حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
فتح الباري شرح صحيح البخاري لابن رجب

باب ما يجوز من البصاق والنفخ في الصلاة

حدثنا محمد ، ثنا غندر ، ثنا شعبة ، قال : سمعت قتادة ، عن أنس ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - ، قال : إذا كان أحدكم في الصلاة ، فإنه يناجي ربه ، فلا يبزقن بين يديه ، ولا عن يمينه ، ولكن عن شماله ، تحت قدمه اليسرى . وقد خرجه - فيما تقدم - عن آدم ، عن شعبة . ومقصوده الاستدلال بإباحة النبي - صلى الله عليه وسلم - البزاق والتنخم في الصلاة ، على أن النفخ ونحوه كالنحنحة لا يبطل الصلاة ؛ لأن للتنخم صوتًا كالتنحنح ، وربما كانَ معه نوع من النفخ عندَ القذف بالنخامة .

وقد سبق أن ابن عبد البر ذكر مثل ذلك . وقد اختلف العلماء في النفخ في الصلاة : هل هو كلام يبطلها إذا تعمده ، أم لا ؟ فقالَ طائفة : هوَ كلام . قال ابن المنذر : كرهه ابن مسعود وابن عباس .

وروي عن ابن عباس وأبي هريرة ، أنه بمنزلة الكلام ، ولا يثبت عنهما . كذا قال ، وليس كما قال ، فقد روى الأعمش والحسن بن عبيد الله أبو عروة النخعي - وهو ثقة خرج له مسلم - كلاهما ، عن أبي الضحى ، عن ابن عباس ، قال : النفخ في الصلاة كلام . وقد خرجه وكيع في كتابه ، والإمام أحمد في رواية ابنه عبد الله ، عنه في مسائله .

وفي رواية له : النفخ في الصلاة يقطع الصلاة . وخرجه الجوزجاني ، وعنده : النفخ في الصلاة أخشى أن يكون كلامًا . وأما المروي عن أبي هريرة ، فمن طريق قيس ، عن أبي حصين ، عن أبي صالح ، عن أبي هريرة ، قال : النفخ في الصلاة كلام .

خرجه عبد الله ابن الإمام أحمد عن أبيه في مسائله . وقيس ، هو ابن الربيع . وروي عن النخعي ، أنه قال : هو كلام .

وروي عنه أيضا قال : إنما كانوا يكرهونه في الصلاة مخافة أن يؤذي الرجل جليسه . وعن سعيد بن جبير ، قال : هو بمنزلة الكلام . وممن رأى أنه بمنزلة الكلام في إبطال الصلاة : أبو حنيفة ومحمد بن الحسن والثوري والشافعي وأصحابه وأحمد - في رواية - وابن القاسم المالكي ، وعن أبي يوسف روايتان : إحداهما : إن أراد به التأفيف فهو كلام .

والثانية : ليس بكلام بكل حال ، وهي التي رجع إليها . وكرهه ابن سيرين ويحيى بن أبي كثير ، من غير إفساد الصلاة به . وهو قول مالك وأحمد - في رواية - وإسحاق وسليمان بن داود الهاشمي وأبي خيثمة .

وقال أحمد - مرة - : أخشى أن يكون قد فسدت صلاته ؛ يروى عن ابن عباس : من نفخ في صلاته فقد تكلم . فحكى أكثر أصحابنا المتقدمين عن أحمد في ذلك روايتين . وأما القاضي أبو يعلى وأصحابه ، فنزلوهما على حالين ، قالوا : إن بان منه حرفان فهو كلام مبطل الصلاة ، وإلا فلا .

ولا يعرف هذا التفصيل عن أحمد ، ولا عن غيره ممن تقدم ، سوى الشافعي وأصحابه ، وهو قول أبي ثور . واستدلوا بأن الكلام عند العرب ما دل على معنى ، وأقله حرفان . ولكن الكلام المقصود يدل على معناه الموضوع له بالوضع ، ودلالة النفخ والتأوه ونحو ذلك إنما هوَ بالطبع لا بالوضع ، فليس في شيء من ذَلِكَ حروف موضوعة للدلالة على معنى خاص .

وقال الحسن : إذا رأيت ما يريبك - يعني في الصَّلاة - فانفخ . وهذا يدل على إباحته للحاجة إليه . وروي - أيضا - مثله عن بعض الصحابة .

وفي الباب : حديث مرفوع ، عن أم سلمة ، اختلف في إسناده ولفظه : فروى عنبسة بن الأزهر ، عن سلمة بن كهيل ، عن كريب ، عن أم سلمة ، قالت : مر النبي - صلى الله عليه وسلم - بغلام لهم وهو يصلي ، فنفخ في سجوده ، فقالَ : لا تنفخ ؛ إن من نفخ فقد تكلم خرجه النسائي ، وهو مما تفرد به عنبسة هذا . وقد قال فيه ابن معين وأبو داود وأبو حاتم : لا بأس به . لكن قال أبو حاتم : يكتب حديثه ولا يحتج به .

وذكره ابن حبان في ثقاته ، وقال : كان يخطئ . وخرج الترمذي من حديث ميمون أبي حمزة ، عن أبي صالح ، عن أم سلمة ، قالت : رأى النبي - صلى الله عليه وسلم - غلاما لنا ، يقال له : أفلح ، إذا سجد نفخ ، فقال له : أفلح ، ترّب وجهك . وقال : إسناده ليس بذاك ، وميمون أبو حمزة ضعفه بعض أهل العلم .

وخرجه الإمام أحمد أيضا . وميمون الأعور أبو حمزة ، قال أحمد : متروك . ولكنه توبع عليهِ : فخرجه الإمام أحمد من طريق سعيد أبي عثمان الوراق ، عن أبي صالح ، قال : دخلت على أم سلمة ، فذكر الحديث مرفوعا ، وفيه : ترب وجهك لله .

وخرجه ابن حبان في صحيحه من طريق عدي بن عبد الرحمن ، عن داود بن أبي هند ، عن أبي صالح مولى آل طلحة بن عبيد الله ، قال : كنت عند أم سلمة ، فذكر الحديث . كذا في هذه الرواية : أبو صالح مولى آل طلحة ، وجاء في رواية ، أنه : مولى أم سلمة . قال أبو زرعة الدمشقي في تاريخه : أبو صالح مولى أم سلمة ، يحدث عنها في كراهة نفخ التراب في السجود ، اسمه : زاذان .

انتهى . وهو مع هذا غير مشهور . والحديث بهذا اللفظ يدل على أن النفخ ليس بكلام ، وإنما يكره نفخ التراب عن موضع السجود ؛ لأنه يمنع تتريب الجبهة في السجود ، والأفضل للساجد أن يترب وجهه لله ، ولهذا كانَ سجوده على التراب أفضل من سجوده على حائل بينه وبين التراب .

وفي كراهة النفخ في الصلاة أحاديث أخر مرفوعة ، لا تصح . وقد سبق في باب : من لم يمسح جبهته وأنفه حتى صلى في ذلك حديث مرفوع ، من رواية بريدة ، وبيان علته .

ورد في أحاديث2 حديثان
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث