باب رفعِ البصرِ إلى الإمَامِ فِي الصَّلاَةِ
حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيل ، حَدَّثَنِي مَالِك ، عَن زيد بْن أسلم ، عَن عَطَاء بْن يسار ، عَن عَبْد الله بْن عَبَّاس ، قَالَ : خسفت الشمس عَلَى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فصلى ، قالوا : يَا رسول الله ، رأيناك تناولت شيئاً فِي مقامك ، ثُمَّ رأيناك تكعكعت ؟ قَالَ : ( إني رأيت الجنة فتناولت مِنْهَا عنقوداً ، ولو أخذته لأكلتم مِنْهُ مَا بقيت الدنيا ) . قَالَ الخطابي : التكعكع التأخر ، وأصله فِي الجبن ، كع الرَّجُلُ عَن الأمر إذا جبن وتأخر ، وأصله : تكعع ، فأدخل الكاف لئلا يجمع بَيْن حرفين . ويقال : كاع يكيع ، مثله .
انتهى . وفي الحَدِيْث دليل عَلَى أن رفع بصر المصلي إلى مَا بَيْن يديه ، ومد يده لتناول شيء قريب مِنْهُ لا يقدح فِي صلاته . وليس فِيهِ نظر المأموم إلى إمامه ، إنما فِيهِ نظر الإمام إلى مَا بَيْن يديه ، وقد تقدمت الإشارة إلى أن هَذَا النظر والتناول ليس هُوَ مَا يكره فِي الصلاة ؛ لأنه نظر إلى الآخرة لا إلى الدنيا ، ومد يده إلى العنقود كَانَ فِيهِ مصلحة دينية ، ليري أصحابه بعض مَا وعدوا به عياناً فِي الجنة ، لكنه أوحي إليه أن لا يفعل ؛ فإنه كَانَ يصير الغيب شهادة ، فتزول فائدة التكليف بالإيمان بالغيب .
وقوله : ( فتناولت مِنْهُ عنقوداً ) ، يعني : أَنَّهُ مد يده يريد تناول العنقود ، ولكنه لَمْ يتناوله ، ولهذا قَالَ : ( لَوْ أخذته لأكلتم مِنْهُ ) . وقوله : ( لأكلتم مِنْهُ مَا بقيت الدنيا ) إشارة إلى أن مَا فِي الجنة لا ينفد ؛ فإنه كُلَّمَا أكل مِنْهُ استخلف فِي الحال مثلاه . وفي رِوَايَة أخرى : ( لأكل مِنْهُ من بَيْن السماء والأرض ، لا ينقصونه شيئاً ) .
ولهذا يروى أن الطير يمر بأهل الجنة ، فيشتهونه ، فيخر بَيْن أيديهم ، فيأكلون مِنْهُ مَا يشاءون ثُمَّ يطير ، والكأس يشربون مَا فِيهِ ثُمَّ يعود ممتلئاً فِي الحال ، لا حرمنا الله خير مَا عنده بشر مَا عندنا بمنه ورحمته .