باب الرَّجُلِ يَأتَمُّ بِالإِمَامِ وَيأتَمُّ النَّاسُ بالْمَأمُومِ
باب الرَّجُلِ يَأتَمُّ بِالإِمَامِ ، وَيأتَمُّ النَّاسُ بالْمَأمُومِ ويذكر عن النبي صلى الله عليه وسلم ، أنه قالَ : ( ائتموا بي ، وليأتم بكم من بعدكم ) . هذا الحديث خرجه مسلم من حديث أبي نضرة ، عن أبي سعيد الخدري ، قالَ : رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم في أصحابه تأخرا ، فقالَ : ( تقدموا ، فائتموا بي وليأتم بكم من بعدكم ، لا يزال قوم يتأخرون حتى يؤخرهم الله ) . والبخاري لا يخرج لأبي نضرة ، فلذلك علق حديثه هذا على هذا الوجه .
قالَ البخاري : 713 - حدثنا قتيبة بن سعيد ، ثنا أبو معاوية ، عن الأعمش ، عن إبراهيم ، عن الأسود ، عن عائشة ، قالت : لما ثقل رسول الله صلى الله عليه وسلم جاء بلال يؤذنه بالصلاة ، فقالَ : ( مروا أبا بكر يصلي بالناس ) ، فقلت : يا رسول الله ، أبو بكر رجل أسيف ، وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس ، فلو أمرت عمر ؟ فقالَ : ( مروا أبا بكر يصلي بالناس ) ، فقلت لحفصة : قولي له : إن أبا بكر رجل أسيف ، وإنه متى يقم مقامك لا يسمع الناس ، فلو أمرت عمر ، قالَ : ( إنكن لأنتن صواحب يوسف ، مروا أبا بكر أن يصلي بالناس ) ، فلما دخل في الصلاة وجد رسول الله صلى الله عليه وسلم في نفسه خفة ، فقام يهادى بين رجلين ، ورجلاه تخطان في الأرض حتى دخل المسجد ، فلما سمع أبو بكر حسه ذهب أبو بكر يتأخر ، فأومأ إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم حتى جلس عن يسار أبي بكر ، فكان أبو بكر يصلي قائما ، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي قاعدا ، يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والناس يقتدون بصلاة أبي بكر . قد تقدم ذكر هذا الحديث والإشارة إلى ما قيل في هذه اللفظة ، وهي : ( عن يسار أبي بكر ) ؛ فإن أبا معاوية تفرد بها ، وما قيل فيما بعدها ، وأنه مدرج ، واختلاف الناس : هل كانَ أبو بكر إماما أو مأموما . فإن قوله : ( يقتدي أبو بكر بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم ) قد قيل : إن المراد به : أنه كانَ يراعي في صلاته التخفيف على النبي صلى الله عليه وسلم ، ويفعل ما كانَ أسهل عليهِ وأخف وأيسر ، فكان ذَلِكَ اقتداؤه به ، من غير أن يكون مؤتما به ، كما قالَ النبي صلى الله عليه وسلم لعثمان بن أبي العاص لما استعمله على الطائف ، وأمره بتخفيف الصلاة بالناس ، وقال لهُ : ( اقتد بأضعفهم ) أي : راع حال الضعفاء ممن يصلي وراءك ، فصل صلاة لا تشق عليهم .
والأكثرون فسروا اقتداء أبي بكر بالنبي صلى الله عليه وسلم بأنه كانَ مؤتما بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم إماما لأبي بكر . وأما قوله : ( والناس يقتدون بصلاة أبي بكر ) فاختلف الناس في تأويله أيضا . فقالت طائفة : المعنى أن أبا بكر كانَ يسمعهم التكبير لضعف صوت النبي صلى الله عليه وسلم حينئذ ، فكان اقتداؤهم بصوت أبي بكر ، وكان مبلغا عن النبي صلى الله عليه وسلم ، لم يكن إماما للناس ، فاقتداء أبي بكر والناس كلهم إنما كانَ بالنبي صلى الله عليه وسلم ، وإنما كانَ أبو بكر يبلغ عن النبي صلى الله عليه وسلم التكبير ؛ ليتمكنوا من الاقتداء .
ومما يتفرع على ذَلِكَ : أن الشعبي قالَ : إذا انتهيت إلى الصف الآخر ، ولم يرفعوا رءوسهم ، وقد رفع الإمام ، فاركع ؛ فإن بعضكم أئمة بعض . وهذا قول غريب ، والجمهور على خلافه ، وأن الاعتبار بالإمام وحده في إدراك الركعة بإدراك ركوعه . وهذا هوَ المعنى الذي بوب عليهِ البخاري هاهنا ، وكذلك بوب عليهِ النسائي وغيره .
وهو قول أصحاب الشافعي ، على قولهم : إن أبا بكر كانَ مؤتما بالنبي صلى الله عليه وسلم ؛ فإنهم اختلفوا : هل كانَ النبي صلى الله عليه وسلم إماما لأبي بكر ، أو مأموما به ؟ على وجهين . وقال الإمام أحمد : بل كانَ النبي صلى الله عليه وسلم إماما لأبي بكر ، وكان أبو بكر إماما للناس الذين وراءه ، فكانت تلك الصلاة بإمامين . واختلفت الرواية عن الإمام أحمد في الصلاة بإمامين : هل هي من خصائص النبي صلى الله عليه وسلم ، أو هوَ حكم عام يستوي فيهِ جميع الأئمة ؟ على ثلاث روايات عنه .
واختار أبو بكر بن جعفر وغيره من أصحابنا رواية اختصاص النبي صلى الله عليه وسلم بذلك . وروى حماد بن سلمة ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كانَ وجعا ، فأمر أبا بكر أن يصلي بالناس ، ووجد رسول الله صلى الله عليه وسلم خفة ، فقعد إلى جنب أبي بكر ، فأم رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا بكر وهو قاعد ، وأم الناس أبو بكر وهو قائم . خرجه الدارقطني وغيره .
والصحيح : أن قوله : ( فوجد رسول الله صلى الله عليه وسلم خفة ) إلى آخر الحديث مدرج من قول عروة ، كما رواه مالك وابن نمير وغيرهما ، عن هشام بغير هذا اللفظ ، وقد سبق ذَلِكَ .