باب قول الله عز وجل فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض
باب قول الله عز وجل : فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ الآية 938 - حدثنا سعيد بن أبي مريم ، ثنا أبو غسان ، حدثني أبو حازم ، عن سهل بن سعد ، قال : كانت فينا امرأة تجعل على أربعاء في مزرعة لها سلقا ، فكانت إذا كان يوم الجمعة تنزع أصول السلق ، فتجعله في قدر ، ثم تجعل عليه قبضة من شعير تطحنها ، فتكون أصول السلق عرقه ، وكنا ننصرف من صلاة الجمعة فنسلم عليها ، فتقرب ذلك الطعام إلينا ، فنلعقه ، فكنا نتمنى يوم الجمعة لطعامها ذلك . 939 - حدثنا عبد الله بن مسلمة ، نا ابن أبي حازم ، عن أبيه ، عن سهل بن سعد - بهذا ، وقال : ما كنا نقيل ولا نتغدى إلا بعد الجمعة . المقصود من هذا الحديث هاهنا : أن الصحابة لم يكونوا يجلسون بعد صلاة الجمعة في المسجد إلى العصر لانتظار الصلاة - كما ورد في الحديث المرفوع أنه يعدل [عمرة] وقد خرجه البيهقي بإسناد ضعيف ، وقد سبق ذكره - وإنما كانوا يخرجون من المسجد ينتشرون في الأرض ، فمنهم من كان ينصرف لتجارة ، ومنهم من كان يزور أصحابه وإخوانه ، وكانوا يجتمعون على ضيافة هذه المرأة .
وقد ذهب بعضهم إلى [أن] الأمر بالانتشار بعد الصلاة للاستحباب ، كان عراك بن مالك إذا خرج من المسجد يوم الجمعة [قال] : اللهم ، أجبت دعوتك ، وقضيت فريضتك ، وانتشرت كما أمرتني ، فارزقني من فضلك ، وأنت خير الرازقين . خرجه ابن أبي حاتم وغيره . وهذا يدل على أنه رأى قوله تعالى : فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ أمرا على ظاهره .
وخرج - أيضا - بإسناده ، عن عمران بن قيس ، قال : من باع واشترى يوم الجمعة بارك الله له سبعين مرة . قال بعض رواته : وذلك بعد صلاة الجمعة ؛ لهذه الآية . وذهب الأكثرون إلى أنه ليس بأمر حقيقة ، وإنما هو إذن وإباحة ، حيث كان بعد النهي عن البيع ، فهو إطلاق من محظور ، فيفيد الإباحة خاصة .
وكذا قال عطاء ومجاهد والضحاك ومقاتل بن حيان وابن زيد وغيرهم . وروى أبو بكر عبد العزيز بن جعفر في كتاب الشافي بإسناد لا يصح ، عن أنس - مرفوعا - في قوله تعالى : فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ قال : ليس بطلب دنيا ، ولكن عيادة مريض ، وتشييع جنازة ، وزيارة أخ في الله . وفي حديث سهل : دليل على زيارة الرجال للمرأة ، وإجابتهم لدعوتها ، وعلى استحباب الضيافة يوم الجمعة خصوصا لفقراء المسلمين ، فإطعام الفقراء فيه حسن مرغب فيه .
وفيه : أن فرح الفقير بوجود ما يأكل وتمنيه لذلك غير قادح في فقره ، ولا مناف لصبره ، بل ولا لرضاه . وفي الحديث ألفاظ تستغرب : فـ الأربعاء : جداول الماء في الأرض ، واحدها : ربيع . وقوله : فيكون أصول السلق عرقه - وفي رواية : عراقه - وهو بالعين المهملة والقاف ، والعرق والعراق : اللحم .
والمعنى : أن أصول السلق تصير في هذا الطعام كاللحم لما يطبخ باللحم من الأطعمة . ورواه بعضهم : غرفه - بالغين المعجمة والفاء - وفسر بـ المرقة ؛ فإنها تغرف باليد . وهذا بعيد ؛ فإن أصول السلق لا تصير بغرف .
وقوله : فنلعقه أي : نلحسه ، وهذا يدل على أنه كان قد ثخن . وقيل : الفرق بين اللحس واللعق : أن اللحس يختص بالأصبع ، واللعق يكون بالأصبع وبآلة يلعق بها كالملعقة .