حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب

باب الأذان قبل الفجر

حدثني إسحاق : أبنا أبو أسامة ، قال : عبيد الله ثنا ، عن القاسم بن محمد ، عن عائشة - وعن نافع ، عن ابن عمر - أن النبي - صلى الله عليه وسلم - . 623 - وحدثني يوسف بن عيسى : ثنا الفضل بن موسى : ثنا عبيد الله بن عمر ، عن القاسم ، عن عائشة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه قال : ( إن بلالا يؤذن بليل ، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم ) . وقد خرجه البخاري في ( الصيام ) عن عبيد بن إسماعيل ، عن أبي أسامة ، بالإسنادين - أيضا - وفي آخر الحديث : ( فإنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر ) .

قال القاسم : ولم يكن بين أذانهما إلا أن يرقى ذا وينزل ذا . وقد روي عن عائشة من وجه آخر : من رواية الدراوردي : ثنا هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، قالت : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( إن ابن أم مكتوم رجل أعمى ، فإذا أذن المؤذن فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال ) . قالت عائشة : وكان بلال يبصر الفجر .

قال هشام : وكانت عائشة تقول : غلط ابن عمر . خرجه الحاكم والبيهقي . قال البيهقي : حديث عبيد الله بن عمر ، عن القاسم ، عن عائشة أصح .

وخرجه الإمام أحمد - أيضا - وابن خزيمة وابن حبان في ( صحيحيهما ) . وفي رواية : وكان بلال لا يؤذن حتى يرى الفجر . وقد روي نحو هذا اللفظ - أيضا - من رواية أبي إسحاق ، عن الأسود ، عن عائشة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .

خرجه ابن خزيمة . وقال : فيه نظر ؛ فإني لا أقف على سماع أبي إسحاق لهذا الخبر من الأسود . وقد حمل ابن خزيمة وابن حبان وغيرهما هذا - على تقدير [أن يكون محفوظا - على أن الأذان كان نوبا بين بلال وابن أم مكتوم ، فكان يتقدم] بلال تارة ، ويتأخر ابن أم مكتوم ، وتارة بالعكس .

والأظهر - والله أعلم - : أن هذا اللفظ ليس بمحفوظ ، وأنه مما انقلب على بعض رواته . ونظير هذا : ما روى شعبة ، عن خبيب بن عبد الرحمن ، عن عمته أنيسة بنت خبيب ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إن بلالا يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم ) . ولم يكن بين أذانهما إلا أن ينزل هذا ويصعد هذا .

كذا روى أبو داود الطيالسي وعمرو بن مرزوق وغيرهما عن شعبة . ورواه غيرهما ، عن شعبة بالعكس ، وقالوا : ( إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل ، فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال ) . ورواه سليمان بن حرب وغيره عن شعبة بالشك في ذلك .

وقد روى الواقدي بإسناد له ، عن زيد بن ثابت ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : ( إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل فكلوا واشربوا حتى يؤذن بلال ) . خرجه البيهقي . والواقدي ، لا يعتمد [عليه] .

والصحيح من ذلك : ما رواه القاسم ، عن عائشة . وما رواه سالم ونافع وعبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ، وما رواه أبو عثمان ، عن ابن مسعود ؛ فإن هذه الأحاديث كلها صحيحة ، وقد دلت على أن بلالا كان يؤذن بليل . ودل ذلك على جواز الأذان قبل طلوع الفجر ، وهو قول مالك ، والأوزاعي ، وابن المبارك ، والشافعي ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبي يوسف ، وأبي ثور ، وداود ، وأبي خيثمة ، وسليمان بن داود الهاشمي ، وأبي بكر بن أبي شيبة وغيرهم من فقهاء أهل الحديث .

وعليه عمل أهل الحرمين ، ينقلونه خلفا عن سلف ، حتى قال مالك في ( الموطأ ) : لم يزل الصبح ينادى لها قبل الفجر . وذكر الشافعي ، أنه فعل أهل الحرمين ، وأنه من الأمور الظاهرة عندهم ، ولم ينكره منكر . وقال الإمام أحمد : أهل الحجاز يقولون : هو السنة - يعني : الأذان بليل .

وكذا قال إسحاق : هو سنة . وكذا قال أحمد في رواية حنبل . قال القاضي في ( جامعه الكبير ) والآمدي : وظاهر هذا ، أنه أفضل من الأذان بعد الفجر ، وهو قول الجوزجاني وغيره من فقهاء أهل الحديث ؛ لأنه أبلغ في إيقاظ النوام للتأهب لهذه الصلاة ، فيكون التقديم سنة ، كما : أن كان التثويب في هذا الأذان سنة - أيضا - ؛ لهذا المعنى .

وقالت طائفة : هو رخصة ، وهو قول ابن أبي شيبة ، وأومأ إليه أحمد في روايات أخر . فالأفضل عند هؤلاء : الأذان بعد طلوع الفجر ، ويجوز تقديمه . واختلف القائلون : بأن الفجر يؤذن لها بليل في الوقت الذي يجوز الأذان فيه من الليل : فالمشهور عند أصحاب الشافعي : أنه يجوز الأذان لها في نصف الليل الثاني ؛ لأنه يخرج به وقت صلاة العشاء المختار .

ومنهم من قال : ينبني على الاختلاف في آخر وقت العشاء المختار ، فإن قلنا : ثلث الليل ، أذن للفجر بعد الثلث . ومنهم من قال : يؤذن للفجر في الشتاء لسبع ونصف بقي من الليل ، وفي الصيف لنصف سبع . وروى الشافعي في القديم بإسناد ضعيف ، عن سعد القرظ ، قال : أذنا في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - بقباء ، وفي زمن عمر بالمدينة ، فكان أذاننا في الصبح في الشتاء لسبع ونصف بقي من الليل ، وفي الصيف [لسبع] يبقى منه .

ومن الشافعية من قال : يؤذن لها قبيل طلوع في السحر . وصححه جماعة ، وهو ظاهر المنقول عن بلال وابن أم مكتوم . وأما أصحابنا ، فقالوا : يؤذن بعد نصف الليل ، ولم يذكروا ذلك عن أحمد .

ولو قيل : إنه لا يؤذن حتى يطلع الفجر الأول استدلالا بحديث أبي ذر المتقدم لتوجه . وقد مر بي أن أحمد أومأ إلى ذلك ، أو نص عليه ، ولم أتحققه إلى الآن . وروى الشافعي بإسناده ، عن عروة بن الزبير ، قال : إن بعد النداء بالصبح لحزبا حسنا ، إن الرجل ليقرأ سورة البقرة .

وهذا - أيضا - يدل على قرب الأذان من طلوع الفجر . وأما أصحاب مالك ، فحكى ابن عبد البر عن ابن وهب ، أنه قال : لا يؤذن لها [إلا في السحر . فقيل له : وما السحر ؟ قال : السدس الآخر .

قال : وقال ابن حبيب : يؤذن لها] من بعد خروج وقت العشاء ، وذلك نصف الليل . ومع جواز الأذان لصلاة الصبح قبل طلوع الفجر ، فيستحب إعادة الأذان لها بعد الفجر مرة ثانية . قال أحمد - في رواية حنبل - : الأذان الذي عليه أهل المدينة الأذان قبل طلوع الفجر ، هو الأذان الأول ، والأذان الثاني بعد طلوع الفجر .

وكره أحمد الأذان للفجر قبل طلوع الفجر في رمضان خاصة ؛ لما فيه منع الناس من السحور في وقت يباح فيه الأكل . وقد يستدل له بحديث شداد مولى عياض ، عن بلال المتقدم ذكره ، في نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - بلالا أن يؤذن حتى يطلع الفجر ؛ فإن في تمام الحديث : أنه أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - وهو يتسحر . ومن أصحابنا من حكى رواية أخرى : أنه لا يكره .

قال طائفة من أصحابنا : وكراهته إنما هو إذا اقتصر على هذا الأذان ؛ فإن أذن معه أذان ثان بعد طلوع الفجر لم يكره . وعليه يدل حديث ابن عمر وعائشة في هذا الباب . وقالت طائفة من أهل الحديث : لا يؤذن لصلاة الصبح قبل الفجر ، إلا أن يعاد الأذان بعد الفجر في جميع الأوقات ، وهو اختيار ابن خزيمة وغيره ، وإليه ميل ابن المنذر ، وحكاه القاضي أبو الحسن من أصحابنا رواية عن أحمد .

