باب احْتِسَابِ الآثَارِ
باب احْتِسَابِ الآثَارِ 655 - حَدَّثَنَا مُحَمَّد بْن عَبْد الله بْن حوشب ، ثنا عَبْد الوهاب ، قَالَ : حَدَّثَنِي حميد ، عَن أَنَس ، قَالَ : قَالَ النبي صلى الله عليه وسلم : ( يَا بني سَلَمَة ، ألا تحتسبون آثاركم ؟ ) . 656 - وَقَالَ ابن أَبِي مريم : أنا يَحْيَى بْن أيوب ، حَدَّثَنِي حميد ، حَدَّثَنِي أَنَس ، أن بني سَلَمَة أرادوا أن يتحولوا عَن منازلهم فينزلوا قريباً من النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : فكره النبي صلى الله عليه وسلم أن يعروا منازلهم ، فَقَالَ : ( ألا تحتسبون آثاركم ؟ ) . قَالَ مُجَاهِد : خطاهم ، آثار المشي فِي الأرض بأرجلهم .
ساقه أولا من حَدِيْث عَبْد الوهاب الثَّقَفِيّ ، عَن حميد مختصراً ، ثُمَّ ذكر من رِوَايَة يَحْيَى بْن أيوب المصري - وَهُوَ ثقة ، لكنه كثير الوهم - مطولاً ، وزاد فِيهِ تصريح حميد بالسماع لَهُ من أَنَس ، فإن حميداً قَدْ قيل : إنه لَمْ يسمع من أَنَس إلا قليلاً ، وأكثر رواياته عَنْهُ مرسلة ، وقد سبق ذكر ذَلِكَ ، وما قاله الإسماعيلي فِي تسامح المصريين والشاميين فِي لفظة ( حَدَّثَنَا ) وأنهم لا يضبطون ذَلِكَ . وقد خرجه فِي ( كِتَاب الحج ) من طريق الفزاري ، عَن حميد ، عَن أَنَس ، قَالَ : أراد بنو سَلَمَة أن يتحولوا إلى قرب المسجد ، فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تعرى المدينة ، فَقَالَ : ( يَا بني سلمة ، ألا تحتسبون آثاركم ؟ ) . وبنو سَلَمَة : قوم من الأنصار ، كَانَتْ دورهم بعيدة من المسجد ، فأرادوا أن يتحولوا إلى قرب المسجد ، فأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بملازمة دورهم ، وأخبرهم أن خطاهم يكتب لهم أجرها فِي المشي إلى المسجد .
وخرج مُسْلِم فِي ( صحيحه ) من حَدِيْث أَبِي الزُّبَيْر ، عَن جابر ، قَالَ : كَانَتْ دارنا نائيةً من المسجد ، فأردنا أن نبيع بيوتنا فنقترب من المسجد ، فنهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ : ( إن لكم بكل خطوةٍ درجة ) . ومن حَدِيْث أَبِي نضرة ، عَن جابر ، قَالَ : أراد بنو سَلَمَة أن يتحولوا إلى قرب المسجد ، والبقاع خالية ، قَالَ : فبلغ ذَلِكَ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ : ( يَا بني سَلَمَة ، دياركم تكتب آثاركم ) فقالوا : مَا يسرنا أنا كنا تحولنا . وقوله : ( دياركم ) بفتح الراء عَلَى الإغراء ، أي : الزموا دياركم .
وخرجه الترمذي من حَدِيْث أَبِي سُفْيَان السعدي ، عَن أَبِي نضرة ، عَن أَبِي سَعِيد ، قَالَ : كَانَتْ بنو سَلَمَة فِي ناحية المدينة ، فأرادوا النقلة إلى قرب المسجد ، فَنَزَلت هذه الآية : إِنَّا نَحْنُ نُحْيِي الْمَوْتَى وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إن آثاركم تكتب ) ، فَلَمْ ينتقلوا . وأبو سُفْيَان ، فِيهِ ضعف . والصحيح : رِوَايَة مسلمٍ ، عَن أَبِي نضرة ، عَن جابر ، وكذا قاله الدارقطني وغيره .
وخرج ابن ماجه من رِوَايَة سماك ، عَن عَكْرِمَة ، عَن ابن عَبَّاس ، قَالَ : كَانَتْ الأنصار بعيدةً منازلهم من المسجد ، فأرادوا أن يقربوا ، فَنَزَلت : وَنَكْتُبُ مَا قَدَّمُوا وَآثَارَهُمْ قَالَ : فثبتوا . وقد ذكر البخاري عَن مُجَاهِد ، أَنَّهُ فسر الآثار - يعني : فِي هذه الآية - بالخُطا ، وزاد - أيضاً - بقوله : آثار المشي فِي الأرض بأرجلهم . وفي حَدِيْث أَنَس : فكره رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يعروا المدينة أو منازلهم .
يعني : يخلوها فتصير عراةً من الأرض . والعراء : الفضاء الخالي من الأرض ، ومنه قوله تعالى : فَنَبَذْنَاهُ بِالْعَرَاءِ وروى يَحْيَى بْن سَعِيد الأنصاري هَذَا الحَدِيْث ، عَن حميد ، عَن أَنَس ، وَقَالَ : فكره أن يعروا المسجد . قَالَ الإمام أحمد : وهم فِيهِ ، إنما هُوَ : كره أن يعروا المدينة .
وقد دلت هذه الأحاديث عَلَى أن المشي إلى المساجد يكتب لصاحبه أجرهُ ، وهذا مِمَّا تواترت السنن بِهِ . وقد سبق حَدِيْث أَبِي موسى : ( أعظم النَّاس أجراً فِي الصلاة أبعدهم فأبعدهم ممشى ) . وفي حَدِيْث أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم : ( وكل خطوة يمشيها إلى الصلاة صدقة ) .
وقد خرجه البخاري فِي موضع آخر . وسبق - أيضاً - حَدِيْث أَبِي صالح ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ . وفي ( المسند ) و ( سنن أَبِي داود ) وابن ماجه ، عَن عَبْد الرحمن بْن سعد ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( الأبعد فالأبعد من المسجد أعظم أجراً ) .
وفي ( صحيح مُسْلِم ) عَن أَبِي بْن كعب ، قَالَ : كَانَ رَجُل لا أعلم رجلاً أبعد من المسجد مِنْهُ ، وكان لا تخطئه صلاة ، قَالَ : فَقِيلَ لَهُ - أو قُلتُ لَهُ - : لَوْ اشتريت حماراً تركبه فِي الظلماء أو الرمضاء ؟ قَالَ : مَا يسرني أن منزلي إلى جنب المسجد ، إني أريد أن يكتب لِي ممشاي إلى المسجد ورجوعي إذا رجعت إلى أهلي ، فَقَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( قَدْ جمع الله لَكَ ذَلِكَ كله ) . وفي رِوَايَة لَهُ - أيضاً - : فَقَالَ لَهُ النبي صلى الله عليه وسلم : ( إن لَكَ مَا احتسبت ) . وهذا يدل عَلَى أَنَّهُ ثياب عَلَى المشي فِي رجوعه من المسجد إلى منزله .
وفي ( المسند ) و ( صحيح ابن حبان ) عَن عَبْد الله بْن عَمْرِو ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( من راح إلى مسجد جماعة فخطوتاه : خطوة تمحو سيئة ، وخطوة تكتب حسنة ، ذاهباً وراجعاً ) . وهذا المطلق قَدْ ورد مقيداً فِي حَدِيْث أَبِي صالح عَن أَبِي هُرَيْرَةَ الَّذِي خرجه البخاري فيما مضى . وسيأتي بقيدين : أحدهما : أن يخرج من بيته عَلَى طهرٍ قَدْ أحسنه وأكمله .
والثاني : أن لا يخرج إلا إلى الصلاة فِي المسجد ، فلو خرج لحاجة لَهُ وكان المسجد فِي طريقه فدخل المسجد فصلى ولم يكن خروجه لذلك لَمْ يحصل لَهُ هَذَا الأجر الخاص . وكذلك لَوْ خرج من بيته غير متطهر ، لكنه يكتب لَهُ بذلك أجر ، غير أن هَذَا الأجر الخاص - وهو رفع الدرجات وتكفير السيئات - لا يحصل بذلك . وأعلم أن الدار القريبة من المسجد أفضل من الدار البعيدة ، لكن المشي من الدار البعيدة أفضل .
وفي ( المسند ) بإسناد منقطع ، عَن حذيفة ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( فضل الدار القريبة من المسجد عَلَى الدار الشاسعة كفضل الغازي على القاعد ) .