باب إذا بَكَى الإِمَامُ في الصَّلاَةِ
باب إذا بَكَى الإِمَامُ في الصَّلاَةِ وقال عبد الله بن شداد : سمعت نشيج عمر وأنا في آخر الصفوف ، يقرأ : إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ الآية . روى سفيان بن عيينة ، عن إسماعيل بن محمد بن سعد ، سمع عبد الله بن شداد بن الهاد يقول : سمعت عمر يقرأ في صلاة الصبح سورة يوسف ، فسمعت نشيجه ، وإني لفي آخر الصفوف ، وهو يقرأ : إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ وروي من وجوه أخر : روى ابن جريج : أخبرني ابن أبي مليكة ، قالَ : أخبرني علقمة بن وقاص ، قالَ : كانَ عمر يقرأ في العشاء الآخرة بسورة يوسف ، وأنا في مؤخر الصف ، حتى إذا ذكر يوسف سمعت نشيجه . وروى جعفر بن سليمان ، عن ثابت ، عن أبي رافع ، قالَ : إني يوما مع عمر في صلاة الصبح ، وهو يقرأ السورة التي فيها يوسف ، وأنا في آخر صفوف الرجال مما يلي النساء ، وكان جهير القراءة ، فلما مر بهذه الآية : إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ فبكى حتى انقطعت قراءته ، وسمعت نشيجه .
وروى عبد الرحمن بن إسحاق ، عن محارب بن دثار ، عن ابن عمر ، قالَ : صليت خلف عمر ، فسمعت خنينه من وراء ثلاثة صفوف . وفي رواية قالَ : غلب عمر البكاء وهو يصلي بالناس الصبح ، فسمعت خنينه من وراء ثلاثة صفوف . والنشيج : هوَ رفع الصوت بالبكاء ، قاله أبو عبيد وغيره .
والخنين - بالخاء المعجمة - نحوه . قالَ البخاري : 716 - حدثنا إسماعيل ، قالَ : حدثني مالك ، عن هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة أم المؤمنين ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم في مرضه قالَ : ( مروا أبا بكر فليصل بالناس ) ، قالت عائشة : قلت : إن أبا بكر إذا قام مقامك لم يسمع الناس من البكاء ، فمر عمر فليصل ، فقالَ : ( مروا أبا بكر فليصل للناس ) ، قالت عائشة : فقلت لحفصة : قولي له : إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء ، فمر عمر فليصل للناس ، ففعلت حفصة ، فقالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( مه ، إنكن لأنتن صواحب يوسف ، مروا أبا بكر فليصل بالناس ) ، فقالت حفصة : ما كنت لأصيب منك خيرا . مقصوده من إيراد هذا الحديث في هذا الباب : أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر أبا بكر أن يصلي بالناس مع تكرار القول لهُ أنه إذا قام مقامه لا يسمع الناس من البكاء ، فدل على أن البكاء من خشية الله في الصلاة لا يضر الصلاة ، بل يزينها ؛ فإن الخشوع زينة الصلاة .
وقد خرج البخاري في ( كتابه ) هذا حديث عائشة في ذكر الهجرة بطوله ، وفيه : ثم بدا لأبي بكر فابتنى مسجدا بفناء داره ، فكان يصلي فيهِ ويقرأ القرآن فيتقصف عليهِ نساء المشركين وأبناؤهم ، يتعجبون منه وينظرون إليه ، وكان أبو بكر رجلا بكاء ، لا يملك عينيه إذا قرأ القرآن . وروى حماد بن سلمة ، عن ثابت ، عن مطرف بن عبد الله ، عن أبيه ، قالَ : انتهيت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يصلي ولصدره أزيز كأزيز المرجل . خرجه الإمام أحمد ، والنسائي ، وزاد : يعني : يبكي .
وفي رواية للإمام أحمد : رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي وفي صدره أزيز كأزيز المرجل من البكاء . وخرجه أبو داود كذلك . وهذا الإسناد على شرط مسلم .
وقد دل القرآن على مدح الباكين من خشية الله في سجودهم ، فقالَ تعالى : وَيَخِرُّونَ لِلأَذْقَانِ يَبْكُونَ وقال : خَرُّوا سُجَّدًا وَبُكِيًّا وقد اختلف العلماء في البكاء في الصلاة على ثلاثة أقوال : أحدها : إنه إن كانَ لخوف الله تعالى لم يبطل الصلاة ، وإن كانَ لحزن الدنيا ونحوه فهوَ كالكلام ، وهو قول أبي حنيفة وأحمد . ولأصحابنا وجه ضعيف : أنه إن كانَ عن غير غلبة أبطل . والمنصوص عن أحمد : إن كانَ عن غلبة لا بأس به .
