باب الأذان للمسافرين إذا كانوا جماعة والإقامة وكذلك بعرفة وجمع وقول المؤذن الصلاة في الرحال
ثنا إسحاق : أبنا جعفر بن عون : ثنا أبو العميس ، عن عون بن أبي جحيفة ، عن أبيه ، قال : رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالأبطح ، فجاءه بلال فآذنه بالصلاة ، ثم خرج بلال بالعنزة حتى ركزها بين يدي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالأبطح ، وأقام الصلاة . في هذه الرواية : التصريح بالإقامة دون الأذان ، وكان ذلك بالأبطح في حجة الوداع . وقد خرج البخاري فيه ذكر الأذان في الباب الآتي ، ولكن اختصره ، وسنذكره بتمامه فيه - إن شاء الله تعالى .
وفي هذا الحديث : أن بلالا آذن النبي - صلى الله عليه وسلم - بالصلاة ، وخرج بين يديه بالعنزة ، وأقام الصلاة ، وهذا موافق لحديث عائشة المتقدم الذي خرجه البخاري في ( باب : انتظار الإقامة ) . وقد دلت هذه الأحاديث على مشروعية الأذان في السفر لجميع الصلوات ، فإن منها ما فيه الأذان في السفر ليلا كحديث ابن عمر ، ومنها ما فيه الأذان في السفر نهارا كحديث أبي جحيفة ، فإن فيه الأذان للظهر والعصر بالأبطح ، وحديث أبي ذر ، فإن فيه الأذان للظهر ، وحديث مالك بن الحويرث يعم سائر الصلوات ، وأحاديث الأذان بعرفة تدل على الأذان للجمع بين الظهر والعصر ، وأحاديث الأذان بالمزدلفة تدل على الأذان للجمع بين المغرب والعشاء ، وقد اختلفت الروايات في ذلك ، وتذكر في موضعها - إن شاء الله . وقد تقدم حديث الأذان للصلاة في السفر بعد فوات وقتها .
وفي حديث أبي محذورة أنهم سمعوا الأذان مع النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد قفل من حنين راجعا . وقد اختلف العلماء في الأذان في السفر : فذهب كثير منهم إلى أنه مشروع للصلوات كلها . /155 قال ابن سيرين : كانوا يؤمرون أن يؤذنوا ويقيموا ويؤمهم أقرؤهم /155 .
خرجه الأثرم . وهو قول أبي حنيفة والشافعي . ونقل ابن منصور ، عن أحمد وإسحاق ، أنه يؤذن ويقام في السفر لكل صلاة ، واحتجا بحديث مالك بن الحويرث .
ولكن أكثر أصحابنا على أن الأذان والإقامة سنة في السفر ، ليس بفرض كفاية ، بل سنة بخلاف الحضر . ومن متأخريهم من سوى في الوجوب بين السفر والحضر ، والواحد والجماعة ، وهو قول داود . وقال ابن المنذر : هو فرض في حق الجماعة في الحضر والسفر .
وظاهر تبويب البخاري يدل على أنه يرى الأذان إنما يشرع في السفر للجماعة ، دون المنفرد . /155 قال مجاهد : إن نسي الإقامة في السفر أعاد /155 . وهذا يدل على أنه رآها شرطا في حق المسافر وغيره .
وقالت طائفة : لا يؤذن إلا للفجر خاصة ، بل يقيم لكل صلاة . روي هذا عن ابن عمر . وروي عنه مرفوعا .
خرجه الحاكم . وفي إسناده ضعف واضطراب . قال البيهقي : رفعه وهم فاحش ، ولا يصح رفعه .
وروي عن ابن سيرين مثل قول ابن عمر . ونقله حرب ، عن إسحاق . ونقل الميموني ، عن أحمد ، قال في المسافر في الفجر خاصة يؤذن ويقيم ، وفي غير الفجر يقيم - إن شاء الله .
ونقل ابن منصور ، عن إسحاق : لا بد للمسافر أن يقيم بخلاف الحاضر ؛ لأن الحاضر يكتفي بأذان غيره وإقامته . واختلفت الرواية عن مالك : فنقل عنه ابن القاسم : الأذان إنما هو في المصر للجماعة في المساجد . وروى أشهب ، عن مالك : إن ترك المسافر الأذان عمدا فعليه إعادة الصلاة .
ذكره ابن جرير ، عن يونس بن عبد الأعلى ، عنه . وقال الحسن والقاسم بن محمد : تجزئه إقامة في السفر . وقالت طائفة : هو بالخيار ، إن شاء أذن ، وإن شاء أقام في السفر .
روي عن علي وعروة بن الزبير ، وبه قال سفيان . وكان ابن عمر يقول : إنما الأذان للإمام الذي يجتمع إليه الناس . رواه مالك عن نافع ، عن ابن عمر ، أنه كان لا يزيد على الإقامة في السفر في الصلاة إلا في الصبح ؛ فإنه كان يؤذن فيها ويقيم ، ويقول : إنما الأذان للإمام الذي يجتمع إليه الناس .
وقال أبو الزبير ، سألت ابن عمر : أؤذن في السفر ؟ قال : لمن يؤذن ؟ للفأر ؟! وأما الذين رأوا الأذان في السفر ، فقالوا : الأذان للإعلام بالوقت ، وهذا مشروع في الحضر والسفر . وأما إن كان المصلي منفردا وحده في قرية ، فقد ورد في فضل أذانه وإقامته غير حديث : روى سليمان التميمي ، عن أبي عثمان النهدي ، عن سلمان ، قال : لا يكون رجل بأرض [قي] ، فتوضأ إن وجد ماء وإلا تيمم ، فينادي بالصلاة ثم يقيمها إلا أم من جنود الله ما لا يرى طرفاه - أو قال : طرفه . ورواه القاسم بن غصن - وفيه ضعف - عن داود بن أبي هند ، عن أبي عثمان ، عن سلمان - مرفوعا .
ولا يصح ، والصحيح موقوف - : قاله البيهقي . وروى مالك ، عن يحيى بن سعيد ، /155 عن سعيد بن المسيب ، أنه كان يقول : من صلى بأرض فلاة صلى عن يمينه ملك ، وعن شماله ملك ، فإن أذن وأقام صلى وراءه من الملائكة أمثال الجبال /155 . وقد روي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ما يدل على استحباب الأذان للمنفرد في السفر : فخرج مسلم من رواية حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن أنس ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يغير إذا طلع الفجر ، وكان يستمع الأذان ، فإن سمع أذانا أمسك ، وإلا أغار ، فسمع رجلا يقول : الله أكبر الله أكبر ، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : على الفطرة ، ثم قال : أشهد أن لا إله إلا الله ، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : خرجت من النار ، فنظروا فإذا هو راعي معزى .
وخرج الإمام أحمد من حديث ابن مسعود ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمعناه ، وفيه : فابتدرناه ، فإذا هو صاحب ماشية ، فأدركته الصلاة ، فنادى بها . وخرج - أيضا - بمعناه من حديث معاذ ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من حديث عقبة بن عامر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : يعجب ربك من راعي غنم ، في شظية بجبل يؤذن للصلاة ويصلي ، فيقول عز وجل : انظروا إلى عبدي هذا ، يؤذن ويقيم ويصلي ، يخاف مني ، قد غفرت لعبدي وأدخلته الجنة .
واستدل النسائي للإقامة في حق المنفرد بحديث خرجه من رواية رفاعة بن رافع ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال للمسيء في صلاته : إذا قمت إلى الصلاة فتوضأ كما أمرك الله ثم تشهد ، ثم كبر - وذكر له صفة بقية الصلاة ، وقال في آخر ذلك : فإذا فعلت ذلك فقد تمت صلاتك ، وإن أنقصت منه شيئا انتقص من صلاتك ، ولم تذهب كلها . وإن صلى وحده في مصر ، فإن شاء أذن وأقام ، وإن شاء أجزأه أذان أهل المصر ، واكتفى بالإقامة - : نص عليه أحمد . وممن قال : يكفيه الإقامة : سعيد ، وميمون بن مهران ، والزهري ، ومالك ، والأوزاعي .
وقد تقدم عن إسحاق : أن الحاضر إن شاء صلى بغير أذان ولا إقامة ، والمسافر لا بد له أن يقيم . وأما الشافعي ، فنص على أن المنفرد يؤذن ويقيم . وخرج له أصحابه قولا آخر : أنه لا يؤذن ويكتفي بالإقامة .
ومن أصحابه من قال : إن بلغه أذان غيره لم يؤذن ، [وإلا أذن] . وحكى ابن المنذر ، عن الكوفيين ، أن له أن يصلي في المصر وحده بغير أذان ولا إقامة ، منهم : الشعبي والأسود وأبو مجلز والنخعي . وحكى مثله عن مجاهد وعكرمة .
وعن أبي حنيفة وأصحابه وأبي ثور : يجزئه أذان أهل المصر . وعن ابن سيرين والنخعي : تجزئه الإقامة ، إلا في الفجر ؛ فإنه يؤذن ويقيم . وحكى ابن عبد البر ، عن أبي حنيفة وأصحابه : أن المسافر يكره له أن يصلي بغير أذان وإقامة ، وأما الحاضر إذا صلى وحده فيستحب أن يؤذن ويقيم ، وإن اكتفى بأذان أهل المصر وإقامتهم أجزأه .
قلت : وقال سفيان : إن سمع إقامة أهل المصر فاكتفى بها أجزأه ، فلم يكتف بالإقامة حتى يسمعها . وروي عن علقمة ، قال : صلى ابن مسعود بي وبالأسود بغير أذان ولا إقامة ، وربما قال : يجزئنا أذان الحي وإقامتهم . خرجه البيهقي .
وخرج - أيضا - بإسناد ضعيف جدا ، عن ابن عمر ، أنه كان يقول : من صلى في مسجد قد أقيمت فيه الصلاة أجزأته إقامتهم . ثم قال : وبه قال الحسن والشعبي والنخعي . قال : وقال الشافعي : لم أعلم مخالفا أنه إذا جاء المسجد وقد خرج الإمام من الصلاة كان له أن يصلي بلا أذان ولا إقامة .
قال البيهقي : وكان عطاء يقول : يقيم لنفسه . ثم روى بإسناد صحيح ، عن أبي عثمان ، قال : جاءنا أنس بن مالك وقد صلينا الفجر ، فأذن وأقام ، ثم صلى الفجر لأصحابه . قال : ورويناه عن سلمة بن الأكوع في الأذان والإقامة ، ثم عن ابن المسيب والزهري .
وروى من طريق الشافعي : حدثنا إبراهيم بن محمد : أخبرني عمارة بن غزية ، عن خبيب بن عبد الرحمن ، عن حفص بن عاصم ، قال : سمع النبي - صلى الله عليه وسلم - رجلا يؤذن للمغرب ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - مثل ما قال ، فانتهى النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد قال : قد قامت الصلاة ، فقال النبي - صلى الله عليه وسلم - : ( انزلوا فصلوا المغرب بإقامة هذا العبد الأسود ) . وهذا ضعيف ، إبراهيم ، هو ابن أبي يحيى ، تركوا حديثه . وروى وكيع في ( كتابه ) عن دلهم بن صالح ، عن عون بن عبد الله ، أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كان في سفر ، فسمع إقامة مؤذن ، فصلى بأصحابه بإقامته .
وهو مرسل - أيضا . وقال أكثر أصحابنا : من صلى في مسجد قد صلي فيه بغير أذان ولا إقامة فلا بأس . ومن متأخريهم من قال : لا يسقط وجوب الأذان إلا عمن صلى مع المؤذن ، ولا يسقط عمن لم يصل معه وإن سمعه ، سواء كان واحدا أو جماعة في المسجد الذي صلي فيه بأذان أو غيره .
وهذا شذوذ لا يعول عليه . وهو خلاف نص أحمد : أن المصلي وحده في مصر يجزئه أذان المصر . ونص الإمام أحمد في رواية جعفر بن محمد على أنه لا يترك الأذان في المسجد .
وظاهره : يدل على أن الأذان واجب في مساجد الجماعات . وقال أبو بكر عبد العزيز بن جعفر : الواجب في المصر أذان واحد ، وما زاد عليه في المساجد فهو سنة . ولم يفرق بين أن يكون أهل المصر يبلغهم ذلك الأذان ، أو لا .
وقال المتأخرون من أصحابنا : الواجب من الأذان في المصر ما حصل به الإعلام في أقطاره ونواحيه غالبا ، فلا يجزئ فيه أذان واحد إذا كان لا يبلغ أقطاره . وأما ما بوب عليه البخاري من قول المؤذن في الأذان في الليلة المطيرة أو الباردة : ( الصلاة في الرحال ) ، فحديث ابن عمر يدل على أنه يقول بعد فراغ أذانه . وقد تقدم في ( باب : الكلام في الأذان ) : حديث ابن عباس في قولها في الحضر في أثناء الأذان قبل فراغه ، وسبق الكلام عليه .