باب إنَّماَ جُعلَ الإمَامُ لِيُؤْتَمَّ بِهِ
حَدَّثَنَا عَبْد الله بْن يوسف ، أنا مَالِك ، عَن هِشَام بْن عُرْوَةَ ، عَن أَبِيه ، عَن عَائِشَة أم المُؤْمِنيِن ، أنها قَالَتْ : صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فِي بيته وَهُوَ شاك ، فصلى جالساً وصلى وراءه قوم قياماً ، فأشار إليهم أن اجلسوا ، فلما انصرف قَالَ : ( إنما جعل الإمام ليؤتم بِهِ ، فإذا ركع فاركعوا ، وإذا رفع فارفعوا ، وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً ) . الحَدِيْث الثالث : 689 - حَدَّثَنَا عَبْد الله بْن يوسف ، أنا مَالِك ، عَن ابن شِهَاب ، عَن أنس بْن مَالِك ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ركب فرساً فصرع عَنْهُ ، فجحش شقه الأيمن ، فصلى صلاة من الصلوات وَهُوَ قاعد ، فصلينا وراءه قعوداً ، فلما انصرف قَالَ : ( إنما جعل الإمام ليؤتم بِهِ ، فإذا صلى قائماً فصلوا قياماً ، وإذا ركع فاركعوا ، وإذا رفع فارفعوا ، وإذا قَالَ : سَمِعَ الله لمن حمده ، فقولوا : ربنا ولك الحمد ، وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعون ) . قَالَ الحميدي : هَذَا منسوخ ، قوله : ( إذا صلى جالساً فصلوا جلوساً ) ، هَذَا هُوَ فِي مرضه القديم ، ثُمَّ صلى بعد ذَلِكَ جالساً والناس خلفه قياماً .
قَالَ أبو عَبْد الله : ولم يأمرهم بالقعود ، وإنما يؤخذ بالآخر فالآخر من فعل النبي صلى الله عليه وسلم ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم صلى فِي مرضه الَّذِي مات فِيهِ جالساً والناس خلفه قيام . وقد خرج البخاري فيما تقدم من حَدِيْث أَبِي الزناد ، عَن الأعرج ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( إنما الإمام ليؤتم بِهِ ، فإذا كبر فكبروا ) فذكر مثل حَدِيْث أنس إلى قوله : ( أجمعون ) . وخرجه فيما بعد من حَدِيْث همام بْن منبه ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم .
وقد اختلف العلماء فِي صلاة القادر عَلَى القيام خلف الجالس : فَقَالَتْ طائفة : لا يجوز ذَلِكَ بالكلية ، هَذَا قَوْلِ مُحَمَّد بن الْحَسَن ، والحسن بن حي ، ومالك فِي ظاهر مذهبه ، والثوري فِي رواية عَنْهُ . وتعلق بعضهم بحديث مرسل ، رواه جابر الجعفي ، عَن الشَّعْبِيّ ، أن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ : ( لا يؤمن أحد بعدي جالساً ) . وجابر لا يحتج بما يسنده ، فكيف بما يرسله ؟ وقد طعن فِي حديثه هَذَا الشَّافِعِيّ وابن أَبِي شيبة والجوزجاني وابن حبان وغيرهم .
وروى سيف بن عُمَر الضبي : ثنا سَعِيد بن عَبْد الله الجمحي ، عَن أَبِيه ، عَن مُحَمَّد بن مسَلَمَة ، قَالَ : دخلت عَلَى رسول الله صلى الله عليه وسلم فِي شكوى اشتكاه ، وحضرت الصلاة ، فصلى بنا جالساً ونحن قيام ، فلما انصرف قَالَ : ( إذا صلى إمامكم جالساً فصلوا جلوساً ) ، وكنا نفعل ذَلِكَ حَتَّى حج حجته ، فنهى فيها أن يؤم أحد قوماً وَهُوَ جالس . خرجه القاضي مُحَمَّد بن بدر فِي ( كِتَاب المناهي ) . وَهُوَ حَدِيْث باطل ، وسيف هَذَا مشهور بالكذب .
وقالت طائفة : يجوز أن يصلي القادر عَلَى القيام خلف الإمام الجالس العاجز عَن القيام بكل حال ، وَهُوَ قَوْلِ أَبِي حنيفة وأبي يوسف وزفر وابن المبارك والثوري ومالك - في رِوَايَة عنهما - والأوزاعي والشافعي وغيرهما . واختلفت الرواية عَن الإمام أحمد فِي ذَلِكَ ، فالمشهور عَنْهُ : أَنَّهُ لا يجوز أن يأتم القادر عَلَى القيام بالعاجز عَنْهُ ، إلا أن يكون العاجز إمام الحي ، ويكون جلوسه لمرض يرجى برؤه ، ويأتمون بِهِ جلوساً ، كما سيأتي إن شاء الله . ونقل عَنْهُ الميموني ، أَنَّهُ لا يجوز ذَلِكَ إلا خلف الإمام الأعظم خاصة ، إذا كَانَ مرضه يرجى برؤه .
وروي عَنْهُ مَا يدل عَلَى جواز الائتمام بالجالس مطلقاً ، لكن إن كَانَ إمام الحي ورجي زوال علته صلّوا وراءه جلوساً ، وإن كَانَ غير ذَلِكَ صلوا وراءه قياماً . واختلف القائلون بجواز اقتداء القادر عَلَى القيام بالجالس : هَلْ يصلي وراءه جالساً ، أو قائماً ؟ فَقَالَتْ طائفة : يصلي وراءه قائماً ، هَذَا قَوْلِ المغيرة وحماد وأبي حنيفة والثوري وابن المبارك ومالك والشافعي وأبي ثور . واعتمدوا عَلَى أقيسة أو عمومات ، مثل قوله : ( صل قائماً ، فإن لَمْ تستطع فقاعداً ) .
وتبعهم عَلَى ذَلِكَ طائفة من المحدثين كالحميدي والبخاري ، وادعوا نسخ أحاديث الأمر بالجلوس لصلاة النبي صلى الله عليه وسلم فِي مرض موته قاعداً والناس خلفه قياماً ، ولم يأمرهم بالجلوس كما قرره البخاري ، وحكاه عَن الحميدي . وَقَالَ آخرون : بل يصلي القادر عَلَى القيام خلف الإمام الجالس جالساً ، هَذَا هُوَ المروي عَن الصَّحَابَة ، ولا يعرف عنهم اختلاف فِي ذَلِكَ . وممن روي عَنْهُ ذَلِكَ من الصَّحَابَة : أسيد بن حضير وقيس بن قهد وجابر بن عَبْد الله وأبو هُرَيْرَةَ ومحمود بن لبيد .
ولا يعرف عَن صحابي خلاف ذَلِكَ ، بل كانوا يفعلون ذَلِكَ فِي مساجدهم ظاهراً ، ولم ينكر عليهم عملهم صحابي ولا تابعي . رَوَى سُلَيْمَان بن بلال ، عَن يَحْيَى بن سَعِيد ، عَن بشير بن يسار ، أن أسيد بن الحضير كَانَ يؤم قومه بني عَبْد الأشهل فِي مسجدهم ، ثُمَّ اشتكى ، فخرج إليهم بعد شكوه ، فأمروه أن يتقدم فيصلي بهم ، فَقَالَ : إني لا أستطيع أن أقوم ، قالوا : لا يصلي لنا أحد غيرك مَا كُنْتُ فينا ، فَقَالَ : إني لا أستطيع أن أصلي قائماً فاقعدوا ، فصلى قاعداً وصلوا وراءه قعوداً . خرجه الأثرم وغيره .
وهذا إسناد صحيح . وروى هِشَام بن عُرْوَةَ ، عَن كثير بن السائب ، عَن محمود بن لبيد ، قَالَ : كَانَ أسيد بن حضير قَدْ اشتكى عرق النسا ، وكان لنا إماماً ، فكان يخرج إلينا فيشير إلينا بيده أن اجلسوا ، فنجلس فيصلي بنا جالساً ونحن جلوس . خرجه الدارقطني .
وروى قيس بن أَبِي حَازِم ، عَن قيس بن قهد ، أن إماماً لهم اشتكى أياماً . قَالَ : فصلينا بصلاته جلوساً . خرجه أبو الْقَاسِم البغوي وذكره البخاري فِي ( تاريخه ) .
