باب الاستهام في الأذان
ثنا عبد الله بن يوسف : أبنا مالك ، عن سمي مولى أبي بكر ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ، ثم لا يجدون إلا أن يستهموا عليه لاستهموا ، ولو يعلمون ما في التهجير لاستبقوا إليه ، ولو يعلمون ما في العتمة والصبح لأتوهما ولو حبوا ) . فقوله : ( لو يعلم الناس ما في النداء والصف الأول ) . يعني : لو يعلمون ما فيهما من الفضل والثواب ، ثم لم يجدوا الوصول إليهما إلا بالاستهام عليهما - ومعناه : الإقراع - لاستهموا عليهما تنافسا فيهما ومشاحة في تحصيل فضلهما وأجرهما .
وهذا مما استدل به من يرى الترجيح عند التنافس في الأذان بالقرعة ، كما سبق . وقد قيل : إن الضمير في قوله : ( لاستهموا عليه ) يعود إلى الصف الأول ؛ لأنه أقرب المذكورين ، ولم يقل : ( عليهما ) . والأظهر : أنه يعود إلى النداء والصف الأول ، كقوله تعالى : وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ وقد دل الحديث على القرعة في التنافس في الصف الأول إذا استبق إليه اثنان وضاق عنهما وتشاحا فيه ، فإنه يقرع بينهما .
وهذا مع تساويهما في الصفات ، فإن كان أحدهما أفضل من الآخر توجه أن يقدم الأفضل بغير قرعة ، عملا بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( ليليني منكم أولو الأحلام والنهى ، ثم الذين يلونهم ) . خرجه مسلم من حديث ابن مسعود ، ومن حديث أبي مسعود الأنصاري ، كلاهما عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . وقد ذكر أصحابنا : أنه لو قدم بميتين إلى مكان مسبل من مقبرة مسبلة في آن واحد ، فإن كان لأحدهما هناك ميزة من أهل مدفونين عنده أو نحو ذلك قدم ، وإن استويا أقرع بينهما ، ولو دفن اثنان في قبر ، واستويا في الصفات أقرع بينهما ، فقدم إلى القبلة من خرجت له القرعة .
وفعله معاذ بن جبل - رضي الله عنه - بامرأتين له ، دفنهما في قبر . وأما إن كان ثبت لأحدهما حق التقدم في الصف ، فليس لأحد أن يدفعه عنه ، ولو كان أفضل منه ؛ لقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( لا يقيم الرجل [الرجل] من مجلسه فيجلس فيه ، ولكن تفسحوا وتوسعوا ) . فإن كان السابق إلى الصف غلاما لم يبلغ الحلم جاز تأخيره .
فعله أبي بن كعب بقيس بن عبادة ، وصرح به أصحابنا ، وهو ظاهر كلام الإمام أحمد ، وقول سفيان . وكذلك إن قدم رجل عبدا له إلى الصف ثم جاء ، فله أن يؤخره ويجلس مكانه . وإما إن تأخر السابق باختياره ، فهل يكره ، أم لا ؟ فيه قولان ، مبنيان على جواز الإيثار بالقرب .
وظاهر كلام الإمام أحمد كراهته ، حتى في حق الابن مع أبيه ، وحكي عنه جوازه - أيضا . وعلى القول بالجواز ، فلو قام من مكانه إيثارا لرجل ، فسبق إليه غير المؤثر ، فهل يستحقه ؟ فيه وجهان : أحدهما : يستحقه ؛ لأن المؤثر سقط حقه بزواله عنه . والثاني : لا ، وهو أصح ؛ لأن من كان أحق بمكانه ، فله أن يجلس به بنفسه ، ويؤثر به غيره .
وبهذا فسره الإمام أحمد ، واستحسن أبو عبيد ذلك منه . وإنما يسقط حقه إذا قام معرضا عنه ؛ ولهذا لو قام لحاجة ثم عاد فهو أحق بمجلسه ، فكذا إذا قام لإيثار غيره . وفي قوله - صلى الله عليه وسلم - : ( لو يعلمون ما في النداء والصف الأول ، ولم يجدوا إلا أن يستهموا عليه لاستهموا عليه ) - دليل على أن الأذان لا يشرع إعادته مرة بعد مرة ، إلا في أذان الفجر ، كما جاءت السنة به ، وإلا فلو شرعت إعادته لما استهموا ، ولأذن واحد بعد واحد .
وقد صرح بمثل ذلك بعض أصحابنا ، وقال : مع التزاحم يؤذن واحد بعد واحد . وهو مخالف للسنة . وروي عن عمر : أنه اختصم إليه ثلاثة في الأذان ، فقضى لأحدهم بالفجر ، وللثاني بالظهر والعصر ، وللثالث بالمغرب والعشاء .
وقد قيل : إن أبا بكر الخلال خرجه بإسناده ، ولم أقف إلى الآن عليه . ولو قيل : إنه يؤذن المتشاحون جملة - لم يبعد . وقد نص أحمد على أنه لو أذن على المنارة عدة فلا بأس .
وقال القاضي أبو يعلى وأصحابه - متابعة للشافعي وأصحابه - : يستحب أن يقتصر على مؤذنين ، ولا يستحب أن يزيد على أربعة . ثم قالوا : إن كان المسجد صغيرا أذن واحد منهم بعد واحد ، وإن كان كبيرا أذنوا جملة ؛ لأنه أبلغ في التبليغ والإعلام . وقال أصحاب الشافعي : إذا ضاق الوقت والمسجد كبير أذنوا في أقطاره ، وإن كان صغيرا أذنوا معا ، إلا أن تختلف أصواتهم فيؤذن واحد .
واستدلوا بأذان بلال وابن أم مكتوم ، وذاك إنما كان في الفجر خاصة ، ولا يعرف في غير الفجر ، إلا في الجمعة من حين زاد عثمان النداء الثالث على الزوراء . وحمل ابن حبيب المالكي الاستهام على الأذان على الوقت المضيق كالجمعة والمغرب . يشير إلى أنه في الأوقات المتسعة أن يؤذن واحد بعد واحد .
وقال حرب : قلت لأحمد : فالأذان يوم الجمعة ؟ [قال] : إذا أذن على المنارة عدة فلا بأس بذلك ؛ قد كان يؤذن للنبي - صلى الله عليه وسلم - بلال وابن أم مكتوم ، وجاء أبو محذورة وقد أذن رجل قبله فأذن أبو محذورة - أيضا . وهذا النص يشعر بأنه يجوز أن يؤذن واحد بعد واحد في غير الفجر ، وهذا محمول على جوازه إذا وقع أحيانا ، لا أنه يستحب المداومة عليه ، وأما أذان بلال وابن [أم] مكتوم فكان في الفجر ، ولم يؤذنا جملة ، فلا يدل على الاجتماع على الأذان بحال . وقد علل النبي - صلى الله عليه وسلم - أذان بلال ، فقال : ( ليرجع قائمكم ، ويوقظ نائمكم ) .
وهذا المعنى لا يوجد في غير صلاة الصبح ، ولا روي في غير الصبح أنه أذن على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مرتين . وفي ( الصحيحين ) عن ابن عمر : كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - في مسجد واحد مؤذنان : بلال وابن أم مكتوم . وهذا يستدل به على أنه يستحب نصب مؤذنين للمسجد خشية أن يغيب أحدهما فيؤذن الآخر ؛ لئلا يتعطل الأذان مع غيبته .
