باب المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده
قال أبو عبد الله ، وقال أبو معاوية : حدثنا داود عن عامر ، قال : سمعت عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم ، وقال عبد الأعلى : عن داود ، عن عبد الله ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . هذان تعليقان رجالهما خمسة : الأول : أبو معاوية محمد بن خازم بالخاء ، والزاي المعجمة الضرير الكوفي التميمي السعدي مولى سعد بن زيد مناة بن تميم ، يقال : عمي وهو ابن أربع سنين أو ثمان ، روى عن الأعمش وغيره ، وعنه أحمد وإسحاق ، وهو ثبت في الأعمش ، وكان مرجئا ، مات في صفر سنة خمس وتسعين ومائة ، وفي الرواة أيضا أبو معاوية النخعي عمر ، وأبو معاوية شيبان . الثاني : داود بن أبي هند دينار مولى امرأة من قشير ، ويقال : مولى عبد الله عامر بن كريز أحد الأعلام الثقات ، بصري رأى أنسا ، وسمع الشعبي ، وغيره من التابعين ، وعنه شعبة والقطان ، له نحو مائتي حديث ، وكان حافظا صواما دهره قانتا لله ، مات سنة أربعين ومائة بطريق مكة عن خمس وسبعين سنة ، روى له الجماعة ، والبخاري استشهد به هنا خاصة ، وليس له في صحيحه ذكر إلا هنا .
الثالث : عبد الأعلى بن عبد الأعلى السامي بالسين المهملة من بني سامة بن لؤي بن غالب القرشي البصري ، روى عن الجريري وغيره ، وعنه بندار ، وهو ثقة قدري ، لكنه غير داعية ، مات في شعبان سنة تسع ، وثمانين ومائة ، وفي الصحيحين عبد الأعلى ثلاثة ، هذا وفي ابن ماجه آخر واه ، وآخر كذلك ، وآخر صدوق ، وفي النسائي آخر ثقة ، وفيه وفي الترمذي آخر ثقة ، وفي الأربعة آخران ضعفهما أحمد فالجملة تسعة ، وفي الضعفاء سبعة أخرى . الرابع : عامر ، هو الشعبي المذكور عن قريب . الخامس : عبد الله بن عمرو بن العاص ، وقد مر آنفا ، وأراد بالتعليق الأول بيان سماع الشعبي من عبد الله بن عمرو ؛ لأن وهيب بن خالد ، روى عن داود ، عن رجل ، عن الشعبي ، عن عبيد الله بن عمرو ، وحكاه ابن منده فأخرج البخاري هذا التعليق لينبه به على سماع الشعبي من عبد الله بن عمرو فعلى هذا لعل الشعبي بلغه ذلك عن عبد الله بن عمرو ، ثم لقيه فسمعه منه .
وأخرج هذا التعليق إسحاق بن راهويه في مسنده عن أبي معاوية موصولا ، وأخرجه ابن حبان في ( صحيحه ) ، فقال : حدثنا أحمد بن يحيى بن زهير الحافظ بتستر ، حدثنا محمد بن العلاء بن كريب ، حدثنا أبو معاوية ، حدثنا داود بن أبي هند ، عن الشعبي ، قال : سمعت عبد الله بن عمرو ، ورب هذه البنية لسمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول : المهاجر من هجر السيئات ، والمسلم من سلم الناس من لسانه ، ويده ، وأراد بالتعليق الثاني : التنبيه على أن عبد الله الذي أبهم في رواية عبد الأعلى ، هو عبد الله بن عمرو الذي بين في رواية أبي معاوية ، وقال قطب الدين في شرحه : هذا من تعليقات البخاري ؛ لأن البخاري لم يلحق أبا معاوية ، ولا عبد الأعلى ، والحديث المعلق عند أهل الحديث هو الذي حذف من مبتدأ إسناده واحد فأكثر ، وقد أكثر البخاري في صحيحه ، ولم يستعمله مسلم إلا قليلا . قال أبو عمرو بن الصلاح فيما جاء بصيغة الجزم ، كقال ، وحدث ، وذكر ، دون ما جاء بغير صيغته كيروى ، ويذكر ، وإنما كان ذلك ؛ لأن صاحبي ( الصحيحين ) ترجما كتابهما بالصحيح من أخبار رسول الله صلى الله عليه وسلم فلولا أنه عندهما مسند متصل صحيح لم يستجيز أن يدخلا في كتابيهما : قوله : قال أبو عبد الله ، هو البخاري نفسه ؛ لأن أبا عبد الله كنيته . قوله : حدثنا داود عن عامر ، وفي رواية ابن عساكر : حدثنا داود ، هو ابن أبي هند .
قوله في حديث ابن حبان : والمسلم من سلم الناس يتناول المسلمين ، وأهل الذمة ، وقال بعضهم : والمراد بالناس هنا المسلمون كما في الحديث الموصول ، فهم الناس حقيقة ، ويمكن حمله على عمومه على إرادة شرط ، وهو إلا بحق ، وإرادة هذه الشرط متعينة على كل حال . قلت : فيه نظر من وجوه : الأول : قوله : فهم الناس حقيقة يدل على أن غير المسلمين من بني آدم ليسوا بإنسان حقيقة ، وليس كذلك بل الناس يكون من الإنس ، ومن الجن قاله في ( العباب ) ، والثاني : قوله : ويمكن حمله استعمال الإمكان هاهنا غير سديد ، بل هو عام قطعا . والثالث : تخصيصه الشرط المذكور بهذا الحديث غير موجه ، بل هذا الشرط مراعى هاهنا ، وفي الحديث الموصول : فبهذا الشرط يخرج عن العموم في حق الأذى بالحق ، وأما في حق المسلم والذمي فعلى عمومه فافهم .