باب الذكر بعد الصلاة
حدثنا محمد بن يوسف ، ثنا سفيان ، عن عبد الملك بن عمير ، عن وراد - كاتب المغيرة بن شعبة - قال : أملى علي المغيرة في كتاب إلى معاوية ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول في دبر كل صلاة مكتوبة : لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير ، اللهم ، لا مانع لما أعطيت ، ولا معطي لما منعت ، ولا ينفع ذا الجد منك الجد . وقال شعبة ، عن عبد الملك بن عمير بهذا ، وعن الحكم ، عن القاسم بن مخيمرة ، عن وراد بهذا . هذا الحديث ، أسنده البخاري من طريق سفيان الثوري ، عن عبد الملك بن عمير ، عن وراد .
وعلقه عن شعبة بإسنادين : أحدهما : عن عبد الملك - أيضا - بهذا الإسناد . والثاني : عن الحكم ، عن القاسم بن مخيمرة ، عن وراد . ورواية شعبة لهذا الحديث غريبة لم تخرج في شيء من الكتب الستة ، ولا في مسند الإمام أحمد .
وخرجه مسلم من طريق عبدة بن أبي لبابة والمسيب بن رافع وغيرهما ، عن وراد . وخرجه البخاري في موضع آخر من رواية المسيب ، وفي روايته : بعد السلام . وخرجه الإمام أحمد والنسائي من طريق مغيرة ، عن الشعبي ، عن وراد ، أن المغيرة كتب إلى معاوية : سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول عند انصرافه من الصلاة : لا إله إلا الله ، وحده لا شريك له ، له الملك ، وله الحمد ، وهو على كل شيء قدير - ثلاث مرات .
وهذه زيادة غريبة . وقد روي في الحديث زيادة : بيده الخير . خرجها الإسماعيلي من طريق مسعر ، عن زياد بن علاقة ، عن وراد .
وروي فيه - أيضا - زيادة : يحيي ويميت . ذكرها الترمذي في كتابه - تعليقا ، ولم يذكر رواتها . وقد خرجه البزار بهذه الزيادة من رواية ابن علاقة ، عن عبد الله بن محمد بن عقيل ، عن جابر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمثل حديث المغيرة ، بهذه الزيادة .
وفي إسنادها ضعف . وخرجه - أيضا - من حديث ابن عباس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وفيه زيادة : بيده الخير . وفي إسناده ضعف .
وخرجه ابن عدي ، وزاد فيه : يحيي ويميت . وقال : هو غير محفوظ . وخرجه أبو مسلم الكجي في سننه من حديث أبان بن أبي عياش ، عن أبي الجوزاء ، عن عائشة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وفيه : يحيي ويميت ، بيده الخير .
وأبان ، متروك . وخرج النسائي وابن حبان في صحيحه والحاكم من حديث كعب الأحبار ، عن صهيب ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يقول عند انصرافه من الصلاة : اللهم ، أصلح لي ديني الذي جعلته لي عصمة أمري ، وأصلح لي دنياي التي جعلت فيها معاشي ، اللهم ، إني أعوذ برضاك من سخطك ، وأعوذ [...] بعفوك من نقمتك ، وأعوذ بك منك ، لا مانع لما أعطيت ، ولا معطي لما منعت ، ولا ينفع ذا الجد منك الجد . وفي إسناده اختلاف .
وخرج مسلم من حديث عائشة ، قالت : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - لا يقعد إلا مقدار ما يقول : اللهم ، أنت السلام ، ومنك السلام ، تباركت ذا الجلال والإكرام . وفي رواية له - أيضا - : يا ذا الجلال والإكرام . وخرج - أيضا - من حديث ثوبان ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا أراد أن ينصرف من صلاته استغفر ثلاث مرات ، ثم قال : اللهم ، أنت السلام ، ومنك السلام ، تبارك ذا الجلال والإكرام [...] ، يا ذا الجلال والإكرام .
وفي الذكر عقب الصلوات المكتوبات أحاديث أخر . وجمهور أهل العلم على استحبابه ، وقد روي عن علي وابن عباس وابن الزبير وغيرهم ، وهو قول عطاء والثوري والشافعي وأحمد وإسحاق وغيرهم . وخالف فيه طائفة قليلة من الكوفيين ، وقد تقدم عن عبيدة السلماني ، أنه عد التكبير عقب الصلاة من البدع ، ولعله أراد بإنكاره على مصعب ، أنه كان يقوله مستقبل القبلة قبل أن ينحرف ويجهر ، كذلك هو في كتاب عبد الرزاق ، وإذا صحت السنة بشيء وعمل بها الصحابة ، فلا تعدل عنها .
واستحب - أيضا - أصحابنا وأصحاب الشافعي الدعاء عقب الصلوات ، وذكره بعض الشافعية اتفاقا . واستدلوا بحديث أبي أمامة ، قال : قيل لرسول الله - صلى الله عليه وسلم - : أي الدعاء أسمع ؟ قال : جوف الليل الآخر ، ودبر الصلوات المكتوبات . خرجه الإمام أحمد والترمذي ، وحسنه .
وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي من حديث معاذ ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له : لا تدعن دبر كل صلاة تقول : اللهم أعني على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك . وقال طائفة من أصحابنا ومن الشافعية : يدعو الإمام للمأمومين عقب صلاة الفجر والعصر ؛ لأنه لا تنفل بعدهما . فظاهر كلامهم : أنه يجهر به ، ويؤمنون عليه ، وفي ذلك نظر .
وقد ذكرنا فيما تقدم حديث دعاء النبي - صلى الله عليه وسلم - عقب الصلاة جهرا ، وأنه لا يصح ، ولم يصح في ذلك شيء عن السلف . والمنقول عن الإمام أحمد أنه كان يجهر ببعض الذكر عقب الصلاة ، ثم يسر بالباقي ، ويعقد التسبيح والتكبير والتحميد سرا ، ويدعو سرا . ومن الفقهاء من يستحب للإمام الدعاء للمأمومين عقب كل صلاة ، وليس في ذلك سنة ولا أثر يتبع .
والله أعلم . وفي بعض نسخ البخاري : وقال الحسن : الجد غنى . وهذا تفسير لقوله : ولا ينفع ذا الجد منك الجد ، والجد - بفتح الجيم - المراد به في هذا الحديث : الغنى ، والمعنى : لا ينفع ذا الغنى منك غناه .
وهذا كقوله تعالى : وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلا أَوْلادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى وقوله : ﴿يَوْمَ لا يَنْفَعُ مَالٌ وَلا بَنُونَ ﴾وقد روي تفسير الجد بذلك مرفوعا : ففي سنن ابن ماجه ، عن أبي جحيفة ، قال : ذكرت الجدود عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وهو في الصلاة ، فقال رجل : جد فلان في الخيل . وقال آخر : جد فلان في الإبل ، فقال آخر : جد فلان في الغنم ، وقال آخر : جد فلان في الرقيق ، فلما قضى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صلاته ، ورفع رأسه من آخر الركعة ، قال : اللهم ، ربنا لك الحمد ، ملء السماوات وملء الأرض ، وملء ما شئت من شيء بعد ، اللهم ، لا مانع لما أعطيت ، ولا معطي لما منعت ، ولا ينفع ذا الجد منك الجد ، وطول رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صوته بالجد ؛ ليعلم أنه ليس كما يقولون .