باب مَنْ أَخَفَّ الصَّلاَةَ عندَ بُكاءِ الصَّبيِّ
باب مَنْ أَخَفَّ الصَّلاَةَ عندَ بُكاءِ الصَّبيِّ فِيهِ ثَلاَثَة أحاديث : الحَدِيْث الأول : 707 - حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيْم بن موسى - هُوَ الفراء - ، ثنا الوليد ، ثنا الأوزاعي ، عَن يَحْيَى بن أَبِي كثير ، عَن عَبْد الله بن أَبِي قتادة ، عَن أَبِيه ، عَن النبي صلى الله عليه وسلم ، قَالَ : ( إني لأقوم فِي الصلاة أريد أن أطول فيها ، فأسمع بكاء الصبي فأتجوز فِي صلاتي ، كراهية أن أشق عَلَى أمه ) . تابعه : بشر بن بَكْر وبقية وابن المبارك ، عَن الأوزاعي . قَدْ خرجه البخاري فيما بعد من طريق بشر .
وخرجه أبو داود وابن ماجه من رِوَايَة بشر بن بَكْر وعمر بن عَبْد الواحد . وخرجه النسائي من رِوَايَة ابن المبارك ، كلهم عَن الأوزاعي ، بِهِ . وخرجه الإسماعيلي فِي ( صحيحه ) من رِوَايَة إِسْمَاعِيل بن عَبْد الله بن سماعة ، عَن الأوزاعي .
وكذا رواه عَن الأوزاعي : عقبة بن علقمة وأيوب بن سويد . ورواه أبو المغيرة ، عَن الأوزاعي ، عَن يَحْيَى ، عَن عَبْد الله بن أَبِي قتادة مرسلاً . خرجه ابن جوصا فِي ( مسند الأوزاعي من جمعه ) من هذه الطرق .
وإنما ذكر البخاري متابعة الوليد بن مُسْلِم عَلَى وصله ، ليبين أن الصحيح وصله ؛ لكثرة من وصله عَن الأوزاعي ، ولا يضر إرسال من أرسله . ولعل مسلماً ترك تخريجه للاختلاف فِي وصله وإرساله . والله أعلم .
وفي الحَدِيْث : دليل عَلَى أن من دَخَلَ الصلاة بنية إطالتها فله تخفيفها لمصلحة ، وأنه لا تلزم الإطالة بمجرد النية . واستدل بِهِ بعضهم عَلَى أن من دَخَلَ فِي تطوع ينوي أن يصلي أربعاً ، فله أن يقتصر عَلَى ركعتين ، قَالَ ذَلِكَ سُفْيَان الثوري ، مَعَ قوله بلزوم النوافل بالشروع ، فلا إشكال عنده فِي جواز ذَلِكَ . وكذلك لأصحاب مَالِك قولان فيمن افتتح الصلاة النافلة قائماً ، فهل يجلس فِي أثنائها ، أم لا ؟ فاستدل بعض من قَالَ : لَهُ أن يجلس ، بهذا الحَدِيْث .
وقد يستدل بِهِ عَلَى أن من نذر أن يصلي صلاة ، ونوى فِي نفسه أكثر من ركعتين ، فهل يلزمه مَا نوى ، أم لا ؟ وقد نَصَّ أحمد عَلَى أَنَّهُ يلزمه مَا نوى ، ورجحه طائفة من أصحابنا ، بناء عَلَى أن من أصل أحمد الرجوع فِي الأيمان والنذور إلى المقاصد والنيات . وقد نَصَّ أحمد فيمن نذر الصدقة بمال ، ونوى فِي نفسه ألفاً ، أَنَّهُ يخرج مَا شاء مِمَّا يسمى مالاً ، ولا يلزمه الألف ، نقله عَنْهُ أبو داود . وهذا يخالف نصه فِي الصوم والصلاة ، أَنَّهُ يلزمه مَا نواه .
فتخرج المسألتان عَلَى روايتين . ووجه شبه هذه المسائل بنية الإطالة للصلاة المكتوبة عِنْدَ الدخول فيها : أن الصلاة المكتوبة إنما يلزم فيها قدر الإجزاء ، والزائد عَلَى ذَلِكَ إذا فعل ، فهل يوصف بالوجوب ، أو بالنفل ؟ فِيهِ قولان معروفان لأصحابنا وغيرهم من الفقهاء . وقد تبين بهذا الحَدِيْث : أن ذَلِكَ لا يلزم بمجرد النية ، سواء وصف بالوجوب ، أو لا .
وأما قوله صلى الله عليه وسلم ( أريد أن أطول فيها ) ، فالمعنى : أَنَّهُ يريد إتمامها وإكمالها عَلَى الوجه المعتاد ، وليس المراد : الإطالة الَّتِيْ نهى عَنْهَا الأئمة . واستدل الخطابي وغيره بهذا الحَدِيْث عَلَى جواز انتظار الإمام للداخل فِي الركوع قدراً لا يشق عَلَى بقية المأمومين ؛ لأنه مراعاة لحال أحد المأمومين . وفيه نظر ؛ فإن الداخل لَمْ يدخل بعد فِي الائتمام بالإمام ، وفي الانتظار تطويل عَلَى المأمومين لمراعاة من ليس بمؤتم ، فهذا لا يشبه تخفيف الصلاة لأجل أم الصبي ، بل هُوَ عكسه فِي المعنى .