حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب

باب ما ينهى عنه من الكلام في الصلاة

ثنا إبراهيم بن موسى ، ثنا عيسى - هو : ابن يونس - ، ثنا إسماعيل - هو : ابن أبي خالد - ، عن الحارث بن شبيل ، عن أبي عمرو الشيباني ، قال : قال لي زيد بن أرقم : إن كنا لنتكلم في الصلاة على عهد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، فيكلم أحدنا صاحبه بحاجته ، حتى نزلت : حَافِظُوا عَلَى الصَّلَوَاتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطَى فأمرنا بالسكوت . وخرجه مسلم ، وزاد فيه : ونهينا عن الكلام ، وليس عنده : ذكر عهد النبي - صلى الله عليه وسلم - . وخرجه النسائي ، وعنده : فأمرنا حينئذ بالسكوت .

وخرجه الترمذي ، ولفظه : كنا نتكلم خلف رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في الصلاة ، فيكلم الرجل منا صاحبه إلى جنبه ، حتى نزلت وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ قال : فأمرنا بالسكوت ، ونهينا عن الكلام . وهذه الرواية صريحة برفع آخره . واختلف الناس في تحريم الكلام في الصَّلاة : هل كان بمكة ، أو بالمدينة ؟ فقالت طائفة : كانَ بمكة .

واستدلوا بحديث ابن مسعود المتقدم ، وأن النبي - صلى الله عليه وسلم - امتنع من الكلام عند قدومهم عليه من الحبشة ، وإنما قدم ابن مسعود عليه من الحبشة إلى مكة ، ثم هاجر إلى المدينة ، كذا ذكره ابن إسحاق وغيره . ويعضد هذا : أنه روي أن امتناعهم من الكلام كان بنزول قوله : ﴿وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ وهذه الآية مكية . فروى أبو بكر بن عياش ، عن عاصم ، عن المسيب بن رافع ، قال : قال ابن مسعود : كنا يسلم بعضنا على بعض في الصلاة ، فجاء القرآن وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا .

وأخرجه ابن جرير وغيره . وهذا الإسناد منقطع ؛ فإن المسيب لم يلق ابن مسعود . وروى الهجري ، عن أبي عياض ، عن أبي هريرة ، قالَ : كانوا يتكلمون في الصَّلاة ، فلما نزلت هذه الآية وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ والآية الأخرى ، قالَ : فأمرنا بالإنصات .

وخرجه بقي بن مخلد في مسنده . وخرجه غيره ، وعنده : أو الآية الأخرى بالشك . والهجري ليس بالقوي .

ولكن يشكل على أهل هذه المقالة حديث زيد بن أرقم ، الذي خرجه البخاري هاهنا ؛ فإن زيدًا الأنصاري ، لم يصل خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكة ، إنما صلى خلفه بالمدينة ، وقد أخبر أنهم كانوا يتكلمون حتَّى نزلت : وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ وهي مدنية بالاتفاق . وأجاب أبو حاتم ابن حبان - وهو ممن يقول : إن تحريم الكلام كان بمكة - : وأجيب عن هذا بجوابين : أحدهما : أن زيد بن أرقم حكى حال الأنصار وصلاتهم بالمدينة قبل هجرة النبي - صلى الله عليه وسلم - إليهم ، وأنهم كانوا يتكلمون حينئذ في الصلاة ؛ فإن الكلام حينئذ كانَ مباحًا ، وكان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذ ذاك بمكة ، فحكى زيد صلاتهم تلك الأيام ، لا أن نسخ الكلام كانَ بالمدينة . قلت : هذا ضعيف ؛ لوجهين : أحدهما : أن في رواية الترمذي : كنا نتكلم خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - في الصَّلاة ، فدل على أنه حكى حالهم في صلاتهم خلف النبي - صلى الله عليه وسلم - بعد هجرته إلى المدينة .

والثاني : أنه ذكر أنهم لم ينهوا عن الكلام حتى نزلت الآية ، وهي إنما نزلت بعد الهجرة بالاتفاق ، فعلم أن كلامهم استمر في الصلاة بالمدينة ، حتى نزلت هذه الآية . ثم قال ابن حبان : والجواب الثاني : أن زيدا حكى حال الصحابة مطلقا ، من المهاجرين وغيرهم ، ممن كان يصلي مع النبي - صلى الله عليه وسلم - قبل تحريم الكلام في الصلاة ، ولم يرد الأنصار ، ولا أهل المدينة بخصوصهم ، كما يقول القائل : فعلنا كذا ، وإنما فعله بعضهم . قلت : وهذا يرده قوله : حتى نزلت الآية ؛ فإنه يصرح بأن كلامهم استمر إلى حين نزولها ، وهي إنما نزلت بالمدينة .

وأجاب غير ابن حبان بجوابين آخرين : أحدهما : أنه يحتمل أنه كان نهى عن الكلام متقدما ، ثم أذن فيه ، ثم نهى عنه لما نزلت الآية . والثاني : أنه يحتمل أن يكون زيد بن أرقم ومن كان يتكلم في الصلاة لم يبلغهم نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - ، فلما نزلت الآية انتهوا . وكلا الجوابين فيه بعد ، وإنما انتهوا عند نزول الآية ، بأمر النبي - صلى الله عليه وسلم - بالسكوت ، ونهيه عن الكلام ، كما تقدم .

وقال طائفة أخرى : إنما حرم الكلام في الصلاة بالمدينة ؛ لظاهر حديث زيد بن أرقم ، ومنعوا أن يكون ابن مسعود رجع من الحبشة إلى مكة ، وقالوا : إنما رجع من الحبشة إلى المدينة ، قبيل بدر . واستدلوا بما خرجه أبو داود الطيالسي في مسنده من حديث عبد الله بن عتبة ، عن ابن مسعود ، قال : بعثنا النبي - صلى الله عليه وسلم - إلى النجاشي ، ونحن ثمانون رجلا ، ومعنا جعفر بن أبي طالب ، فذكر الحديث في دخولهم على النجاشي ، وفي آخره : فجاء ابن مسعود ، فبادر ، فشهد بدرا . وروى آدم بن أبي إياس في تفسيره : حدثنا أبو معشر ، عن محمد بن كعب ، قال : قدم النبي - صلى الله عليه وسلم - المدينة ، والناس يتكلمون بحوائجهم في الصلاة ، كما يتكلم أهل الكتاب ، فأنزل الله وَقُومُوا لِلَّهِ قَانِتِينَ فسكت القوم عن الكلام .

وهذا مرسل ، وأبو معشر ، هو : نجيح السندي ، يتكلمون فيه . وقد اتفق العلماء على أن الصلاة تبطل بكلام الآدميين فيها عمدا لغير مصلحة الصلاة ، واختلفوا في كلام الناسي والجاهل والعامد لمصلحة الصلاة . فأما كلام الجاهل ، فيأتي ذكره قريبا .

وأما كلام الناسي والعامد لمصلحة ، فيأتي ذكره في أبواب سجود السهو قريبا ، إن شاء الله تعالى .

ورد في أحاديث2 حديثان
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث