حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب

باب ليجعل آخر صلاته وترًا

باب ليجعل آخر صلاته وترًا 998 - حدثنا مسدد ، نا يحيى بن سعيد ، عن عبيد الله ، حدثني نافع ، عن عبد الله بن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا . وخرّجه مسلم . وخرّج - أيضا - من حديث الأسود ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي من الليل حتى يكون آخر صلاته الوتر .

وخرّجه أبو داود مطولًا . جعل الوتر آخر صلاة الليل يستفاد منه فوائد عديدة . فمنها : تأخير الوتر إلى آخر الليل ؛ فإن صلاة وسط الليل وآخر الليل أفضل من صلاة أوله ، فتأخير الوتر يتسع به وقت الصَّلاة في وسط الليل وآخره .

ومنها : أنه لا ينبغي التنفل في الليل بوتر غير الوتر الذي يقطع عليه صلاة الليل ، كما لا ينبغي التنفل في النهار بوتر أيضا ، حتى تكون صلاة المغرب وتره . فروى الإمام أحمد : ثنا يزيد بن هارون ، أنا هشام ، عن محمد ، هو : ابن سيرين ، عن ابن عمر ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قالَ : صلاة المغرب وتر النهار ، فأوتروا صلاة الليل . قال الدارقطني : رواه أيوب ، عن نافع وابن سيرين ، عن ابن عمر ، موقوفًا ، ورواه مالك ، عن عبد الله بن دينار ، عن ابن عمر ، موقوفًا .

ورفعه بعضهم عن مالك . وهذا قد يستدل به على جواز الوتر بعد طلوع الفجر ، ويكون إيتارًا لصلاة الليل ، وإن كان بعد خروج الليل ، كما يوتر صلاة النهار بالمغرب ، وإنما يفعل بعد خروج النهار . فهذا يدل على أن لا وتر لصلاة النهار غير صلاة المغرب ، ولا وتر لصلاة الليل غير الوتر المأمور به ، فمن تطوع في ليل أو نهار بوتر غير ذلك ، فقد زال إيتاره لصلاته ، وصارت صلاته شفعًا .

وفي صحة التطوع بشفع في الليل والنهار عن أحمد روايتان ، والصحة قول الشافعي ، وعدم الصحة قول أبي حنيفة ، وقد ذكرنا ما يستدل به للمنع . واستدل الشافعي ومن وافقه بأن عمر دخل المسجد ، فصلى ركعة ، ثم قال : هو تطوع ، فمن شاء زاد ، ومن شاء نقص . وقد يعارض ذلك بالحديث المرفوع والموقوف : صلاة الليل والنهار مثنى مثنى .

واستدلوا - أيضا - بأن جماعة نقضوا وترهم بركعة . وهذا استدلال مردود ؛ لوجهين : أحدهما : أنه قد أنكره عليهم غيرهم من الصحابة . والثاني : أنهم إنما نقضوه لتصير صلاتهم شفعًا ، ثم يوترون .

ومن تطوع بركعة في الليل ، من غير نقض ، ثم أوتر ، لم يبق لوتره فائدة ؛ فإنه صار وتره شفعًا . ونحن نذكر هاهنا مسألة نقض الوتر : وهي : إذا أوتر الإنسان من الليل ، ثم أراد أن يصلي : فقال كثير من الصحابة : يصلي ركعة واحدة فيصير بها وتره الماضي شفعًا ، ثم يصلي ما أراد ، ثم يوتر في آخر صلاته . وهؤلاء أخذوا بقوله : اجعلوا آخر صلاتكم وترًا ، ولهذا روى ابن عمر هذا الحديث ، وهو كان ينقض وتره ، فدل على أنه فهمه منه .

وروي عن أسامة بن زيد وغير واحد من الصحابة ، حتى قال أحمد : وروي ذلك عن اثني عشر رجلًا من الصحابة . وممن روي ذلك عنه ، منهم : عمر وعثمان وعلي وسعد وابن مسعود وابن عباس - في رواية - ، وهو قول عمرو بن ميمون وابن سيرين وعروة ومكحول . وأحمد في رواية اختارها أبو بكر وغيره .

قال ابن أبي موسى : هي الأظهر عنه . وقول إسحاق ، قال إسحاق : وإن لم يفعل ذلك لم يكن قد عمل بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا . وهو أيضا وجه للشافعية .

ورد بعضهم هذا القول بقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : لا وتران في ليلة . خرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي والترمذي وابن حبان في صحيحه ، عن قيس بن طلق ، عن أبيه ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . وحسنه الترمذي .

وقالوا : هذا يؤدي إلى ثلاثة أوتار ، فيكون منهيا عنه . وقال الأكثرون : لا ينقض وتره ، بل يصلي مثنى مثنى . وهو قول ابن عباس - في المشهور عنه - وأبي هريرة وعائشة وعمار وعائذ بن عمرو وطلق بن علي ورافع بن خديج .

وروي عن سعد . ورواه ابن المسيب ، عن أبي بكر الصديق . وفي رواية عنه : أن الصديق ذكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم ، فأقره عليه ، ولم ينكره .

خرجه حرب الكرماني . ورواه خلاس ، عن عثمان ، ولم يسمع منه . وهو قول علقمة وطاوس وسعيد بن جبير وأبي مجلز والشعبي والنخعي والأوزاعي والثوري ومالك وابن المبارك والشافعي وأحمد في رواية عنه ، وصححها بعض أصحابنا .

واستدلوا بحديث : لا وتران في ليلة ، وقد تقدم ، وبقول النبي - صلى الله عليه وسلم - : إذا قام أحدكم من الليل يصلي ، فليفتتح صلاته بركعتين خفيفتين . خرجه مسلم من حديث أبي هريرة . وهو عام فيمن كان أوتر قبل ذلك ، ومن لم يوتر .

واستدلوا - أيضا - بأن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي ركعتين بعد وتره ، وسنذكره إن شاء الله سبحانه وتعالى . وبأن النقض يفضي إلى التطوع بالأوتار المعددة ، وهو مكروه أو محظور . وقد روي عن عائشة ، أنها قالت : ذاك يلعب بوتره .

قال أحمد : كرهته عائشة ، وأنا أكرهه . وعن أحمد : أنه مخير بين الأمرين ؛ لأنهما جميعًا مرويان عن الصحابة . وقد روي عن علي ، أنه خير بين الأمرين .

خرجه الشافعي بإسناد عنه ، فيه ضعيف . وخرج الطبراني : نا مقدام بن داود ، نا عبد الله بن يوسف ، نا ابن لهيعة ، عن عياش بن عباس القتباني ، عن عروة ، عن عائشة ، قالت : كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يصلي العتمة ، ثم يصلي في المسجد قبل أن يرجع إلى بيته سبع ركعات ، يسلم في الأربع في كل ثنتين ، ويوتر بثلاث ، يتشهد في الأوليين من الوتر تشهده في التسليم ، ويوتر بالمعوذات ، فإذا رجع إلى بيته صلى ركعتين ويرقد ، فإذا انتبه من نومه صلى ركعتين ، وذكرت الحديث ، ولم تذكر أنه أوتر في آخر الليل . وهو غريب جدًا ومنكر مخالف جميع الروايات الصحيحة عن عائشة .

ومقدام بن داود من فقهاء مصر ، ولم يكن في الحديث محمودًا . قالَ ابن يونس : تكلموا فيهِ ، وقال النسائي : ليس بثقة . ويتصل بهذا : الكلام على حكم الصلاة بعد الوتر : وقد كرهه طائفة من السلف ، ومستندهم : قول النبي - صلى الله عليه وسلم - : اجعلوا آخر صلاتكم بالليل وترًا ، وما أشبهه .

وروى عطية العوفي ، عن أبي سعيد الخدري ، أنه كره الصلاة بعد الوتر ، وكان أبو مجلز لا يصلي بعد الوتر إلا ركعتين . وقال قيس بن عباد : إذا أوترت ثم قمت فاقرأ وأنت جالس . وظاهر هذا : أنه يقرأ من غير صلاة .