والذي ذكر الإمام أحمد ، خرجه ابن أبي شيبة : ثنا حفص ، عن الشيباني ، عن عبد العزيز بن رفيع ، قال : رأيت أبا محذورة جاء وقد أذن إنسان ، فأذن هو وأقام . وهذا فعله أبو محذورة مرة ؛ لافتئات غيره عليه بأذانه قبله ، ولم يكن مع أبي محذورة مؤذن راتب غيره بمكة . قال ابن أبي شيبة : ثنا يزيد بن هارون ، عن حجاج ، عن شيخ من المدينة ، عن بعض بني مؤذني النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : كان ابن أم مكتوم يؤذن ، ويقيم بلال ، وربما أذن بلال وأقام ابن أم مكتوم .
إسناد ضعيف . ولو صح لكان دليلا على أنهما لم يكونا يجتمعان في أذان واحد في غير صلاة الفجر . وروى وكيع في ( كتابه ) ، عن إسرائيل ، عن جابر ، عن عامر : كان لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة مؤذنين : بلال وأبو محذورة وابن أم مكتوم ، فإذا غاب واحد أذن الآخر .
وقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( لقد هممت أن أجعل المؤذنين ستة ) . قال : فإذا أقيمت الصلاة اشتدوا في الطرق ، فآذنوا الناس بالصلاة . هذا مرسل ضعيف ؛ فإن جابرا هو الجعفي .
وأبو محذورة لم يكن يؤذن للنبي - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة . وقد خرجه البيهقي ، عن الحاكم ، عن أبي بكر بن إسحاق ، عن العباس بن الفضل الأسفاطي ، عن أبي بكر بن أبي شيبة : ثنا يحيى ، عن إسرائيل عن أبي إسحاق ، عن الأسود ، عن عائشة ، قالت : كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة مؤذنين : بلال ، وأبو محذورة ، وابن أم مكتوم . وقال : قال أبو بكر - يعني : ابن إسحاق - : هو صحيح .
وليس كما قال ابن إسحاق . هذا في كتاب ابن أبي شيبة ( المصنف ) . والصحيح : حديث وكيع ، عن إسرائيل ، عن جابر الجعفي ، عن الشعبي - مرسلا .
وروى الإمام أحمد ، ثنا إسماعيل ، ثنا يونس بن أبي إسحاق ، عن أبي إسحاق ، عن الأسود ، عن عائشة ، قالت : كان للنبي - صلى الله عليه وسلم - مؤذنان : بلال وعمرو بن أم مكتوم . وهذه الرواية أصح . وخرج الدارقطني من رواية أولاد سعد القرظ ، عن آبائهم ، عن جدهم سعد ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له : ( يا سعد ، إذا لم تر بلالا معي فأذن ) .
وفي إسناده ضعف . وفي الحديث دليل على شرف الأذان وفضله ، واستحباب المنافسة فيه لأكابر الناس وأعيانهم ، وأنه لا يوكل إلى أسقاط الناس وسفلتهم ، وقد كان الأكابر ينافسون فيه . قال قيس بن أبي حازم : قال عمر : لو كنت أطيق الأذان مع الخليفى لأذنت .
وقال عبد الله بن الحسن : قال ابن أبي طالب : ما آسى على شيء ، إلا أني كنت وددت أني كنت سألت للحسن والحسين الأذان . وعن سعد بن أبي وقاص ، قال : لأن أقوى على الأذان أحب إلي من أن أحج وأعتمر وأجاهد . وعن عمر وابن مسعود - معناه .
وعن ابن الزبير ، قال : وددت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أعطانا النداء . وقال النخعي : كانوا يستحبون أن يكون مؤذنيهم فقهاؤهم ؛ لأنهم ولوا أمر دينهم . وقال الحسن : قال عمر : لا يستحي رجل أن يكون مؤذنا .
وقال زاذان : لو يعلم الناس ما في فضل الأذان لاضطربوا عليه بالسيوف . وقال شبيل بن عوف ، قال عمر : من مؤذنوكم ؟ قلنا : عبيدنا وموالينا . قال : إن ذلك لنقص بكم كبير .
وروى قيس بن أبي حازم ، عن عمر - مثله - قال : وقال : لو أطقت الأذان مع الخليفى لأذنت . وقال يحيى بن أبي كثير : حدثت أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال : ( لو علم الناس ما في الأذان لتحاروه ) . قال : وكان يقال : ابتدروا الأذان ، ولا تبدروا الإمامة .
وقال حماد بن سلمة : أبنا أبو غالب ، قال : سمعت أبا أمامة يقول : المؤذنون أمناء للمسلمين ، والأئمة ضمناء . قال : والأذان أحب إلي من الإمامة . خرجه البيهقي .
وممن رأى الأذان أفضل من الإمامة - الشافعي ، في أصح قوليه ، نص عليه في ( الأم ) ، وعلى كراهة الإمامة ؛ لما فيها من الضمان . وهو - أيضا - أصح الروايتين عن أحمد . وروى أبو حمزة السكري ، عن الأعمش ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( الإمام ضامن والمؤذن مؤتمن ، اللهم أرشد الأئمة واغفر للمؤذنين ) .
قالوا : يا رسول الله ، تركتنا نتنافس في الأذان ، فقال : ( إن من بعدكم زمانا سفلتهم مؤذنوهم ) . خرجه البراز . وقال : لم يتابع عليه أبو حمزة .
يعني : على الزيادة التي آخره ؛ فإن أول الحديث معروف بهذا الإسناد ، خرجه أبو داود والترمذي وغيرهما . وقال الدارقطني : هذه الألفاظ ليست محفوظة . قلت : وقد رويت بإسناد ضعيف ، عن يحيى بن عيسى الرملي ، عن الأعمش - أيضا .
ذكره ابن عدي . وفي إسناد الحديث اختلاف كثير ، وقد روي موقوفا على أبي هريرة . قال الشافعي في ( الأم ) : أحب الأذان ؛ لقول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( اللهم اغفر للمؤذنين ) ، وأكره الإمامة للضمان ، وما على الإمام فيها .
واستدل من رجح الإمامة - وهو أحد قولي الشافعي ، وحكي رواية عن أحمد - : بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - والخلفاء بعده كانوا يتولون الإمامة دون الأذان . وأجيب عن ذلك بأنهم كانوا مشتغلين عن الأذان بمصالح المسلمين التي لا يقوم غيرهم فيها مقامهم ، فلم يتفرغوا للأذان ومراعاة أوقاته ؛ ولهذا قال عمر : لو كنت أطيق الأذان مع الخليفى لأذنت . والخليفى : الخلافة .
وأما الإمامة ، فلم يكن لهم بد من صلاة وهم أئمة الناس في أمور دينهم ودنياهم ، فلذلك تقلدوا الإمامة ، ومن قدر على الجمع بين المرتبتين لم يكره له ذلك ، بل هو أفضل ، وكلام عمر يدل عليه ، وكان ابن عمر يفعل ذلك . وقال مصعب بن سعد : هو من السنة . وللشافعية وجه بكراهة الجمع .
وفي النهي عن الجمع حديث مرفوع : خرجه البيهقي وغيره ، وهو غير صحيح . وقال الماوردي منهم : للإنسان في الأذان والإمامة أربعة أحوال : حال يمكنه القيام بهما والفراغ لهما ، فالأصل أن يجمع بينهما . وحال يعجز عن الإمامة لقلة علمه وضعف قراءته ، ويقدر على الأذان لعلو صوته ومعرفته بالأوقات ، فالانفراد له بالأذان أفضل .
وحال يعجز فيه عن الأذان لضعف صوته وقلة إبلاغه ، ويكون قيما بالإمامة لمعرفته بأحكام الصلاة وحسن قراءته ، فالإمامة له أفضل . وحال يقدر على كل واحد منهما ويصلح له ، ولا يمكنه الجمع بينهما ، فأيهما أفضل ؟ فيه وجهان .