باب تفكر الرجل الشيء في الصلاة
نا يحيى بن بكير ، نا الليث ، عن جعفر ، عن الأعرج ، قال أبو هريرة : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : إذا أذن بالصلاة أدبر الشيطان وله ضراط ، حتى لا يسمع التأذين ، فإذا سكت المؤذن أقبل ، فإذا ثوب أدبر ، فإذا سكت أقبل ، فلا يزال بالمرء يقول له : اذكر ما لم يكن يذكر ، حتى لا يدري كم صلى . قال أبو سلمة بن عبد الرحمن : إذا فعل ذلك أحدكم ، فليسجد سجدتين وهو قاعد . وسمعه أبو سلمة من أبي هريرة .
وقد خرجه في باب : التأذين من رواية مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة - إلى قوله : لا يدري كم صلى أيضا . وأما باقي الحديث ، وهو الأمر بسجود السهو لذلك ، فإنما رواه أبو سلمة ، عن أبي هريرة ، وهو مرفوع ، وليس من قول أبي هريرة . والقائل : قال أبو سلمة ، لعله جعفر بن ربيعة .
والله أعلم . وقد خرجه البخاري في أبواب السهو ، كما يأتي قريبا - إن شاء الله تعالى - من رواية هشام الدستوائي ، عن يحيى بن أبي كثير ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - . ومن رواية مالك ، عن ابن شهاب ، عن أبي سلمة ، عن أبي هريرة ، عن النبي - صلى الله عليه وسلم - .
وفي حديثهما : فليسجد سجدتين وهو جالس . وخرجه في بدء الخلق من طريق الأوزاعي ، عن يحيى بن أبي كثير أيضا . والمقصود من تخريجه في هذا الباب : أن الشيطان يأتي المصلي ، فيذكره ما لم يكن يذكره ، حتى يلبس عليه صلاته ، فلا يدري كم صلى ، وأن صلاته لا تبطل بذلك ، بل يؤمر بسجود السهو ؛ لشكه في صلاته .
وقد حكى غير واحد من العلماء الإجماع على ذَلِكَ . ومنهم من قال : هو إجماع من يعتد به . وهذا يشعر بأنه خالف فيه من لا يعتد به .
وقد قال طائفة قليلة من متأخري أصحابنا والشافعية : أنه إذا غلب الفكر على المصلي في أكثر صلاته ، فعليه الإعادة ؛ لفوات الخشوع فيها . وكذا قالَ أبو زيد المروزي من الشافعية ، في المصلي وهو يدافع الأخبثين : أنه إذا أذهب ذَلِكَ خشوعه ، فعليه الإعادة . وقال ابن حامد من أصحابنا : متى كثر عمل القلب وفكره في الصلاة في أمور الدنيا أبطل الصلاة ، كما يبطلها عمل الجسد إذا كثر .
والحديث حجة على هذه الأقوال كلها . وقد استدل لوجوب الخشوع في الصلاة بحديث مختلف في إسناده ، وقد ذكرناه مع الإشارة إلى هذه المسألة في باب : الخشوع في الصلاة ، فيما مضى .