وأما الأكثرون ، فلم يكرهوا الصلاة بعد الوتر ، ولكن اختلفوا في نقضه ، كما سبق . ومذهب مالك : إذا أوتر في المسجد ، ثم أراد أن يتنفل بعده تربص قليلا ، وإن انصرف بعد وتره إلى بيته تنفل ما أحب . نقله في تهذيب المدونة .

واستحب أحمد أن يكون بين وتره وبين صلاته بعد الوتر فصل . قال حرب : قلت لأحمد : الرجل يوتر ، ثم يصلي بعد ذلك ؟ قالَ : لا بأس به ، يصلي مثنى مثنى ، قالَ : وأحب أن يكون بينهما ضجعة أو نوم أو عمل أو شيء ، قلت : ضجعة من غير نوم ؟ فما أدري ما قالَ . وروى المروذي ، عن أحمد ، في الرجل يصلي شهر رمضان ، يقوم فيوتر بهم ، وهو يريد يصلي بقوم آخرين : يشتغل بينهما بشيء ، يأكل أو يشرب أو يجلس .

قال أبو حفص البرمكي : وذلك لأنه يكره أن يوصل بوتره صلاة ، ويشتغل بينهما بشيء ؛ ليكون فصلا بين وتره وبين الصَّلاة الثانية ، وهذا إذا كانَ يصلي بهم في موضعه ، فأما إن كانَ في موضع آخر ، فذهابه فصل ، ولا يعيد الوتر ثانية ؛ لأنه لا وتران في ليلة . انتهى . والمنصوص عن أحمد خلاف ذلك : قال - في رواية صالح - في رجل أوتر مع الإمام ، ثم دخل بيته : يعجبني أن يكون بعد ضجعة أو حديث طويل .

واختلفت الرواية عن أحمد في التعقيب في رمضان ، وهو : أن يقوموا في جماعة في المسجد ، ثم يخرجون منه ، ثم يعودون إليه فيصلون جماعة في آخر الليل . وبهذا فسره أبو بكر عبد العزيز بن جعفر وغيره من أصحابنا ، فنقل المروذي وغيره ، عنه : لا بأس به ، وقد روي عن أنس فيه . ونقل عنه ابن الحكم ، قالَ : أكرهه ، أنس يروى عنه أنه كرهه ، ويروى عن أبي مجلز وغيره أنهم كرهوه ، ولكن يؤخرون القيام إلى آخر الليل ، كما قال عمر .

قال أبو بكر عبد العزيز : قول محمد بن الحكم قول له قديم ، والعمل على ما روى الجماعة ، أنه لا بأس به . انتهى . وقال الثوري : التعقيب محدث .

ومن أصحابنا من جزم بكراهته ، إلا أن يكون بعد رقدة ، أو يؤخره إلى بعد نصف الليل ، وشرطوا : أن يكون قد أوتروا جماعة في قيامهم الأول ، وهذا قول ابن حامد والقاضي وأصحابه . ولم يشترط أحمد ذلك . وأكثر الفقهاء على أنه لا يكره بحالٍ .

وكره الحسن أن يأمر الإمام الناس بالتعقيب ؛ لما فيهِ من المشقة عليهم ، وقال : من كانَ فيهِ قوة فليجعلها على نفسه ، ولا يجعلها على الناس . وهذه الكراهة لمعنى آخر غير الصلاة بعد الوتر . ونقل ابن منصور ، عن إسحاق بن راهويه ، أنه إن أتم الإمام التراويح في أول الليل كره له أن يصلي بهم في آخره جماعة أخرى ؛ لما روي عن أنس وسعيد بن جبير من كراهته ، وإن لم يتم بهم في أول الليل وأخر تمامها إلى آخر الليل لم يكره .