ويمكن أن تكون مأخوذة من رواية حنبل التي ذكرنا آنفا . واستدل هؤلاء بحديث عائشة وابن عمر وأنيسة ، وما في معناها من أنه كان في زمن النبي - صلى الله عليه وسلم - أذانان : أحدهما بليل ، والآخر بعد الفجر . ويمكن الجمع بين هذه الأحاديث والأحاديث التي رواها العراقيون في أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بلالا بإعادة الأذان بعد الفجر ، بأن الأذان كان في أول الأمر بعد طلوع الفجر ، ثم لما أذن بلال بليل وأمره النبي - صلى الله عليه وسلم - بإعادة أذانه بعد الفجر رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - في أذانه قبل الفجر مصلحة ، فأقره على ذلك [واتخذ] مؤذنا آخر يؤذن بعد الفجر ؛ ليجمع بين المصالح كلها : إيقاظ النوام ، وكف القوام ، والمبادرة بالسحور للصوام ، وبين الإعلام بالوقت بعد دخوله .

وهذا كما روي : أن بلالا هو الذي زاد في أذانه : ( الصلاة خير من النوم ) مرتين في أذان الفجر ، فأقرها النبي - صلى الله عليه وسلم - في الأذان لما رأى فيه من زيادة إيقاظ النائمين في هذا الوقت . واستدل الأولون بما خرجه أبو داود من رواية عبد الرحمن بن زياد ، عن زياد بن نعيم الحضرمي ، عن زياد بن الحارث الصدائي ، قال : كنت مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر ، فلما كان أول أذان الصبح أمرني فأذنت ، فجعلت أقول أقيم [يا] رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ؟ ، فجعل ينظر في ناحية المشرق إلى الفجر ، فيقول : ( لا ) ، حتى إذا طلع الفجر نزل فتبرز ثم انصرف إلي وقد تلاحق أصحابه - يعني : فتوضأ - فأراد بلال أن يقيم ، فقال له النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( إن أخا صداء هو أذن ، ومن أذن فهو يقيم ) . قال : فأقمت - وذكر حديثا فيه طول .

فهذا يدل على أنه أذن قبل طلوع الفجر واجتزأ بذلك الأذان ، ولم يعده بعد طلوعه . ولمن رجح قول من أوجب الإعادة بعد طلوع الفجر ، أنه يقول : هذا الحديث إسناده غير قوي . وقد خرجه ابن ماجه والترمذي مختصرا .

قال الترمذي : إنما نعرفه من حديث الأفريقي ، والأفريقي هو ضعيف عند أهل الحديث . وقال سعيد البرذعي : سئل أبو زرعة عن حديث الصدائي في الأذان . فقال : الأفريقي ، وحرك رأسه .

قلت : وقد اختلف عليه في لفظ الحديث : فخرجه الإمام أحمد عن محمد بن يزيد الواسطي ، عن الإفريقي بهذا الإسناد ، ولفظه : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ( أذن يا أخا صداء ) قال : فأذنت ، وذلك حين أضاء الفجر - وذكر الحديث مختصرا . فهذه الرواية فيها التصريح بأنه إنما أذن بعد إضاءة الفجر وطلوعه . وقد رواه ابن لهيعة ، فخالف الأفريقي في إسناده ، فرواه عن بكر بن سوادة ، عن زياد بن نعيم ، عن حبان بن بح الصدائي صاحب النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : اتبعت النبي - صلى الله عليه وسلم - يعني : في مسير له - ليلة إلى الصباح ، فأذنت بالصلاة لما أصبحت ، وأعطاني إناء وتوضأت منه ، فجعل النبي - صلى الله عليه وسلم - أصابعه في الإناء ، فانفجر عيونا ، فقال : ( من أراد منكم أن يتوضأ فليتوضأ ) - فذكر حديثا ، ولم يذكر فيه : الإقامة .

وفي هذه الرواية إنما أذن لما أصبح - أيضا . وقصة الوضوء وتفجر الماء مذكورة - أيضا - في حديث الإفريقي .

ورد في أحاديث20 حديثًا
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث