باب من جلس فِي المسجد ينتظر الصلاة وفضل المساجد
باب من جلس فِي المسجد ينتظر الصلاة ، وفضل المساجد قَدْ تقدم فِي فضل انتظار الصلاة فِي المسجد من حَدِيْث أَبِي صالح ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، ومن حَدِيْث أَبِي بردة ، عَن أَبِي موسى . وخرج فِي هَذَا الباب ثَلاَثَة أحاديث : الحَدِيْث الأول : 659 - حدثنا عَبْد الله بْن مسلمة ، عَن مَالِك ، عَن أَبِي الزناد ، عَن الأعرج ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( الملائكة تصلي عَلَى أحدكم مَا دام فِي مصلاه ، مَا لَمْ يحدث : اللهم اغفر لَهُ ، اللهم ارحمه ، ولا يزال أحدكم فِي صلاة ما دامت الصلاة تحبسه ، لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة ) . دل هَذَا الحَدِيْث عَلَى فضل أمرين : أحدهما : الجلوس فِي المصلى ، وَهُوَ موضع الصلاة الَّتِيْ صلاها ، والمراد بِهِ فِي المجلس دون البيت ، وآخر الحَدِيْث يدل عَلِيهِ .
قَالَ ابن عَبْد البر : ولو صلت المرأة فِي مسجد بيتها وجلست فِيهِ تنتظر الصلاة فَهِيَّ داخلة فِي هَذَا المعنى إذا كَانَ يحبسها عَن قيامها لأشغالها انتظار الصلاة . ( وإن الملائكة تصلي عَلِيهِ مَا لَمْ يحدث ) وقد فسر صلاة الملائكة عَلِيهِ بالدعاء لَهُ بالمغفرة والرحمة ، والصلاة قَدْ فسرت بالدعاء ، وفسرت بالثناء والتنويه بالذكر ، ودعاء الملائكة بينهم لعبد هُوَ تنويه منهم بذكره وثناء عَلِيهِ بحسن عمله . وقد قيل : صلاتهم عَلِيهِ مقبولة مَا لَمْ يحدث .
وقد اختلف فِي تفسير الحدث : هَلْ هُوَ الحدث الناقض للوضوء ، أو الحدث باللسان من الكلام الفاحش ونحوه ، ومثله الحدث بالأفعال الَّتِيْ لا تجوز ؟ وقد أشرنا إلى هَذَا الاختلاف فِي ( كِتَاب الطهارة ) . وذهب مَالِك وغيره إلى أَنَّهُ الحدث الناقض للوضوء ، ورجحه ابن عَبْد البر ؛ لأن المحدث وإن جلس فِي المسجد فهو غير منتظر للصلاة ؛ لأنه غير قادر عَلَيْهَا . والثاني : أن منتظر الصلاة لا يزال فِي صلاة مَا دامت الصلاة تحبسه .
وقد فسر ذَلِكَ بأنه ( لا يمنعه أن ينقلب إلى أهله إلا الصلاة ) ، وهذا يشمل من دَخَلَ المسجد للصلاة فِيهِ جماعة قَبْلَ إقامة الصلاة فجلس ينتظر الصلاة ، ومن صلى مَعَ الإمام ثُمَّ جلس ينتظر الصلاة الثانية . وهذا من نوع الرباط فِي سبيل الله ، كما قَالَ النبي صلى الله عليه وسلم : ( ألا أدلكم عَلَى مَا يمحو الله بِهِ الخطايا ويرفع بِهِ الدرجات ؟ ) قالوا : بلى يَا رسول الله ، قَالَ : ( إسباغ الوضوء عَلَى المكاره ، وكثرة الخطا إلى المساجد ، وانتظار الصلاة بعد الصلاة ؛ فذلكم الرباط ، فذلكم الرباط ) . خرجه مُسْلِم من حَدِيْث العلاء بْن عَبْد الرحمن ، عَن أبيه ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ .
وقد ورد تقييد ذَلِكَ أيضاً بما لَمْ يحدث . خرجه البخاري فِي ( أبواب نواقض الوضوء ) من رِوَايَة ابن أَبِي ذئب ، عَن المقبري ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( لا يزال العبد فِي صلاة مَا كَانَ فِي المسجد ينتظر الصلاة ، مَا لَمْ يحدث ) فَقَالَ رَجُل أعجمي : مَا الحدث يَا أَبَا هُرَيْرَةَ ؟ قَالَ : الصوت ، يعني : الضرطة . وقد سبق الكلام عَلِيهِ فِي موضعه ، وذكرنا اخْتِلاَف النَّاس فِي تفسير الحدث والمراد بِهِ .
وقد فسره أبو سَعِيد الْخُدرِيَّ كما فسره أبو هُرَيْرَةَ أيضاً . خرجه الإمام أحمد . ومعنى كونه فِي الصلاة - والله أعلم - : أن لَهُ أجر المصلي وثوابه بحبس نفسه فِي المسجد للصلاة .
وليس فِي هَذَا الحَدِيْث ولا فِي غيره من أحاديث الباب الاشتراط للجالس فِي مصلاه أن يكون مشتغلاً بالذكر ، ولكنه أفضل وأكمل ، ولهذا ورد فِي فضل من جلس فِي مصلاه بعد الصبح حَتَّى تطلع الشمس ، وبعد العصر حَتَّى تغرب ، أحاديث متعددة . وهل المراد بمصلاه نفس الموضع الَّذِي صلى فِيهِ أو المسجد الَّذِي صلى فِيهِ كله مصلى لَهُ ؟ هَذَا فِيهِ تردد . وفي ( صحيح مُسْلِم ) عَن جابر بن سمرة ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ إذا صلى الفجر جلس فِي مصلاه حَتَّى تطلع الشمس حسناء .
وفي رِوَايَة لَهُ : كَانَ النبي صلى الله عليه وسلم لا يقوم من مصلاه الَّذِي يصلي فِيهِ الصبح أو الغداة حَتَّى تطلع الشمس ، فإذا طلعت الشمس قام . ومعلوم أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم لَمْ يكن جلوسه فِي الموضع الَّذِي صلى فِيهِ ؛ لأنه كَانَ ينفتل إلى أصحابه عقب الصلاة ويقبل عليهم بوجهه . وخرجه الطبراني ، وعنده : كَانَ إذا صلى الصبح جلس يذكر الله حَتَّى تطلع الشمس .
ولفظة : ( الذكر ) غريبة . وفي تمام حَدِيْث جابر بْن سمرة الَّذِي خرجه مُسْلِم : وكانوا يتحدثون فيأخذون فِي أمر الجَاهِلِيَّة ، فيضحكون ويتبسم . وهذا يدل عَلَى أَنَّهُ لَمْ ينكر عَلَى من تحدث وضحك فِي ذَلِكَ الوقت ، فهذا الحَدِيْث يدل عَلَى أن المراد بمصلاه الَّذِي يجلس فِيهِ المسجد كله .
وإلى هَذَا ذهب طائفة من العلماء ، منهم : ابن بطة من أصحابنا ، وغيره . وقد روي عَن أَبِي هُرَيْرَةَ مَا يخالف هَذَا . رَوَى مَالِك فِي ( الموطأ ) عَن نعيم المجمر ، أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا هُرَيْرَةَ يَقُول : إذا صلى أحدكم ثُمَّ جلس فِي مصلاه لَمْ تزل الملائكة تصلي عَلِيهِ ، تَقُول : اللهم اغفر لَهُ ، اللهم ارحمه ، فإن قام من مصلاه فجلس فِي المسجد ينتظر الصلاة لَمْ تزل الملائكة تصلي عَلِيهِ فِي مصلاه حَتَّى يصلي .
فهذا يدل عَلَى أَنَّهُ إذا تحول من موضع صلاته من المسجد إلى غيره من المسجد انقطع حكم جلوسه فِي مصلاه ، فإن جلس ينتظر الصلاة كَانَ حكمه حكم من ينتظرها ، وصلت عَلِيهِ الملائكة - أيضاً - فإن لَمْ يجلس منتظراً للصلاة فلا شيء لَهُ ؛ لأنه لَمْ يجلس فِي مصلاه ولا هُوَ منتظر للصلاة . قَالَ ابن عَبْد البر : إلا أنه لا يقال : إنه تصلي عَلِيهِ الملائكة . يعني : عَلَى المتحول من مكانه ، وَهُوَ ينتظر الصلاة كما تصلي عَلَى الَّذِي فِي مصلاه ينتظر الصلاة .
يشير إلى أن الحَدِيْث المرفوع إنما فِيهِ صلاة الملائكة عَلَى من يجلس فِي مصلاه لا عَلَى المنتظر للصلاة . ولكن قَدْ روي فِي حَدِيْث مرفوع ، فروى عَطَاء بْن السائب ، عَن أَبِي عَبْد الرحمن السلمي ، عَن عَلِيّ ، قَالَ : سَمِعْت رسول الله صلى الله عليه وسلم يَقُول : ( من صلى الفجر ثُمَّ جلس فِي مصلاه صلت عَلِيهِ الملائكة ، وصلاتهم عَلِيهِ : اللهم اغفر لَهُ ، اللهم ارحمه ، ومن ينتظر الصلاة صلت عَلِيهِ الملائكة ، وصلاتهم عَلِيهِ : اللهم اغفر لَهُ ، اللهم ارحمه ) . خرجه الإمام أحمد .
وَقَالَ عَلِيّ بْن المديني : هُوَ حَدِيْث كوفي ، وإسناده حسن . وذكر ابن عَبْد البر - أيضاً - أنه يحتمل أن يكون بقاؤه فِي مصلاه شرطاً فِي انتظار الصلاة - أيضاً - كما كَانَ شرطاً فِي الجلوس فِي مصلاه . وهذا الَّذِي قاله بعيد ، وإنما يمكن أن يقال فيمن صلى صلاة ثُمَّ جلس ينتظر صلاة أخرى ، فأما من دَخَلَ المسجد ليصلي صلاة واحدة وجلس ينتظرها قَبْلَ أن تقام فأي مصلى لَهُ حَتَّى يشترط أن لا يفارقه ؟ قَالَ : وقيامه من مجلسه ، المراد بِهِ : قيامه لعرض الدنيا ، فأما إذا قام إلى مَا يعينه عَلَى مَا كَانَ يصنعه فِي مجلسه من الذكر .
يعني : أَنَّهُ غير مراد ، ولا قاطع للصلاة عَلِيهِ ، والله سبحانه وتعالى أعلم .