فأما صلاة ركعتين بعد الوتر ، فقد رويت عن النبي - صلى الله عليه وسلم - من وجوه متعددة ، ولم يخرج البخاري منها شيئًا . لكنه خرج من حديث عراك ، عن أبي سلمة ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ يصلي بعد العشاء ثمان ركعات ، وركعتين جالسًا ، وركعتين بين النداءين . ولم تذكر الوتر في هذه الرواية ، ولا بد منه .

والظاهر : أن الركعتين اللتين صلاهما جالسا كانتا بعد وتره ، ويحتمل أن يكون قبله . فقد خرج مسلم من حديث يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - : كان يصلي ثلاث عشرة ركعة ، يصلي ثمان ركعات ، ثم يوتر ، ثم يصلي ركعتين وهو جالس ، فإذا أراد أن يركع قام فركع ، ثم يصلي ركعتين بين النداء والإقامة من صلاة الصبح . وخرج - أيضا - من رواية زرارة بن أوفى ، عن سعد بن هشام ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يوتر بتسع ركعات - وذكرت صفتها - ، ثم يصلي ركعتين بعدما يسلم وهو قاعد ، فلما أسن وأخذه اللحم أوتر بسبع ، صنع في الركعتين مثل صنيعه الأول .

وفي رواية لأبي داود في هذا الحديث : كان يصلي ثمان ركعات ، لا يسلم إلا في آخرهن ، ثم يصلي ركعتين وهو جالس بعدما يسلم ، ثم يصلي ركعة . فعلى هذه الرواية : تكون صلاته ركعتين جالسا قبل الوتر ، لا بعده . وخرج أبو داود - أيضا - من رواية بهز بن حكيم ، عن زرارة ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يوتر بتسع ، يسلم في التاسعة تسليمة شديدة ، ثم يقرأ وهو قاعد بأم الكتاب ، ويركع وهو قاعد ، ثم يقرأ في الثانية ، فيركع ويسجد وهو قاعد ، ثم يدعو ما شاء الله أن يدعو ، ثم يسلم .

وهذه الرواية تخالف رواية أبي سلمة ، عن عائشة ، أنه كان إذا أراد أن يركع قام . وخرج أبو داود من رواية علقمة بن وقاص ، عن عائشة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يوتر بتسع ركعات ، ثم أوتر بسبع ركعات ، وركع ركعتين وهو جالس بعد الوتر ، فقرأ فيهما ، فإذا أراد أن يركع قام فركع ثم سجد . وخرجه مسلم ، ولفظه : عن علقمة ، قال : قلت لعائشة : كيف كان يصنع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الركعتين وهو جالس ؟ قالت : يقرأ فيهما ، فإذا أراد أن يركع قام فركع .

وقد روي عن عائشة من وجوه أخر . وخرج النسائي من حديث شعبة ، عن الحاكم : سمعت سعيد بن جبير يحدث ، عن ابن عباس ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - صلى من الليل خمس ركعات ، ثم ركعتين ، ثم نام ، ثم صلى ركعتين ، ثم خرج إلى الصَّلاة . وخرج الإمام أحمد وابن ماجه من حديث ميمون المرئي ، عن الحسن ، عن أمه ، عن أم سلمة ، أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يصلي بعد الوتر ركعتين خفيفتين وهو جالس .

وخرجه الترمذي إلى قوله : ركعتين . وذكر العقيلي أن ميمونًا تفرد برفعه ، وغيره يرويه موقوفا على أم سلمة . وفيه - أيضا - عن أبي أمامة وأنس وثوبان وغيرهم .

واختلف العلماء في الركعتين بعد الوتر ؟ فمنهم من استحبها وأمر بها ، منهم : كثير بن ضمرة وخالد بن معدان . وفعلها الحسن جالسًا . وتقدم عن أبي مجلز أنه كان يفعلها .

ومن أصحابنا من قال : هي من السنن الرواتب . وفي حديث سعد بن هشام ما يدل على مواظبة النبي - صلى الله عليه وسلم - عليهما . ومن هؤلاء من قال : الركعتان بعد الوتر سنة له ، كسنة المغرب بعدها ، ولم يخرج بذلك المغرب عن أن يكون وترًا لها .

