باب الدهن للجمعة
باب الدهن للجمعة فيه عن سلمان ، وأبي هريرة : أما حديث سلمان : فقال : 883 - ثنا آدم ، ثنا ابن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، قال : أخبرني أبي ، عن ابن وديعة ، عن سلمان الفارسي ، قال : قال النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا يغتسل رجل يوم الجمعة ، ويتطهر ما استطاع من طهر ، ويدهن من دهنه - أو يمس من طيب بيته - ثم يخرج فلا يفرق بين اثنين ، ثم يصلي ما كتب له ، ثم ينصت إذا تكلم الإمام إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى . هذا الحديث تفرد بتخريجه البخاري دون مسلم ؛ لاختلاف وقع في إسناده . وقد خرجه البخاري هاهنا ، عن آدم بن أبي إياس ، عن ابن أبي ذئب .
ثم خرجه بعد ذلك من طريق ابن المبارك ، عن ابن أبي ذئب بهذا الإسناد - أيضا ، وكذا رواه جماعة عن ابن أبي ذئب . ورواه بعضهم ، عن ابن أبي ذئب ، عن سعيد المقبري ، عن ابن وديعة ، عن سلمان - لم يذكر في إسناده : أبا سعيد المقبري . ورواه الضحاك بن عثمان ، عن المقبري بهذا الإسناد - أيضا - مع الاختلاف عليه في ذكر أبي سعيد وإسقاطه .
وزاد الضحاك في حديثه : قال سعيد المقبري : فحدثت بذلك عمارة بن عمرو بن حزم ، فقال : أوهم ابن وديعة ؛ سمعته من سلمان يقول : وزيادة ثلاثة أيام . ورواه ابن عجلان ، عن سعيد بن أبي سعيد المقبري ، عن أبيه ، عن عبد الله بن وديعة ، عن أبي ذر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - بمعناه . قال ابن عجلان : فذكرته لعبادة بن عامر بن عمرو بن حزم ، فقال : صدق ، وزيادة ثلاثة أيام .
خرجه الإمام أحمد وابن ماجه ، ولم يذكر آخره . وقد روى ابن أبي حاتم - مرة - عن أبي زرعة ، أنه قال : حديث ابن عجلان أشبه . يعني : قوله : عن أبي ذر .
ونقل - مرة أخرى - عن أبيه وأبي زرعة ، أنهما قالا : حديث سلمان الأصح . وكذا قال علي بن المديني والدارقطني ، وهو الذي يقتضيه تصرف البخاري . وكذا قال ابن معين : ابن أبي ذئب أثبت في المقبري من ابن عجلان .
وعبيد الله بن وديعة - ويقال : عبد الله - قال أبو حاتم الرازي : الصحيح عبيد الله . وقال أبو زرعة : الصحيح عبد الله . وقد رواه أبو داود الطيالسي ، عن ابن أبي ذئب ، فسماه : عبيد الله بن عدي ابن الخيار ، وهو وهم منه - : قاله أبو حاتم .
وقد رواه جماعة ، عن سعيد المقبري ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - منهم : ابن جريج وعبيد الله بن عمر وأخوه عبد الله وغيرهم . وزاد ابن جريج : وعن عمارة بن عامر الأنصاري . قال الدارقطني : ووهم في ذلك ؛ إنما أراد عمارة بن عمرو بن حزم ، كما ذكر الضحاك .
ورواه صالح بن كيسان ، عن سعيد المقبري ، عن أبيه ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . قال أبو زرعة وأبو حاتم : هو خطأ ؛ إنما هو ما قاله ابن أبي ذئب وابن عجلان . ولا ريب أن الذين قالوا فيه : عن أبي هريرة جماعة حفاظ ، لكن الوهم يسبق كثيرا إلى هذا الإسناد ؛ فإن رواية سعيد المقبري ، عن أبي هريرة - أو عن أبيه ، عن أبي هريرة سلسلة معروفة ، تسبق إليها الألسن ، بخلاف رواية سعيد ، عن أبيه ، عن ابن وديعة ، عن سلمان ؛ فإنها سلسلة غريبة ، لا يقولها إلا حافظ لها متقن .
ورجح ابن المديني قول من رواه ، عن سلمان ، [بأن حديثه . .] ، فإنه قد رواه النخعي ، عن علقمة ، عن القرثع ، عن سلمان ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . فقوله : لا يغتسل رجل يوم الجمعة يؤخذ منه اختصاص الغسل بالرجال ، كما هو قول أحمد ، ويأتي ذكره فيما بعد - إن شاء الله تعالى .
وقوله : ويتطهر ما استطاع من طهر ، الظاهر : أنه أراد به المبالغة في التنظف ، وإزالة الوسخ ، وربما دخل فيه تقليم الأظفار ، وإزالة الشعر من قص الشعر وحلق العانة ونتف الإبط ؛ فإن ذلك كله طهارة . ويدل عليه : ما خرجه البزار من حديث أبي الدرداء ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : الطهارات أربع : قص الشارب ، وحلق العانة ، وتقليم الأظفار ، والسواك . وفي إسناده : معاوية بن يحيى ، قال البزار : ليس بالقوي ، وقد حدث عنه أهل العلم ، واحتملوا حديثه .
وخرج الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن حبان في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : أمرت بيوم الأضحى عيدا جعله الله لهذه الأمة . فقال رجل : أرأيت إن لم أجد إلا منيحة أنثى ، أفأضحي بها ؟ قال : لا ، ولكن تأخذ من شعرك ، وتقلم أظفارك ، وتقص شاربك ، وتحلق عانتك ، فذلك من تمام أضحيتك عند الله عز وجل . وهذا يشعر باستحباب هذه الطهارات في الأعياد كلها ، وأنها من تمام النسك المشروع فيها ، والجمعة من جملة الأعياد ، وهي عيد الأسبوع ، كما أن عيد الفطر والأضحى عيد العام .
وقوله : ويدهن من دهنه ، أو يمس من طيب بيته ، ظاهره : التخيير بين الأمرين ، إما الادهان ، أو التطيب ، وأن أحدهما كاف . وقوله : من طيب بيته يشير إلى أنه ليس عليه أن يطلب ما لا يجده ، بل يجتزئ بما وجده في بيته . والادهان : هو دهن شعر الرأس واللحية مع تسريحه ، وهو الترجل ، وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعله .
وفي صحيح مسلم ، عن جابر بن سمرة ، قال : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - قد شمط مقدم رأسه ولحيته فكان إذا ادهن لم يتبين ، وإذا شعث رأسه تبين ، وكان كثير شعر الرأس واللحية صلى الله عليه وسلم . وقد كان النبي - صلى الله عليه وسلم - يستعمل الطيب في شعره . وقد خرج البخاري في كتابه هذا من حديث ربيعة ، قال : رأيت شعرا من شعره - يعني : النبي - صلى الله عليه وسلم - أحمر ، فسألت عنه ، فقيل لي : احمرَّ من الطيب .
وخرج البزار في مسنده من حديث ابن عقيل ، عن أنس ، أن عمر بن عبد العزيز سأله عن خضاب النبي - صلى الله عليه وسلم - وقال له : إني رأيت شعرا من شعره قد لون ؟ فقال : إنما هذا الذي لون من الطيب الذي كان يطيب شعر رسول الله صلى الله عليه وسلم . وقوله : ثم يخرج يشير إلى أنه يفعل ذلك كله في بيته قبل خروجه ، ثم بعد ذلك يخرج إلى المسجد . وقوله : فلا يفرق بين اثنين ، ثم يصلي ما كتب له ، ثم ينصت إذا تكلم الإمام يأتي الكلام على هذه الثلاثة فيما بعد - إن شاء الله تعالى .
وقوله : إلا غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى . المراد بذلك : الصغائر ؛ بدليل ما خرجه مسلم من حديث أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : الصلوات الخمس ، والجمعة إلى الجمعة ، ورمضان إلى رمضان ، مكفرات لما بينهن ، ما اجتنبت الكبائر . وفي حديث عمارة بن عمرو بن حزم ، عن سلمان : وزيادة ثلاثة أيام .
وخرج مسلم من حديث أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال : من اغتسل ، ثم أتى الجمعة ، فصلى ما قدر له ، ثم أنصت حتى يفرغ الإمام من خطبته ، فصلى معه ، غفر له ما بينه وبين الجمعة الأخرى ، وفضل ثلاثة أيام . وخرجه أبو داود من وجه آخر ، عن أبي هريرة ، وجعل ذكر الثلاثة من قول أبي هريرة ، قال : وكان أبو هريرة يقول : وثلاثة أيام زيادة ؛ إن الله جعل الحسنة بعشر أمثالها .