قالَ القاضي أبو يعلى : إن كانَ عن غلبة لم يكره ، وإن استدعاه كره ، قالَ : وإن كانَ معه نحيب أبطل . وهذا ليس في كلام الإمام أحمد ، ولو قيده بما إذا استدعاه لكان أجود . وقد قالَ ابن بطة من أصحابنا : إن التأوه في الصلاة من خشية الله لا يبطل .
فالنحيب أولى . والقول الثاني : إنه لا يبطل بكل حال ، وليس هوَ كالكلام ؛ لأنه لا يسمى به متكلما ، وهو قول أبي يوسف . وكذا قالَ مالك في الأنين : لا يقطع صلاة المريض ، وأكرهه للصحيح .
وقال أبو الثور : لا بأس بالأنين ، إلا أن يكون كلاما مفهوما . وتوقف الإمام أحمد في رواية المروذي ، والتباكي من مصيبة ، ولم يجزم بالبطلان . وقال في رواية أبي الحارث في الصلاة : إن كانَ غالبا عليهِ أكرهه .
ومعنى قوله : ( غالبا ) - أي : كانَ مختارا لهُ ، قادرا على رده ، بحيث لم يغلبه الأنين ، ولم يقهره ، وظاهر كلامه أنه لا يبطل صلاته . وقال القاضي أبو يعلى : إنما أراد إذا كانَ أنينه ( عاليا ) من العلو أو رفع الصوت ؛ لما يخشى من الرياء به ، أو إظهار الضجر بالمرض ونحوه . وهذا الذي فسره تصحيف منه ، والله أعلم .
والثالث : إنه كلام بكل حال ، حكي عن الشعبي والنخعي ومغيرة والثوري ، وإنما المنقول عنهم في الأنين ، ونقل عن الشعبي في التأوه . وهذا محمول على ما لم يكن من خشية الله ، فقد كانَ الثوري إذا قرأ في صلاته لم تفهم قراءته من شدة بكائه . وهو مذهب الشافعي ، وعنده : إن أبان به حرفان أبطل الصلاة ، وإلا كره ولم تبطل .
وكذا قالَ أصحابنا في البكاء لحزن ونحوه إذا لم يغلب عليهِ ، فإن غلب عليهِ صاحبه ففي البطلان به وجهان . ولا يعرف عن الإمام أحمد اعتبار حرفين في ذَلِكَ ، قاله القاضي أبو يعلى ومن اتبعه . وما تقدم عن أبي بكر وعمر – رضي الله عنهما - يدل على أن البكاء في الصلاة من خشية الله حسن جميل ، ويقبح أن يقال : لا يبطلها ؛ فإن ما كانَ زينة الصلاة وزهرتها وجمالها كيف يقنع بأن يقال فيهِ : غير مبطل ؟ ولم يزل السلف الصالح الخاشعون لله على ذَلِكَ .
روى الإمام أحمد في ( كتاب الزهد ) بإسناده ، عن نافع ، قالَ : كانَ ابن عمر يقرأ في صلاته ، فيمر بالآية فيها ذكر الجنة ، فيقف عندها فيدعو ويسأل الله الجنة ، قالَ : ويدعو ويبكي ، قالَ : ويمر بالآية فيها ذكر النار ، فيدعو ويستجير بالله منها . وبإسناده ، عن ابن أبي مليكة ، قالَ : صحبت ابن عباس من مكة إلى المدينة ، قالَ : وكان إذا نزل قام ينتظر الليل ، فسأله أيوب : كيف كانت قراءته ؟ قالَ : قرأ ﴿وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ ﴾فجعل يرتل ، ويكثر في ذَلِكَ النشيج . وروى ابن أبي الدنيا بإسناده ، عن القاسم بن محمد ، قالَ : كنت غدوت يوما فإذا عائشة قائمة تسبح - يعني : تصلي - وتبكي ، وتقرأ ﴿فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْنَا وَوَقَانَا عَذَابَ السَّمُومِ ﴾وتدعو وتبكي ، وترددها ، فقمت حتى مللت القيام ، فذهبت إلى السوق لحاجتي ، ثم رجعت فإذا هي قائمة كما هي ، تصلي وتبكي .
والروايات في هذا عن التابعين ومن بعدهم كثيرة جدا ، وإنما ينكر ذَلِكَ من غلبت عليهِ الشقوة ، أو سبقت لهُ الشقوة .