وروى يَحْيَى بن سَعِيد ، عَن أَبِي الزُّبَيْر ، عَن جابر ، أَنَّهُ فعل ذَلِكَ مَعَ أصحابه . وروى وكيع ، عَن إِسْمَاعِيل بن أَبِي خَالِد ، عَن قيس بن أَبِي حَازِم ، عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، قَالَ : الإمام أمير ، فإن صلى قائماً فصلوا قياماً ، وإن صلى قاعداً فصلوا قعوداً . قَالَ الإمام أحمد : فعله أربعة من الصَّحَابَة : أسيد بن حضير ، وقيس بن قهد ، وجابر ، وأبو هُرَيْرَةَ .
قَالَ : ويروى عَن خمسة عَن النبي صلى الله عليه وسلم : ( إذا صلى جالساً فصلوا جلوساً ) ، ولا أعلم شيئاً يدفعه . وهذا من علمه وورعه - رضي الله عنه - ، فإنه إنما دفع ذَلِكَ بالنسخ وهي دعوى مردودة ، كما سيأتي بيانه إن شاء الله تعالى . وكان الإمام أحمد يتورع عَن إطلاق النسخ ؛ لأن إبطال الأحكام الثابتة بمجرد الاحتمالات مَعَ إمكان الجمع بينها وبين مَا يدعى معارضها غير جائز ، وإذا أمكن الجمع بينها والعمل بِهَا كلها وجب ذَلِكَ ، ولم يجز دعوى النسخ مَعَهُ ، وهذه قاعدة مطردة .
وهي : أنا إذا وجدنا حديثاً صحيحاً صريحاً فِي حكم من الأحكام ، فإنه لا يرد باستنباط من نَصَّ آخر لَمْ يسق لذلك المعنى بالكلية ، فلا ترد أحاديث تحريم صيد المدينة بما يستنبط من حَدِيْث النغير ، ولا أحاديث توقيت صلاة العصر الصريحة بحديث : ( مثلكم فيما خلا قبلكم من الأمم كمثل رَجُل استأجر أجراء ) .. . الحَدِيْث ، ولا أحاديث : ( ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة ) بقوله : ( فيما سقت السماء العشر ) . وقد ذكر الشَّافِعِيّ أن هَذَا لَمْ يسق لبيان قدر مَا يجب مِنْهُ الزَّكَاةِ ، بل لبيان قدر الزَّكَاةِ ، وما أشبه هَذَا .
وممن ذهب إلى أن المأموم يصلي جالساً خلف الإمام الجالس بكل حال من العلماء : الأوزاعي وحماد بن زيد وأحمد وإسحاق وأبو خيثمة زهير بن حرب وسليمان بن داود الهاشمي وأبو بَكْر بن أَبِي شيبة وأبو إسحاق الجوزجاني وابن المنذر وابن خزيمة وابن حبان ، ونقله إجماعاً قديماً من السلف ، حَتَّى قَالَ فِي ( صحيحه ) : أول من أبطل فِي هذه الأمة صلاة المأموم قاعداً إذا صلى إمامه جالساً : المغيرة بن مقسم ، وعنه أخذ أبو حنيفة . وأما دعوى النسخ فِي هَذَا فَقَدْ بينا أَنَّهُ لا يجوز دعوى بطلان الحكم مَعَ إمكان العمل بِهِ ولو بوجه ، وسنبين وجه العمل بِهِ ، والجمع بَيْن مَا ادعي عَلِيهِ التعارض إن شاء الله تعالى . ويدل عَلَى أن الأمر بالقعود خلف الإمام القاعد غير منسوخ : أن النبي صلى الله عليه وسلم علله بعلل لَمْ تنسخ ولم تبطل منذ شرعت .
ومنها : أَنَّهُ علله بأن الإمام إنما جعل إماماً ليؤتم بِهِ ويقتدى بِهِ فِي أفعاله ، وَقَالَ : ( إذا كبر فكبروا ، وإذا ركع فاركعوا ، وإذا قَالَ : سَمِعَ الله لمن حمده ، فقولوا : ربنا ولك الحمد ، وإذا صلى جالساً فصلوا جلوساً أجمعون ) . وما قَبْلَ الصلاة جلوساً لَمْ ينسخ مِنْهُ شيء ، فكذلك القعود ؛ لأن الجميع مرتب عَلَى أن الإمام يؤتم بِهِ ويقتدى بِهِ . وفي ( صحيح مُسْلِم ) عَن أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( إنما الإمام جنة ، فإذا صلى قاعداً فصلوا قعوداً ، وإذا قَالَ : سَمِعَ الله لمن حمده ، فقولوا : اللهم ربنا لَكَ الحمد ، فإذا وافق قول أهل الأرض قَوْل أهل السماء غفر لَهُ مَا تقدم من ذنبه ) .