ومن العلماء من رخص فيهما ، ولم يكرههما ، هذا قول الأوزاعي وأحمد . وقال : أرجو إن فعله أن لا يضيق ، ولكن يكون ذلك وهو جالس ، كما جاء في الحديث ، قيل له : تفعله أنت ؟ قالَ : لا . وقال ابن المنذر : لا يكره ذَلِكَ .

ومن هؤلاء من قال : إنما فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ذلك أحيانا لبيان الجواز فقط . وحكي عن طائفة كراهة ذلك ، منهم قيس بن عبادة ومالك والشافعي . فأما مالك ، فلم يعرف هاتين الركعتين بعد الوتر ، ذكره عنه ابن المنذر .

وأما الشافعي ، فحكي عنه أنه قال : أمر النبي - صلى الله عليه وسلم - أن نجعل آخر صلاتنا بالليل وترًا ، فنحن نتبع أمره ، وأما فعله فقد يكون مختصا به . وأشار البيهقي إلى أن هاتين الركعتين تركهما النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد فعلهما ، وانتهى أمره إلى أن جعل آخر صلاته بالليل وترًا . وهذا إشارة إلى نسخهما ، وفيه نظر .

وإذا كان مذهب الشافعي أنه لا تكره الصلاة بعد الوتر بكل حال ، فكيف تكره هاتان الركعتان بخصوصهما ، مع ورود الأحاديث الكثيرة الصحيحة بها ؟ وقد ذكر بعض الناس : أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كانَ يصلي ركعتين بعد وتره جالسًا ، لما كانَ يوتر من الليل ويجعل الركعتين جالسا كركعة قائمًا ، فيكون كالشفع لوتره ، حتَّى إذا قام ليصلي من آخر الليل لم يحتج إلى نقضه بعد ذَلِكَ . وربما استأنسوا لذلك بحديث ثوبان : كنا مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر ، فقال : إن هذا السفر جهد وثقل ، فإذا أوتر أحدكم فليركع ركعتين ، فإن استيقظ ، وإلا كانتا له . خرجه ابن حبان في صحيحه .

وهذا القول مردود ؛ لوجهين : أحدهما : أن حديث عائشة يدل - لمن تأمله - على أن هذا كانَ النبي - صلى الله عليه وسلم - يفعله في وتره من آخر الليل ، لا من أوله ، وكذلك حديث ابن عباس . وثانيهما : أن صلاته جالسًا لم تكن كصلاة غيره من أمته على نصف صلاة القائم . يدل عليه : ما خرجه مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بن عمرو ، قال : أتيت النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فوجدته يصلي جالسًا ، فقلت : حُدّثتُ يا رسول الله أنك قلت : صلاة الرجل قاعدًا على نصف الصلاة ، وأنت تصلي قاعدًا ؟ قالَ : أجل ؛ ولكني لست كأحد منكم .

وأما حديث ثوبان ، فتأوله بعضهم على أن المراد : إذا أراد أن يوتر فليركع ركعتين . وكأنه يريد أنه لا يقتصر في وتره في السفر على ركعة واحدة ، بل يركع قبلها ركعتين ، فيحصل له بهما نصيب من صلاة الليل ، فإن لم يستيقظ من آخر الليل كان قد أخذ بحظ من الصلاة ، وإن استيقظ صلى ما كتب له ، وهذا متوجه . والله سبحانه وتعالى أعلم .

وروي عن النبي - صلى الله عليه وسلم - أنه كان يصلي في السفر صلاته من الليل قبل أن ينام . ففي المسند من حديث شرحبيل بن سعد ، عن جابر ، أنه كان مع النبي - صلى الله عليه وسلم - في سفر ، فصلى العتمة ، وجابر إلى جنبه ، ثم صلى بعدها ثلاث عشرة سجدة . وشرحبيل مختلف فيه .

ورد في أحاديث10 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث