باب التبكير إلى العيد
باب التبكير إلى العيد وقال عبد الله بن بسر : إن كنا قد فرغنا في هذه الساعة ، وذلك حين التسبيح . 968 - حدثنا سليمان بن حرب : نا شعبة ، عن زبيد ، عن الشعبي ، عن البراء ، قال : خطبنا النبي - صلى الله عليه وسلم - يوم النحر ، فقال : إن أول ما نبدأ به في يومنا هذا أن نصلي ، ثم نرجع فننحر . ثم ذكر بقية الحديث - يعني حديث آدم ، عن شعبة - وقد سبق قريبًا ، إلا أنه قال : اجعلها مكانها - أو قال - : اذبحها ، ولن تجزي جذعة عن أحد بعدك .
وجه الاستدلال بحديث البراء على التبكير بصلاة العيد : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أخبر أن أول ما يبدأ به في يوم النحر الصَّلاة ، ثُمَّ النحر بعد رجوعه ، والمراد باليوم هاهنا : ما بعد طلوع الشمس ، فإنه لا يجوز صلاة العيد قبل ذَلِكَ بالاتفاق . وهذا مما يرد قول من قال من أصحابنا بجواز صلاة الجمعة قبل طلوع الشمس . وقد يستدل به من يرى أن صلاة العيد تجوز قبل زوال وقت النهي .
ويجاب عنه بأن ذكره أول ما يبدأ به في وقت متسع ، لا يلزم منه أن يكون فعله له في أول ذلك الوقت . وقال الشافعي : أنا الثقة ، أن الحسن كان يقول : إن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يغدو إلى الأضحى والفطر حين تطلع الشمس ، فيتتام طلوعها . وأما حديث عبد الله بن بسر الذي ذكره تعليقًا : فخرجه الإمام أحمد وأبو داود وابن ماجه من حديث يزيد بن خمير الرحبي ، قال : خرج عبد الله بن بسر - صاحب النبي - صلى الله عليه وسلم مع الناس في يوم عيد فطر - أو أضحى - فأنكر إبطاء الإمام ، وقال : أنا كنا قد فرغنا ساعتنا هذه ، وذلك حين التسبيح .
والمراد بصلاة التسبيح : صلاة الضحى . والمراد بحينها : وقتها المختار ، وهو إذا اشتد الحر . فهذا التأخير هو الذي أنكره عبد الله بن بسر ، ولم ينكر تأخيرها إلى أن يزول وقت النهي ؛ فإن ذَلِكَ هوَ الأفضل بالاتفاق ، فكيف ينكره .
وقد اختلف في أول وقت صلاة العيد : فقال أبو حنيفة وأحمد : أول وقتها إذا ارتفعت الشمس ، وزال وقت النهي . وهو أحد الوجهين للشافعية . والثاني - لهم - : أول وقتها إذا طلعت الشمس ، وإن لم يزل وقت النهي .
وهو قول مالك . ويتخرج لأصحابنا مثله ، على قولهم : إن ذوات الأسباب كلها تفعل في أوقات النهي . وقد خرجه بعضهم في صلاة الاستسقاء ، وصلاة العيد مثلها .
وعمل السلف يدل على الأول ؛ فإنه قد روي عن ابن عمر ورافع بن خديج وجماعة من التابعين ، أنهم كانوا لا يخرجون إلى العيد حتَّى تطلع الشمس ، وكان بعضهم يصلي الضحى في المسجد قبل أن يخرج إلى العيد . وهذا يدل على أن صلاتها إنما كانت تفعل بعد زوال وقت النهي . واختلفوا : هل يستحب إقامة العيدين في وقت واحد بالسوية ، أو يعجل أحدهما عن آخر ؟ على قولين .
أحدهما : أنهما يصليان بالسوية ، وهو قول مالك . وقال ربيعة : إذا طلعت الشمس فالتعجيل بهما - يعني : الفطر والأضحى - أحسن من التأخير . قال الزهري : كانوا يؤخرون العيدين حتى يرتفع النهار جدًا .
وروي عن عمر بن عبد العزيز ، أنه كان يبكر بالخروج إلى الصلاة ؛ كيلا يصلي أحد قبلها . خرجه كله جعفر الفريابي في كتاب العيدين . والثاني : يستحب أن يؤخر صلاة الفطر ، وتقدم الأضحى ، وهو قول أبي حنيفة والشافعي وأحمد .
