باب فَضْلِ صَلاةِ الجَمَاعَةِ
حَدَّثَنَا عَبْد الله بْن يوسف ، أنا مَالِك ، عَن نافعٍ ، عَن عَبْد الله بْن عُمَر ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( صلاةُ الجماعة تفضل عَلَى صلاة الفذ بسبعٍ وعشرين درجةً ) . الحَدِيْث الثاني : قَالَ : 646 - حَدَّثَنَا عَبْد الله بْن يوسف ، حَدَّثَنِي الليث ، حَدَّثَنِي ابن الهاد ، عَن عَبْد الله بْن خباب ، عَن أَبِي سَعِيد الْخُدرِيَّ ، أَنَّهُ سَمِعَ النبي صلى الله عليه وسلم يَقُول : ( صلاة الجماعة تفضل صلاة الفذ بخمسٍ وعشرين درجةً ) . الحَدِيْث الثالث : 647 - حَدَّثَنَا موسى بْن إسماعيل : نا عَبْد الواحد ، قَالَ : ثنا الأعمش ، قَالَ : سَمِعْت أبا صالح يَقُول : سَمِعْت أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُول : قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( صلاة الرَّجُلُ فِي الجماعة تضعف عَلَى صلاته فِي بيته وفي سوقه خمسة وعشرين ضعفاً ، وذلك أَنَّهُ إذا توضأ فأحسن الوضوء ، ثُمَّ خرج إلى المسجد لا يخرجه إلا الصلاة لَمْ يخط خطوة إلا رفعت لَهُ بِهَا درجة وحط عَنْهُ بِهَا خطيئة ، فإذا صلى لَمْ تزل الملائكة تصلي عَلِيهِ مَا دام فِي مصلاه : اللهم صل عَلِيهِ ، اللهم ارحمه ، ولا يزال أحدكم فِي صلاةٍ مَا انتظر الصلاة ) .
فِي حَدِيْث ابن عُمَر : أن صلاة الجماعة تفضل عَلَى صلاة الفذ بسبعٍ وعشرين درجةً ، وفي حَدِيْث أَبِي سَعِيد : أنها تفضل عَلَيْهَا بخمس وعشرين . وقد جمع بعض النَّاس بينهما ، فَقَالَ : أريد فِي حَدِيْث ابن عُمَر ذكر صلاة الفذ وصلاة الجماعة ، وما بَيْنَهُمَا من الفضل ، وَهُوَ خمس وعشرون ، فصار ذَلِكَ سبعاً وعشرين ، وفي حَدِيْث أَبِي سَعِيد ذكر قدر الفضل بَيْنَهُمَا فَقَطْ ، وَهُوَ خمس وعشرون . وهذا بعيد ، فإن حَدِيْث ابن عُمَر ذكر فِيهِ قدر التفاضل بَيْن الصلاتين - أيضاً - ، كما ذكر فِي حَدِيْث أَبِي سَعِيد .
وقد خرجه مُسْلِم من رِوَايَة عُبَيْدِ الله بْن عُمَر ، عَن نَافِع ، عَن ابن عُمَر ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( صلاة الرَّجُلُ فِي الجماعة تزيد عَلَى صلاته وحده سبعاً وعشرين درجة ) . وأما حَدِيْث أَبِي هُرَيْرَةَ ففيه تضعّف صلاة الجماعة عَلَى الصلاة فِي البيت والسوق خمسة وعشرين ضعفاً ، والمراد بِهِ - أيضاً - : قدر التفاضل بَيْنَهُمَا . وسيأتي حَدِيْث أَبِي هُرَيْرَةَ بلفظ آخر ، خرجه البخاري فِي الباب الَّذِي يأتي بعد هَذَا ، وَهُوَ : ( تفضل صلاة الجميع صلاة أحدكم وحده بخمسة وعشرين جزءاً ) .
والمراد بهذه الأجزاء والأضعاف والدرج معنى واحد - واللهُ أعلم - وَهُوَ أن صلاة الفذ لها ثواب مقدر معلوم عِنْدَ الله ، تزيد صلاة الجماعة عَلَى ثواب صلاة الفذ خمسة وعشرين أو سبعة وعشرين . وقد جَاءَ التصريح بهذا فِي حَدِيْث خرجه مُسْلِم من رِوَايَة سلمان الأغر ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( صلاة الجماعة تعدل خمساً وعشرين من صلاة الفذ ) . وخرج - أيضاً - من وجه آخر ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( صلاة مَعَ الإمام أفضل من خمس وعشرين صلاة يصليها وحده ) .
وفي ( المسند ) عَن ابن عُمَر - موفوعاً - : ( كلها مثل صلاته ) . وقد اختلف النَّاس فِي الجمع بَيْن حَدِيْث ابن عُمَر فِي ذكر السبع وعشرين وبين حَدِيْث أَبِي سَعِيد وأبي هُرَيْرَةَ فِي ذكر خمس وعشرين . فَقَالَتْ طائفةٌ : ذكر النبي صلى الله عليه وسلم فِي كل وقت مَا أعلمه الله وأوحاه إليه من الفضل ، فبلغه كما أوحي إليه ، وكان قَدْ أوحى إِلَيْهِ أن صلاة الجماعة تفضل عَلَى صلاة الفذ بخمس وعشرين ، والعدد لا مفهوم لَهُ عِنْدَ كثير من العلماء ، ثُمَّ أوحى إِلَيْهِ زيادة عَلَى ذَلِكَ ، كما أخبر : ( أن من مات لَهُ ثَلاَثَة من الولد لَمْ تمسه النار ) ، ثُمَّ سئل عَن الاثنين ، فَقَالَ : ( واثنان ) ، ثُمَّ سئل عَن الواحد ، فَقَالَ : ( والواحد ) ، وكما أخبر ( أن صيام ثَلاَثَة أيام من كل شهر يعدل صيام الدهر ) ، ثُمَّ أخبر عَبْد الله بن عَمْرِو بْن العاص أَنَّهُ إن صام يوماً من الشهر أو يومين مِنْهُ فله أجر مَا بقي مِنْهُ ، ونطق الكتاب بأن الحسنة بعشر أمثالها ، ثُمَّ جاءت السنة بأن الحسنة تضاعف إلى سبعمائة ضعف ، إلى أضعاف كثيرة ، ودل القرآن عَلِيهِ أيضاً .
وقالت طائفة : صلاة الجماعة يتفاوت ثوابها في نفسها ، ثم اختلفوا : فمنهم من قالَ : يتفاوت ثوابها بإكمال الصلاة فِي نفسها ، وإقامة حقوقها وخشوعها ، ورجحه أبو موسى المديني . ولكن صلاة الفذ يتفاوت ثوابها أيضاً على حسب ذَلِكَ . ومنهم من قَالَ : يتفاوت ثوابها بذلك ، وربما يقترن بصلاة الجماعة من المشي إلى المسجد وبعده وكثرة الجماعة فِيهِ ، وكونه عتيقاً ، وكون المشي عَلَى طهارةٍ ، والتبكير إلى المساجد ، والمسابقة إلى الصف الأول عَن يمين الإمام أو وراءه ، وإدراك تكبيرة الإحرام مَعَ الإمام ، والتأمين مَعَهُ ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة ، وغير ذَلِكَ .
وهذا قَوْلِ أَبِي بَكْر الأثرم وغيره ، وَهُوَ الأظهر . ويدل عَلِيهِ : أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم ذكر فِي حَدِيْث أَبِي هُرَيْرَةَ تعليل المضاعفة ، فَقَالَ : ( وذلك أَنَّهُ إذا توضأ فأحسن الوضوء ، ثُمَّ خرج إلى المسجد ، لا يخرجه إلا الصلاة ، لَمْ يخط خطوةً إلا رفعت لَهُ بِهَا درجة ، وحط عَنْهُ بِهَا خطيئة ، فإذا صلى لَمْ تزَلَ الملائكة تصلي عَلِيهِ مَا دام فِي مصلاه : اللهم صل عَلِيهِ ، اللهم ارحمه ، ولا يزال أحدكم فِي صلاة مَا انتظر الصلاة ) . وعلى هَذَا ؛ فَقَدْ تضاعف الصلاة فِي جماعة أكثر من ذَلِكَ .
إما بحسب شرف الزمان ، كشهر رمضان وعشر ذي الحجة ويوم الجمعة . وقد قَالَ ابن عُمَر : أفضل الصلوات عِنْدَ الله صلاة الصبح يوم الجمعة . وروي عَنْهُ مرفوعاً ، والموقوف هُوَ الصحيح ، قاله الدارقطني .
وخرجه البزار بإسناد ضَعِيف ، عَن أَبِي عبيدة بْن الجراح مرفوعاً ، وزاد فِيهِ : ( ولا أحسب من شهدها منكم إلا مغفوراً لَهُ ) . أو شرف المكان ، كالمسجد الحرام ومسجد المدينة والمسجد الأقصى ، كما صح عَن النبي صلى الله عليه وسلم أَنَّهُ قَالَ : ( صلاة فِي مسجدي هَذَا خير من ألف صلاة فيما سواه من المساجد ، إلا المسجد الحرام ) . وخرج ابن ماجه من رِوَايَة أَبِي الخَطَّاب الدمشقي ، عَن رزيق الألهاني ، عَن أَنَس ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( صلاة الرَّجُلُ فِي بيته بصلاة ، وصلاته فِي مسجد القبائل بخمس وعشرين صلاة ، وصلاته فِي المسجد الَّذِي يجمع فِيهِ بخمسمائة صلاة ، وصلاته فِي المسجد الأقصى بخمسين ألف صلاة ، وصلاته فِي مسجدي بخمسين ألف صلاة ، وصلاته فِي المسجد الحرام بمائة ألف صلاة ) .
وقد سبق الكلام عَلَى إسناده فِي ( بَاب : الصلاة فِي مسجد السوق ) . والله أعلم . وقد روي عَن ابن عَبَّاس من طريقين فيهما ضعف أن مضاعفة الخمس وعشرين درجة لأقل الجماعة وهي اثنان ، وفي رِوَايَة عَنْهُ : ثَلاَثَة ، وما زاد عَلَى ذَلِكَ إلى عشرة آلاف كَانَ لكل واحد من الدرجات بعدد من صلى معهم .
وروي بإسناد فِيهِ نظر ، عَن كعب ، أَنَّهُ قَالَ لعمر بْن الخَطَّاب : إنه إذا صلى اثنان كَانَتْ صلاتهما بخمس وعشرين ، وإذا كانوا ثلاثة فصلاتهم بخمسة وسبعين ، وكانت ثلاثمائة ، فإذا كانوا خمسة خمست الثلاثمائة ، فكانت ألفاً وخمسمائة ، فإذا كانوا ستة سدست ألفاً وخمسمائة ، فكانت تسعة آلاف ، فإذا كانوا مائة فلو اجتمع الكتاب والحساب مَا أحصوا ما له من التضعيف ، ثُمَّ قَالَ لعمر : لَوْ لَمْ يكن مِمَّا أنزل الله عَلَى مُحَمَّد صلى الله عليه وسلم ﴿لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِنْ أَلْفِ شَهْرٍ ﴾ثَلاَثَة وثمانين سَنَة لكنت مصدقاً ، فَقَالَ عُمَر : صدقت . خرجه أبو موسى المديني فِي ( كِتَاب الوظائف ) بإسناده . وخرج فِيهِ أحاديث أخر مرفوعة وموقوفة فِي هَذَا المعنى .
وروى - أيضاً - بإسناد جيد ، عَن كعب ، قَالَ : أجد فِي التوراة أن صلاة الجماعة تضاعف بعدد الرجال درجة ، إن كانوا مائة فمائة ، وإن كانوا ألفاً فألف درجة . وخرج الطبراني وغيره من رِوَايَة عَبْد الرحمن بْن زياد ، عَن قباث بْن أشيم ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( صلاة الرجلين يؤم أحدهما صاحبه أزكى عِنْدَ الله من صلاة أربعة تترى ، وصلاة أربعة يؤمهم أحدهم أزكى عِنْدَ الله من صلاة ثمانية تترى ، وصلاة ثمانية يؤم أحدهم أزكى عِنْدَ الله من صلاة مائة تترى ) . وخرجه البزار أيضاً بمعناه .
وفي حَدِيْث أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي خرجه البخاري : ( صلاة الرَّجُلِ فِي الجماعة تضعف ) ، وَهُوَ يدل عَلَى أن صلاة المرأة لا تضعف فِي الجماعة ؛ فإن صلاتها فِي بيتها خير لها وأفضل . وروى بقية ، عَن أَبِي عَبْد السلام ، عَن نَافِع ، عَن ابن عُمَر مرفوعاً : ( صلاة المرأة وحدها تفضل عَلَى صلاتها فِي الجمع خمساً وعشرين درجة ) . خرجه أبو نعيم فِي ( تاريخ أصبهان ) .