ومعنى كونه جنة : أَنَّهُ يتقى بِهِ ويستتر ، ولهذا إذا سلمت سترته لَمْ يضر مَا مر بَيْن يديه ، كما سبق تقريره . ومنها : أَنَّهُ جعل القعود خلفه من طاعة الأمراء ، وطاعة الأمراء من طاعة الرسول صلى الله عليه وسلم ، وطاعته من طاعة الله ، ومعلوم أَنَّهُ لَمْ ينسخ من هذه شيء ، بل كلها باقية محكمة إلى يوم القيامة . فخرج الإمام أحمد وابن حبان فِي ( صحيحه ) من حَدِيْث ابن عُمَر ، أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ فِي نفر من أصحابه ، فَقَالَ : ( ألستم تعلمون أني رسول الله إليكم ؟ ) قالوا : بلى ، نشهد أنك رسول الله ، قَالَ : ( ألستم تعلمون أَنَّهُ من أطاعني أطاع الله ، ومن طاعة الله طاعتي ؟ ) قالوا : بلى ، نشهد أَنَّهُ من أطاعك فَقَدْ أطاع الله ، ومن طاعة الله طاعتك ، قَالَ : ( فإن من طاعة الله أن تطيعوني ، ومن طاعتي أن تطيعوا أمراءكم ، وإن صلوا قعوداً فصلوا قعوداً ) .
وفي رِوَايَة لهما أَيْضاً ( ومن طاعتي أن تطيعوا أئمتكم ) . وهذا يصلح أن يكون متمسكاً للإمام أحمد فِي تخصيصه ذَلِكَ بإمام الحي ؛ فإن أئمة الحي إنما ينصبهم الأئمة غالباً ، وخصه - فِي رِوَايَة عَنْهُ - بالإمام الأعظم الَّذِي تجب طاعته . ومنها : أَنَّهُ جعل القيام خلف الإمام الجالس من جنس فعل فارس والروم بعظمائها ، حيث يقومون وملوكهم جلوس ، وشريعتنا جاءت بخلاف ذَلِكَ ، كما قَالَ صلى الله عليه وسلم : ( من أحب أن يتمثل لَهُ الرجال قياماً فليتبوأ مقعده من النار ) .
وَقَالَ عُمَر بن عَبْد العزيز للناس : أيها النَّاس ، إن تقوموا نقم ، وإن تجلسوا نجلس ، فإنما يقوم النَّاس لرب العالمين . وهذا حكم مستقر فِي الشريعة ، لَمْ ينسخ ولم يبدل . وقد دل عَلَى مَا ذكرناه : مَا خرجه مُسْلِم من حَدِيْث أَبِي الزُّبَيْر ، عَن جابر ، قَالَ : اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فصلينا وراءه وَهُوَ قاعد ، وأبو بَكْر يسمع النَّاس تكبيره ، فالتفت إلينا ، فرآنا قياماً ، فأشار إلينا ، فقعدنا فصلينا بصلاته قعوداً ، فلما سلم قَالَ : ( إن كدتم - آنفاً - تفعلون فعل فارس والروم ، يقومون عَلَى ملوكهم وهم قعود ، فلا تفعلوا ، ائتموا بأئمتكم ، إن صلوا قياماً فصلوا قياماً ، وإن صلوا قعوداً فصلوا قعوداً ) .
وخرج الإمام أحمد وأبو داود وابن حبان فِي ( صحيحه ) من حَدِيْث الأعمش ، عَن أَبِي سُفْيَان ، عَن جابر - فِي هذه القصة - أن النبي صلى الله عليه وسلم قَالَ لهم : ( إنما جعل الإمام ليؤتم بِهِ ، فإن صلى قائماً فصلوا قياماً ، وإن صلى جالساً فصلوا جلوساً ، ولا تقوموا وَهُوَ جالس كما يفعل أهل فارس بعظامها ) . وأما الكلام عَلَى دعوى النسخ ، عَلَى قَوْلِ من قَالَ : إن أَبَا بَكْر كَانَ مأموماً ، فأما عَلَى قَوْلِ من قَالَ : إنه كَانَ إماماً ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يأتم بِهِ ، كما تقدم عَن مَالِك وغيره ، فلا دلالة فِي الحَدِيْث حينئذ عَلَى أن الائتمام بالقاعد بالكلية . وأما من قَالَ : إن الإمام كَانَ هُوَ النبي صلى الله عليه وسلم ، كما قاله الشَّافِعِيّ والإمام أحمد والبخاري والأكثرون ، فالجمع بَيْن هَذَا الحَدِيْث وبين الأحاديث المتقدمة الَّتِيْ فيها الأمر بالجلوس فِي الصلاة من وجهين : أحدهما - وَهُوَ الَّذِي ذكره الإمام أحمد - : أن المؤتمين بأبي بَكْر ائتموا بإمام ابتدأ بهم الصلاة وَهُوَ قائم ، ثُمَّ لما انتقلت مِنْهُ الإمامة إلى النبي صلى الله عليه وسلم انتقلوا إلى الائتمام بقاعد ، فأتموا خلفه قياماً لابتدائهم الصلاة خلف إمام قائم .
فعلى هَذَا التقرير نقول : إن ابتدأ بهم الإمام الصلاة جالساً صلوا وراءه جلوساً ، وإن ابتدأ بهم قائماً ثُمَّ اعتل فجلس أتموا خلفه قياماً . هكذا قرره الإمام أحمد وأصحابه . ومنهم من قَالَ : إنه تصح هنا صلاة المأمومين خلفه قياماً إذا جلس فِي أثناء صلاته لعلة ، وسواء كَانَ إمام حي أو لَمْ يكن ، بخلاف ابتداء صلاة القائم خلف الجالس ، فإنها لا تصح عِنْدَ الإمام أحمد إلا إذا كَانَ إمام الحي ، وجلس لمرض يرجى برؤه خاصة ، فإنه يغتفر فِي الاستدامة مَا لا يغتفر فِي الابتداء .
وممن قَالَ ذَلِكَ من أصحابنا : أبو الفتح الحلواني . والثاني : أن تحمل أحاديث الأمر بالقعود عَلَى الاستحباب ، وحديث صلاته فِي مرضه من غير أمر لهم بالجلوس عَلَى جواز أن يأتموا بالقاعد قياماً ، فيكون المأمومون مخيرين بَيْن الأمرين ، وإن كَانَ الجلوس أفضل . وهذا يتخرج عَلَى قَوْلِ من قَالَ : إنهم إذا ائتموا بالجالس قياماً صحت صلاتهم ، وقد اختلف أصحابنا فِي ذَلِكَ عَلَى وجهين .
وظهر لِي وجه ثالث فِي الجمع بَيْن هذه الأحاديث ، وَهُوَ متجه عَلَى قَوْلِ الإمام أحمد : أن النبي صلى الله عليه وسلم كَانَ إماماً لأبي بَكْر ، وكان أبو بَكْر إماماً للناس ، فكانت تلك الصلاة بإمامين . وحينئذ فيقال : لما اجتمع فِي هذه الصلاة إمامان ، أحدهما جالس والآخر قائم صلى المأمومون خلفهما قياماً اتباعاً لإمامهم القائم ؛ فإن الأصل القيام ، وقد اجتمع موجب للقيام عليهم ، وموجب للقعود أو مبيح لَهُ ، فغلب جانب القيام ؛ لأنه الأصل ، كما إذا اجتمع فِي حل الصيد أو الأكل مبيح وحاظر ، فإنه يغلب الحظر . وأما أبو بَكْر فإنه إنما صلى قائماً ؛ لأنه وإن ائتم بقاعد إلا أَنَّهُ أم قادرين عَلَى القيام ، وَهُوَ قادر عَلِيهِ ، فاجتمع فِي حقه - أَيْضاً - سببان : موجب للقيام ، ومسقط لَهُ ، فغلب إيجاب القيام ، والله سبحانه وتعالى أعلم .