وفي حديث مرسل ، خرجه الشافعي ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كتب إلى عمرو بن حزم - وهو بنجران - أن عجل الأضحى ، وأخر الفطر . وفي إسناده : إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى ، وهو ضعيف جدًا . والمعنى في ذلك : أنه بتأخير صلاة عيد الفطر يتسع وقت إخراج الفطرة المستحب إخراجها فيه ، وبتعجيل صلاة الأضحى يتسع وقت التضحية ، ولا يشق على الناس أن يمسكوا عن الأكل حتَّى يأكلوا من ضحاياهم .
وقد تقدم في حديث ابن عباس المخرج في المسند : وكانوا لا يخرجون حتى يمتد الضحى ، فيقولون : نطعم حتى لا نعجل عن صلاتنا . وأظنه من قول عطاء . ويكون تعجيل صلاة الأضحى بمقدار وصول الناس من المزدلفة إلى منى ورميهم وذبحهم - نص عليه أحمد في رواية حنبل - ؛ ليكون أهل الأمصار تبعًا للحاج في ذَلِكَ ؛ فإن رمي الحاج الجمرة بمنزلة صلاة العيد لأهل الأمصار .
وأما آخر وقت صلاة العيد فهو : زوال الشمس . قال عطاء : كل عيد في صدر النهار . وقال مجاهد : كانوا يعدون العيد في صدر النهار .
وقال مجاهد : كل عيد للمسلمين فهو قبل نصف النهار . وقال أحمد : لا يكون الخروج للعيدين إلا قبل الزوال . وأما إن لم يعلم بالعيد إلا في أثناء النهار ، فإن علم به قبل زوال الشمس خرجوا من وقتهم ، وصلوا صلاة العيد .
وإن شهدوا بعد الزوال في أثناء النهار ، فقال أكثر العلماء : يخرجون من الغد للصلاة ، وهو قول عمر بن عبد العزيز والثوري وأبي حنيفة والأوزاعي والليث وإسحاق وأحمد وابن المنذر . واستدلوا بما روى أبو عمير بن أنس ، قال : حدثني عمومة لي من الأنصار من أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - قالوا : غم علينا هلال شوال ، فأصبحنا صيامًا ، فجاء ركب من آخر النهار ، فشهدوا عند رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أنهم رأوا الهلال بالأمس ، فأمر الناس أن يفطروا من يومهم ، وأن يخرجوا لعيدهم من الغد . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي وابن ماجه .
وصححه إسحاق بن راهويه والخطابي والبيهقي . واحتج به أحمد . وتوقف فيه الشافعي ، وقال : لو ثبت قلنا به .
وقالت طائفة : تسقط ولا تصلى بعد ذلك ، كما لا تقضى الجمعة إذا فاتت ، وهو قول مالك وأبي ثور والشافعي - في قول له . والقول المشهور ، عنه : أنه إن أمكن جمع الناس في بقية يومهم لصغر البلد خرجوا ، وصلوا في بقية اليوم ، وإلا أخروه إلى الغد . وبنى ذلك أصحابه على أن التأخير إلى الغد قضاء ، أو أداء .
فإن قيل : إنه أداء ، لم تصل بعد الزوال ؛ لأن وقت أدائها قد فات . وإن قيل : إنَّهُ قضاء - وهو أصح عندهم - قضيت في بقية النهار ، إذا أمكن جمع الناس فيهِ . وهو أفضل - عندهم - من تأخيرها إلى الغد ، في أصح الوجهين عندهم .
ولا خلاف عندهم ، أنه إذا لم يعلم بالعيد إلا في الليلة الثانية ، أنه يصلى من الغد . قالوا : ويكون أداء ، بغير خلاف . واتفقوا على أن هذه الشهادة لا تقبل بالنسبة إلى صلاة العيد ، بل تصلى من الغد أداء بغير خلاف .
قال في شرح المهذب : قال أصحابنا : ليس يوم الفطر أول شوال مطلقًا وإنما هو اليوم الذي يفطر فيه الناس ؛ بدليل حديث : فطركم يوم تفطرون وكذلك يوم النحر ، وكذلك يوم عرفة هوَ اليوم الذي يظهر للناس ، أنه يوم عرفة ، سواء كانَ التاسع أو العاشر . وقال الشافعي في الأم عقب هذا الحديث : فبهذا نأخذ . قالَ : وإنما كلف العباد الظاهر ، ولم يظهر الفطر إلا يوم أفطروا .
انتهى . وقال أصحاب أبي حنيفة - فيمن شهد بيوم عرفة بعرفة ، على وجه لا يتمكن الناس فيه من تلافي الوقوف ، على تقدير صحة شهادتهم في ذلك العام - : إن شهادتهم غير مقبولة ؛ لما يؤدى إليه قبولها من إيقاع الناس في الفتنة ، بتفويت حجهم . ذكره صاحب الكافي - منهم .