باب وضوء الصبيان ومتى يجب عليهم الغسل والطهور
حديث ابن عباس : أقبلت راكبا على حمار أتان ، وأنا يومئذ قد ناهزت الاحتلام ، ورسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي بالناس بمنى إلى غير جدار ، فمررت بين يدي بعض الصف ، فنزلت وأرسلت الأتان ترتع ، ودخلت في الصف ، فلم ينكر ذلك علي أحد . قد سبق هذا الحديث في باب : سترة الإمام سترة لمن خلفه من طريق مالك ، خرجه هناك عن عبد الله بن يوسف ، عن مالك ، وخرجه هنا عن عبد الله بن مسلمة - هو : القعنبي - عن مالك . والمراد بتخريجه هاهنا : الاستدلال على صحة صلاة الصبي ، وأنه يدخل في صف الرجال ويقف معهم .
وقد استدل بهذا مالك على أن الأفضل أن يجعل في الصف بين كل رجلين صبيا ؛ ليتعلم أدب الصلاة وخشوعها . وهو أحد الوجهين للشافعية . والثاني لهم : يقف الصبيان إذا كثروا صفا خلف الرجال .
وهو مذهبنا ومذهب أبي حنيفة . واستدلوا لذلك بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : ليلني أولو الأحلام منكم والنهى ، ثم الذين يلونهم ، ثم الذين يلونهم . خرجه مسلم .
وبما روى شهر بن حوشب ، حدثنا عبد الرحمن بن غنم ، أن أبا مالك الأشعري جمع قومه ، فقال : اجتمعوا واجمعوا نساءكم وأبناءكم أعلمكم صلاة النبي - صلى الله عليه وسلم - فاجتمعوا وجمعوا نساءهم وأبناءهم ، وأراهم كيف يتوضأ ، فأحصى الوضوء أماكنه ، حتى لما أن فاء الفيء وانكسر الظل قام فأذن ، وصف الرجال في أدنى الصف ، وصف الولدان خلفهم ، وصف النساء خلف الولدان ، ثم أقام الصلاة ، فتقدم فصلى - وذكر قصة الصلاة ، ثم قال : إنها صلاة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . خرجه الإمام أحمد بتمامه ، وخرجه أبو داود مختصرا . ولو قام الصبي في وسط الصف ، ثم جاء رجل ، فله أن يؤخره ويقوم مقامه ، نص عليه ، وفعله أبي بن كعب بقيس بن عباد ، وروي نحوه عن عمر - أيضا - فهذا قول الثوري وأحمد ، وقد سبق ذكره في أبواب الصفوف .
ولو كان الصبي في آخر الصف ، فقام رجل خلفه في الصف الثاني ، فقال أحمد : لا بأس به ، هو متصل بالصف . وحمله القاضي على أن الصف إذا كان فيه خلل ، فوقف رجل لم يبطل اتصاله ؛ لأن الصبي لا يصاف في الفرض ، على المنصوص لأحمد . ومن أصحابنا من قال : لا يصاف في الفرض ولا في النفل ، ولو قلنا : تصح إمامته في النفل .
وهذه طريقة أبي الخطاب ، أنه تصح مصافته في الفرض والنفل ، وهو قول الأوزاعي وإسحاق ؛ لأنه محكوم بصحة صلاته ، وإن لم تصح إمامته للرجال . وكذا قال الثوري ومالك وأبو حنيفة والشافعي ، لكنه يجيز إمامته للرجال ومصافته أولى . وكل هؤلاء يقولون فيمن أم رجلا وصبيا : إنهما يقفان خلفه ، وعند أحمد : يقفان عن يمينه ، أو يقف بينهما ، وعليه حمل وقوف ابن مسعود بين علقمة والأسود ، وقال : كان الأسود غلاما .
وحديث ابن عباس الذي خرجه البخاري في هذا الباب يدل على أن دخول الصبي المميز في صف الرجال في الصلاة المفروضة هو السنة . والله أعلم .