حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب

باب أَهْلِ العِلْمِ والفَضْلِ أَحَقُّ بِالإِمَامَةِ

باب أَهْلِ العِلْمِ والفَضْلِ أَحَقُّ بِالإِمَامَةِ فِيهِ خمسة أحاديث : الحَدِيْث الأول : 678 - حَدَّثَنَا إِسْحَاق بْن نصر : حَدَّثَنَا حسين ، عَن زائدة ، عَن عَبْد الملك بن عمير ، قَالَ : حَدَّثَنِي أبو بردة ، عَن أَبِي موسى ، قَالَ : مرض النبي صلى الله عليه وسلم فاشتد مرضه ، فَقَالَ : ( مروا أَبَا بَكْر فليصل بالناس ) ، قَالَتْ عَائِشَة : إنه رَجُل رقيق ، إذا قام مقامك لَمْ يستطع أن يصلي بالناس ، قَالَ : ( مري أَبَا بَكْر فليصل بالناس ) ، فعادت ، فَقَالَ : ( مري أَبَا بَكْر فليصل بالناس ؛ فإنكن صواحب يوسف ) ، فأتاه الرسول ، فصلى بالناس فِي حَيَاة النبي صلى الله عليه وسلم . استدل البخاري بهذا الحَدِيْث عَلَى أن أهل الفضل والعلم أحق بالإمامة من غيرهم ؛ فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أَبَا بَكْر من بين الصَّحَابَة كلهم بالصلاة بالناس ، وروجع فِي ذَلِكَ مراراً وَهُوَ يأبى إلا تقديمه فِي الصلاة عَلَى غيره من الصَّحَابَة ، وإنما قدمه لعلمه وفضله ؛ فأما فضله عَلَى سائر الصَّحَابَة فهو مِمَّا اجتمع عَلِيهِ أهل السنة والجماعة ، وأما علمه فكذلك . وقد حكى أبو بَكْر ابن السمعاني وغيره إجماع أهل السنة عَلِيهِ ، أَيْضاً .

وهذا مِمَّا يستدل بِهِ من قَالَ : إن الأفقه والأعلم مقدم عَلَى الأقرأ ؛ فإن أَبِي بْن كعب كَانَ أقرأ الصَّحَابَة ، كما قَالَ عُمَر : ( أَبِي أقرؤنا ) . وروي عَن النبي صلى الله عليه وسلم من وجوه ، أَنَّهُ قَالَ : ( أقرأ أمتي لكتاب الله أَبِي بْن كعب ) . خرجه الإمام أحمد والنسائي والترمذي وابن ماجه ، وصححه الترمذي من حَدِيْث أَبِي قلابة ، عَن أنس .

وقد روي عَن أَبِي قلابة مرسلاً من غير ذكر ( أَنَس ) ، وَهُوَ أصح عِنْدَ كثير من الحفاظ . فلما قدم النبي صلى الله عليه وسلم أَبَا بَكْر عَلَى أَبِي بْن كعب فِي الصلاة بالناس دل عَلَى أن الأعلم والأفقه والأفضل مقدم عَلَى الأقرأ . وقد اختلف العلماء : هَلْ يقدم الأقرأ عَلَى الأفقه ، أم الأفقه عَلَى الأقرأ ؟ فَقَالَتْ طائفة : يقدم الأفقه ، وَهُوَ قَوْلِ عَطَاء والثوري ومالك والأوزاعي والشافعي وأبي ثور .

وَقَالَ الليث : يؤمهم أفضلهم وخيرهم ، ثُمَّ أقرؤهم ، ثُمَّ أسنهم . وقالت طائفة : يقدم الأقرأ عَلَى الأفقه ، وحكي عَن الأشعث بْن قيس وابن سيرين والثوري وأحمد وإسحاق وأصحاب الرأي ، حكاه عنهم ابن المنذر واختاره . وما حكيناه عَن الثوري ، حكاه أصحابه عَنْهُ فِي كتبهم المصنفة عَلَى مذهبه .

