعض شيوخنا يقول : يجمع بين الأحاديث في هذا بأن من سمع المؤذن وهو في المسجد قال مثل قوله ، فإن سمعه خارج المسجد قال : لا حول ولا قوة إلا بالله ؛ لأنه يحتاج إلى سعي فيستعين بالله عليه .

وقالت طائفة : يجيب المؤذن إلى آخر الشهادتين ، ولا يجيبه فيما زاد على ذلك ، وهو رواية عن مالك . وفي تهذيب المدونة : أنه يجيبه إلى قوله : أشهد أن محمدا رسول الله ، وإن أتم الأذان معه فلا بأس . وظاهره : أنه يتمه معه بلفظ الأذان .

وهؤلاء قد يحتجون ببعض روايات حديث معاوية التي فيها الإجابة إلى الشهادتين ، ولكن قد روي عنه من وجوه : إجابته في تمام الأذان . وروي من حديث الحكم بن ظهير ، عن عاصم ، عن زر ، عن عبد الله : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أجاب المؤذن إلى الشهادتين ، ثم سكت . ذكره أبو بكر الأثرم ، وقال : هو حديث واه .

يشير إلى أن الحكم بن ظهير ضعيف جدا . وروى أبو نعيم في كتاب الصلاة : ثنا ابن عيينة ، عن عمرو ، عن أبي جعفر ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا سمع المنادي يقول : ( أشهد أن لا إله إلا الله ) قال : ( وأنا ) . وإذا قال : ( أشهد أن محمدا رسول الله ) قال : ( وأنا ) ، ثم سكت .

وهذا مرسل . وحكى ابن عبد البر عن قوم : أنهم رأوا إجابة المؤذن الحيعلتين خاصة . وعن قوم : أنهم رأوا إجابته في الشهادتين خاصة ، دون ما قبلهما وبعدهما .

وروى ابن أبي شيبة بإسناده ، عن قتادة : أن عثمان كان إذا سمع المؤذن يؤذن يقول كما يقول ، في التشهد والتكبير كله ، فإذا قال : حي على الصلاة قال : ما شاء الله ، لا حول ولا قوة إلا بالله . فإذا قال : ( قد قامت الصلاة ) قال : مرحبا بالقائلين عدلا ، وبالصلاة مرحبا وأهلا . ثم ينهض إلى الصلاة .

وبإسناده عن مجاهد ، أنه كان إذا قال المؤذن : ( حي على الصلاة ) قال : المستعان الله . [فإذا] قال : ( حي على الفلاح ) قال : لا حول ولا قوة إلا بالله . وفي مسند الإمام أحمد عن علي بن أبي طالب ، أنه كان إذا سمع المؤذن يؤذن ، قال كما يقول ، فإذا قال : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا رسول الله قال علي : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا رسول الله .

وخرج ابن السني بإسناد لا يصح ، عن معاوية ، قال : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا سمع المؤذن قال ( حي على الفلاح ) قال : ( اللهم اجعلنا مفلحين ) . وذكر ابن جرير بإسناده ، عن سعيد بن جبير ، أنه كان إذا سمع المؤذن يقول : حي على الصلاة يقول : سمعنا وأطعنا . ولا فرق في استحباب إجابة المؤذن بين النساء والرجال ، هذا ظاهر إطلاق العلماء ، وظواهر الأحاديث ؛ فإن خطاب الذكور يدخل في الإناث تبعا في كثير من العمومات ، وهو قول أصحاب الإمام أحمد وغيرهم ممن تكلم في أصول الفقه .

وقد روي التصريح بإجابة النساء المؤذن من حديث عائشة وميمونة ، وإسنادهما لا يصح . وقد خرج ابن جرير الطبري حديث ميمونة ، وفيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : وللرجال الضعفان من الأجر يعني في الإجابة . وذكر ابن جرير ، عن بعض أهل الحديث ، أنه قال : لا يحتج بهذا الحديث ذو علم بالآثار ومعرفة الرجال .

والأمر كما قال ؛ فإن إسناده ضعيف جدا . وقد خرج أبو الشيخ الأصبهاني في كتاب ثواب الأعمال معناه - أيضا - من حديث ابن المنكدر - مرسلا . وهذا قد يشعر بأن النساء في ثواب الأعمال نصف أجر الرجال .

ويشهد له : ما خرجه ابن أبي حاتم في تفسيره من حديث الأشعث بن إسحاق ، عن جعفر بن أبي المغيرة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، في قوله : وَلا تَتَمَنَّوْا مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ الآية ، قال : أتت امرأة النبي - صلى الله عليه وسلم - ؛ فقالت : يا نبي الله ، للذكر مثل حظ الأنثيين ، وشهادة امرأتين بشهادة رجل ، أفنحن في العمل هكذا ، إن عملت امرأة حسنة كتب لها نصف حسنة ، فأنزل الله هذه الآية وَلا تَتَمَنَّوْا فإنه عدل مني ، وأنا صنعته . وبإسناده عن السدي في هذه الآية ، قال : قال الرجال : نريد أن يكون لنا من الأجر الضعف على أجر النساء كما لنا في السهام سهمان ، ونريد أن يكون لنا في الأجر أجران . وقالت النساء : نريد أن يكون لنا أجر مثل أجر الرجال الشهداء ، فإنا لا نستطيع أن نقاتل ، ولو كتب علينا القتال لقاتلنا .

فأبى الله ذلك ، ولكن قال لهن : سلوا الله من فضله يرزقكم الأعمال ، وهو خير لكم . وروى قتادة هذا المعنى - أيضا . وهذا كله يشعر بأن النساء لهن نصف أجر الرجال في الأعمال كلها .

وقد يخص ذلك بما لا يشرع مشاركة النساء للرجال في الأعمال ، أو ما يجوز لهن مشاركتهم فيها ، [والأوصى] ترك المشاركة ، كصلاة الجماعة وإجابة المؤذن ؛ فإنه داع إلى الصلاة في الجماعة . وقد روي في حديث غريب ، خرجه أبو نعيم في تاريخ أصبهان : أن صلاة المرأة وحدها تضاعف على صلاتها في الجماعة ببضع وعشرين درجة . وفي إسناده مقال .

وربما يأتي ذكره بلفظه في موضع آخر – إن شاء الله . وهل يشرع للمؤذن نفسه أن يجيب نفسه بين كلمات الأذان ؟ ذكر أصحابنا أنه يشرع له ذلك . وروي عن الإمام أحمد أنه كان إذا أذن يفعل ذلك .

واستدلوا بعموم قوله : إذا سمعتم المؤذن فقولوا كما يقول . والمؤذن يسمع نفسه ، فيكون مأمورا بالإجابة . وقاسوه على تأمين الإمام على قراءة الفاتحة مع المأمومين .

وفي هذا نظر ؛ فإن تأمين الإمام وردت به نصوص . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : ( إذا سمعتم المؤذن ) ، ظاهره يدل على التفريق بين السامع والمؤذن ، فلا يدخل المؤذن ، كما قال أصحابنا في النهي عن الكلام لمن يسمع الإمام وهو يخطب ، أنه لا يشمل الإمام ، بل له الكلام . وكذا قالوا في الأيمان ونحوها ، لو قال : من دخل داري .

أو خاطب غيره ، فقال : من دخل دارك ، وعلق على ذلك طلاقا أو غيره - لم يدخل هو في عموم اليمين في الصورة [الأولى] ، ولا المخاطب في الصورة الثانية . وللمسألة نظائر كثيرة ، في بعضها اختلاف ، قد ذكرناها في كتاب القواعد في الفقه . واستحب أحمد للمؤذن أن يبسط يديه ويدعو عند قوله : حي على الصلاة .

قال : رأيت يزيد بن هارون يفعله ، وهو حسن . يعني : لما ورد من استحبابه الدعاء عن الأذان ، وفيه أحاديث كثيرة مرفوعة ، وموقوفة . وقوله - صلى الله عليه وسلم - : إذا سمعتم المؤذن فقولوا مثل ما يقول المؤذن يدخل فيه الأذان والإقامة ؛ لأن كلا منهما نداء إلى الصلاة ، صدر من المؤذن .

وقد اختلف العلماء : هل يشرع الإجابة في الإقامة ؟ على قولين : أحدهما : أنه يشرع ذلك ، وهو قول القاضي أبي يعلى وأكثر أصحابنا ، وهو ظاهر مذهب الشافعي . وفي سنن أبي داود من رواية محمد بن ثابت العبدي : ثنا رجل من أهل الشام ، عن شهر بن حوشب ، عن أبي أمامة - أو عن بعض أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - أن بلالا أخذ في الإقامة ، فلما أن قال : قد قامت الصلاة قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : أقامها الله وأدامها ، وقال في سائر الإقامة كنحو حديث عمر في الأذان . وفي هذا [الإسناد] ضعف .

والقول الثاني : أنه لا يشرع الإجابة فيها ، إلا في كلمة الإقامة خاصة ، وهو وجه للشافعية . وقد نقل المروذي عن الإمام أحمد : أنه كان إذا أخذ المؤذن في الإقامة رفع يديه ودعا . وروي عنه ، أنه كان يدعو ، فإذا قال المؤذن : لا إله إلا الله قال : لا إله إلا الله الحق المبين .

وظاهر هذا : أن الدعاء حينئذ أفضل من الإجابة . وتأوله القاضي على أنه إنما كان يدعو إذا فرغ من الإقامة . وهذا مخالف لقوله : ( إذا أخذ المؤذن في الإقامة ) .

ولو سمع المؤذن وهو يصلي ، فهل يجيبه ، أم لا ؟ هذا قد ينبني على أصل ، وهو أن العام في الأشخاص : هل هو عام في الأحوال ، أم لا ؟ وفيه اختلاف ، قد أشرنا إليه في غير موضع . ويدل على عمومه في الأحوال : إنكار النبي - صلى الله عليه وسلم - على من دعاه فلم يجبه حتى سلم ، وقوله له : ( ألم يقل الله : اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ . وقد اختلف العلماء في إجابة المؤذن في الصلاة على ثلاثة أقوال : أحدها : أنه لا يستحب إجابته في الصلاة بحال ؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( إن في الصلاة لشغلا ) .

وهذا ظاهر مذهب الشافعي . وهو قول أصحابنا ، قالوا : وقد نص أحمد على أن من دخل المسجد فأذن المؤذن ، فإنه لا يصلي تحية المسجد حتى يجيب المؤذن . وهذا يدل على أنه لا يجيبه في الصلاة .

وهو - أيضا - قول الحنفية وسحنون من المالكية . الثاني : أنه يستحب أن يجيبه في الفريضة والنافلة ، وهو قول ابن وهب من أصحاب مالك . والثالث : يستحب أن يجيبه في النفل دون الفرض ، وهو المنصوص عن مالك .

نقله عنه ابن القاسم ، وقال : يقع في نفسي أنه أريد بالحديث : وقال : يقول مثل ما يقول : التكبير والتشهد . وكذا قال الليث ، إلا أنه قال : ويقول : لا حول ولا قوة إلا بالله إذا قال حي على الصلاة ، حي على الفلاح . وفي تهذيب المدونة للبرادعي المالكي : ومن سمع المؤذن فليقل كقوله ، وإن كان في نافلة ، إلى قوله : أشهد أن لا إله إلا الله ، وأشهد أن محمدا رسول الله ، وإن أتم الأذان معه فلا بأس .

ولعل إتمامه مختص بغير المصلي ، أو بما إذا أجابه في الحيعلة بالحوقلة ، كما قال الليث : إنه إذا أجابه بذلك لم تبطل صلاته ، فريضة كانت أو نافلة عند جمهور العلماء . وهو قول مالك والشافعي وأصحابنا . ويخرج من قول أحمد في العاطس في الصلاة : يحمد الله في نفسه : نقله عنه جماعة .

ونقل صالح بن أحمد ، عن أبيه ، قال : إذا رفع صوته به يعيد الصلاة ؛ لأنه ليس من شأن الصلاة ، إلا أن لا يجهر به ، وإن قال في نفسه فلا شيء عليه . وهذا يحتمل أنه أراد إذا تلفظ به بطلت صلاته . وحكى الطحاوي عن أبي يوسف ، أنه لا تبطل صلاته إذا أجاب المؤذن في الصلاة بالتكبير والتشهد عند أبي يوسف ، وتبطل عند أبي حنيفة ومحمد إذا أراد به الأذان ، كما لو خاطب إنسانا في صلاته بلا إله إلا الله ، فإن صلاته عنده تفسد .

وهو إحدى الروايتين عن أحمد . وقد فرق بينهما أصحابنا ، بأن هذا قصد خطاب آدمي ، بخلاف المجيب للأذان ، فإنه إنما قصد ذكر الله عز وجل . وقد نقل مهنا ، عن أحمد [فيمن] ذكر في صلاته كيسا ذهب له ، فقال : إنا لله وإنا إليه راجعون ، فقال أحمد : يعيد صلاته .

وهذا يدل على أنه إذا أتى في صلاته بذكر غير مشروع فيها أنها تبطل . وكذلك روى جعفر بن محمد ، عن أحمد ، في الرجل يقول قبل أن يتم الصلاة : اللهم أنت السلام ومنك السلام ؛ فليس هذا من شأن الصلاة [...] الصلاة . وروى عنه أبو طالب ، أنه قال : لا بأس بذلك قبل السلام وبعده .

وإن أجاب المؤذن في قوله حي على الصلاة ، حي على الفلاح ، بمثل قوله بطلت صلاته عند جمهور العلماء . وقالت طائفة : لا تبطل صلاته بذلك - أيضا . وحكاه ابن خويز منداد ، عن مالك ، وأنه يكون بذلك مسيئا ، وصلاته تامة .

وكره أن يقول في الفريضة - مثل ما يقول المؤذن ، فإن قال ذلك في الفريضة لم تبطل أيضا ، ولكن الكراهة في الفريضة أشد . وكلام صاحب تهذيب المدونة ظاهره موافقة ذلك ، إلا أنه قال : لا بأس . وهذا يدل على أنه يكره ، إلا أن يختص ذلك بغير المصلي .

وقد ورد حديث يستدل به على أن الأذان والإقامة لا [يبطلان] الصلاة . فروى الليث بن سعد ، عن يزيد بن أبي حبيب ، أن سويد بن قيس أخبره ، عن معاوية بن حديج ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلى يوما ، فسلم وقد بقيت من الصلاة ركعة ، فأدركه رجل ، فقال : نسيت من الصلاة ركعة ، فرجع فدخل المسجد ، وأمر بلالا فأقام ، فصلى للناس ركعة ، فأخبرت بذلك الناس ، فقالوا لي : تعرف الرجل ؟ فقلت : لا ، إلا أن أراه . فمر بي ، فقلت : هو هذا .

فقالوا : هذا طلحة بن عبيد الله . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي . وابن خزيمة وابن حبان في صحيحيهما ، وعندهما : أنه سلم في ركعتين من صلاة المغرب .

والحاكم ، وقال : صحيح الإسناد . وسويد هذا ، وثقه النسائي وابن حبان . ومعاوية بن حديج ، أثبت البخاري وغيره له صحبة ، وأنكره الإمام أحمد في رواية الأثرم ، فيكون حديثه هذا مرسلا عنده .

فهذا يدل على [أن] إقامة الصلاة في الصلاة لا يبطلها ، وفيها الحيعلتان ، ويزيد على الأذان بقوله : قد قامت الصلاة - أيضا - ؛ ولهذا بنى على ما مضى من صلاته هو ومن صلى معه . وهذا قد يبنى على أصول مالك وأحمد - في رواية عنه - على قوليهما : إن كلام العامد في الصلاة لمصلحة الصلاة لا يبطل الصلاة . ويأتي ذكر هذا في موضع آخر - إن شاء الله .

وإذا قلنا : لا يجيب المؤذن في الصلاة : فهل يتابع إذا فرغ منها ؟ قال طائفة من الشافعية : يجيبه إذا سلم ، فإن طال الفصل ، فهو كترك سجود السهو . وكذلك قال طائفة منهم في المتخلي والمجامع إذا سمع الأذان : أنه إذا فرغ تابعه . وقال بعضهم : وإذا لم يتابعه حتى فرغ عمدا ، فالظاهر أنه يتدارك على القرب ، ولا يتدارك بعد طول الفصل .

والأفضل أن يتابعه على كل جملة عقب فراغ المؤذن منها من غير تأخر ، كما دل عليه حديث معاوية . ومن زعم من المتأخرين : أنه يجوز الإجابة حتى يفرغ ثم يجيبه ، وزعم أنه لا يسمى مؤذنا حتى يفرغ من أذانه - فقد أبطل ، وقال ما خالف به الأولين والآخرين . وفي تسميته مؤذنا بعد فراغ أذانه حقيقة - اختلاف أيضا ، فإنه ينقضي الفعل الذي اشتق منه الاسم ، ولو سابق المؤذن في بعض الكلمات .

ففي تهذيب المدونة للمالكية : إذا عجل قبل المؤذن بالقول فلا بأس ، والله أعلم .

ورد في أحاديث15 حديثًا
هذا المحتوى شرحٌ لـ2 حديثان
موقع حَـدِيث