وَهُوَ غريب جداً ، وروايات بقية عَن مشايخه المجهولين لا يعبأ بِهَا . وقد احتج كثير من الفقهاء بأن صلاة الجماعة غير واجبة بهذه الأحاديث الَّتِيْ فيها ذكر تفضيل صلاة الجماعة عَلَى صلاة الفذ ، وقالوا : هِيَ تدل عَلَى أن صلاة الفذ صحيحة مثاب عَلَيْهَا ، قالوا : وليس المراد بذلك صلاة الفذ إذا كَانَ لَهُ عذر فِي ترك الجماعة ؛ لأن المعذور يكتب لَهُ ثواب عمله كله ، فعلم أن المراد بِهِ غير المعذور . وهذا استدلال لا يصح ، وإنما استطالوا بِهِ عَلَى داود وأصحابه القائلين بأن صلاة الفذ لغير عذر باطلة ، فأما من قَالَ : إنها صحيحة ، وأنه آثم بترك حضور الجماعة ، فإنه لا يبطل قوله بهذا ، بل هُوَ قائل بالأحاديث كلها ، جامع بينها ، غير راد لشيء مِنْهَا .
ثُمَّ قولهم : الحَدِيْث محمول عَلَى غير المعذور ، قَدْ يمنع . وقولهم : إن المعذور يكتب لَهُ مَا كَانَ يعمل . جوابه : أن كتابة مَا كَانَ يعمل لسبب آخر ، وَهُوَ عمله المتقدم الَّذِي قطعه عَنْهُ عذره ، فأما صلاة الفذ فِي نفسها فلا يزيد تضعيفها عَلَى ضعف واحد من صلاة الجماعة ، سواء كَانَ معذوراً أو غير معذور ، ولهذا لَوْ كَانَ المصلي فذاً لَهُ عذر ، ولم يكن لَهُ عادة بالصلاة فِي حال عدم العذر جماعة ، لَمْ يكتب لَهُ سوى صلاةٍ واحدةٍ .
فإن قيل : يلزم من القول بوجوب الجماعة أن تكون شرطاً للصلاة ، وأنْ لا تصح بدونها ، كما قلتم فِي واجبات الصلاة كالتسبيح فِي الركوع والسجود ، وأنه تبطل بتركه عمداً ؛ لكونه واجباً ، ولأن القاعدة : أن ارتكاب النهي فِي العبادة إذا كَانَ لمعنى مختص بِهَا أَنَّهُ يبطلها ، مثل الإخلال بالطهارة والاستقبال ، فكذلك الجماعة . قيل : قَدْ اعترف طائفة من أصحابنا بأن القياس يقتضي كون الجماعة شرطاً لما ذكر ، لكن الإمام أحمد أخذ بالنصوص كلها ، وهي دالة عَلَى وجوب الجمع ، وعلى أنها ليست شرطاً ، فعلم بذلك أَنَّهُ لا يرى أن كل ارتكاب نهي فِي العبادة يكون مبطلاً لها ، وسواء كَانَ لمعنى مختص بِهَا كالجماعة ، أو لمعنى غير مختص . ولهذا ؛ تبطل الصلاة بكشف العورة ، وَهُوَ لمعنى غير مختص بالصلاة ، وفي بطلانها فِي المكان المغضوب والثوب المغضوب والحرير عَنْهُ روايتان ، وقد يجب فِي العبادات مَا لا تبطل بتركه ، كواجبات الحج .
وما دلت عَلِيهِ الأحاديث من القول بوجوب الجماعة فِي الصلوات المكتوبات ، وأنها تصحّ بدونها دليل واضح عَلَى بطلان قَوْلِ عَن قَالَ : إن النهي يقتضي الفساد بكل حال ، أو أن ذَلِكَ يختص بالعبادات ، أو أَنَّهُ يختص بما إذا كَانَ النهي لمعنى يختص بالعبادة ؛ فإن هَذَا كله غير مطرد . والله سبحانه وتعالى أعلم .