ونص أحمد عَلَى أَنَّهُ يقدم الأقرأ إذا كَانَ يعرف مَا تحتاج إليه الصلاة من الفقه ، وكذلك قَالَ كثير من المحققين من أصحابه ، وحكوا مذهبه عَلَى هَذَا الوجه . واستدل من قدم الأقرأ بما خرجه مُسْلِم فِي ( صحيحه ) من حَدِيْث أوس بْن ضمعج ، عَن أَبِي مَسْعُود الأنصاري ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله ، فإن كانوا فِي القراءة سواء فأعلمهم بالسنة ، فإن كانوا فِي السنة سواء فأقدمهم هجرة ) . وفي رِوَايَة لمسلم : ( يؤم القوم أقرؤهم لكتاب الله وأقدمهم قراءة ) .

وخرجه الحَاكِم ، وعنده ( يؤم القوم أكثرهم قرآناً ) ، وذكر الحَدِيْث . وخرج مُسْلِم - أَيْضاً - من حَدِيْث أَبِي نضرة ، عَن أَبِي سَعِيد الْخُدرِيَّ ، قَالَ : قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( إذا كانوا ثَلاَثَة فليؤمهم أحدهم ، وأحقهم بالإمامة أقرؤهم ) . وخرج البخاري فِي ( كتابه ) هَذَا من حَدِيْث عَمْرِو بْن سَلَمَة الجرمي ، عَن أَبِيه ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( إذا حضرت الصلاة فليؤذن أحدكم ، وليؤمكم أكثركم قرآناً ) .

وخرج - أَيْضاً - فِيهِ من حَدِيْث ابن عُمَر ، قَالَ : لما قدم المهاجرون الأولون قَبْلَ مقدم النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ يؤمهم سَالِم مَوْلَى أَبِي حذيفة ، وكان أكثرهم قرآناً . وخرج الإمام أحمد من حَدِيْث أَبِي موسى الأشعري ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( يؤمكم أقرؤكم ) . وخرجه أبو داود وابن ماجه من حَدِيْث ابن عَبَّاس ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( ليؤمكم قراؤكم ) .

وفي الباب أحاديث أخر . وقد تأول الشَّافِعِيّ وغيره هذه الأحاديث عَلَى أن النبي صلى الله عليه وسلم إنما خاطب أصحابه ، وكان أكثرهم قرآناً أكثرهم فقهاً ؛ فإن قراءتهم كَانَتْ علماً وعملاً بخلاف من بعدهم . وأجيب عَن هَذَا بوجهين : أحدهما : أن هَذَا خطاب عام للأمة كلهم ، فلا يختص بالصحابة .

والثاني : أَنَّهُ فرق بَيْن الأقرأ والأعلم بالسنة ، وقدم الأقرأ عَلِيهِ . وأجاب الإمام أحمد عَن تقديم النبي صلى الله عليه وسلم أَبَا بَكْر عَلَى أَبِي بْن كعب وغيره ، بأنه أراد بذلك التنبيه عَلَى خلافته ، فلهذا المعنى قدمه فِي الصلاة عَلَى النَّاس كلهم . وقد منع بعضهم أن يكون أَبِي بْن كعب أقرأ من أَبِي بَكْر ، لأن المراد بالأقرأ فِي الإمامة الأكثر قرآناً ، وَقَالَ : كَانَ أبو بَكْر يقرأ القرآن كله ، فلا مزية لأبي بْن كعب عَلِيهِ فِي ذَلِكَ ، وامتاز أبو بَكْر بالعلم والفضل .

وهذه المسألة لأصحابنا فيها وجهان : إذا اجتمع قارئان ، أحدهما أكثر قرآناً ، والآخر أجود قراءةً ، فهل يقدم الأكثر قرآناً عَلَى الأجود قراءة ، أم بالعكس ؟ وأكثر الأحاديث تدل على اعتبار كثرة القرآن . وإن اجتمع فقيهان قارئان ، أحدهما أفقه ، والآخر أجود قراءة ، ففي أيهما يقدم وجهان ، أَيْضاً . وقيل : إن المنصوص عَن أحمد ، أَنَّهُ يقدم الأقرأ .

ورد في أحاديث1 حديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث