باب حب الرسول من الإيمان
حدثنا أبو اليمان ، قال : أخبرنا شعيب ، قال : حدثنا أبو الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة رضي الله عنه ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : فوالذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة . ( بيان رجاله ) ، وهم خمسة : الأول : أبو اليمان الحكم بن نافع ، وقد ذكر .
الثاني : شعيب ابن أبي حمزة الحمصي ، وقد مر ذكره . الثالث : أبو الزناد بكسر الزاي ، وبالنون ، وهو عبد الله بن ذكوان المدني القرشي ، وكان يغضب من هذه الكنية لكن اشتهر بها ، ويكنى أيضا بأبي عبد الرحمن ، وقد اتفق على إمامته ، وجلالته ، وكان الثوري يسميه أمير المؤمنين في الحديث ، وقال أبو حاتم : هو ثقة صاحب سنة ، وهو ممن تقوم به الحجة إذ روى عنه الثقات ، وشهد مع عبد الله بن جعفر جنازة . فهو إذن تابعي صغير ، وروى عنه جماعات من التابعين ، وهذا من فضائله ؛ لأنه لم يسمع من الصحابة ، وروى عنه التابعون ، وولاه عمر بن عبد العزيز خراج العراق ، وقال الليث بن سعد : رأيت أبا الزناد ، وخلفه ثلاثمائة تابع من طالب علم ، وفقه ، وشعر ، وصنوف ، ثم لم يلبث أن بقي وحده ، وأقبلوا على ربيعة ، وكان ربيعة يقول : شبر من خطوة خير من ذراع من علم .
وقال أحمد : أبو الزناد أفقه من ربيعة . قال الواقدي : مات أبو الزناد فجأة في مغتسله سنة ثلاثين ومائة ، وهو ابن ست وستين سنة ، وقال البخاري : أصح أسانيد أبي هريرة أبو الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة ، روى له الجماعة . الرابع : الأعرج ، وهو أبو داود عبد الرحمن بن هرمز ، تابعي مدني قرشي ، مولى ربيعة بن الحارث بن عبد المطلب ، روى عن أبي سلمة ، وعبد الرحمن بن القاري روى عنه الزهري ، ويحيى الأنصاري ، ويحيى بن أبي كثير ، وآخرون ، واتفقوا على توثيقه ، مات بالإسكندرية سنة سبع عشرة ومائة على الصحيح ، روى له الجماعة .
واعلم أن مالكا لم يرو عن عبد الرحمن بن هرمز هذا إلا بواسطة ، وأما عبد الله بن يزيد بن هرمز فقد روى عنه مالك ، وأخذ عنه الفقه ، وهو عالم من علماء المدينة ، قليل الرواية جدا ، توفي سنة ثمان وأربعين ومائة ، فحيث يذكر مالك بن هرمز ، ويحكى عنه فإنما يريد عبد الله بن يزيد هذا الفقيه ؛ لأن عبد الرحمن بن هرمز صاحب أبي الزناد المحدث هذا إنما يحدث عنه بواسطة ذلك ، ووفاته سنة سبع عشرة ومائة على ما ذكرنا ، وهذا وفاته سنة ثمان وأربعين ومائة ، وهذا موضع التباس على كثير من الناس ذكرته للفرق بينهما فافهم . الخامس : أبو هريرة ، وقد مضى ذكره . ( بيان لطائف إسناده ) منها أن فيه التحديث ، والعنعنة ، وفي بعض النسخ : أخبرنا شعيب ، فعلى هذا يكون فيه الإخبار أيضا ، والتفريق بين حدثنا وأخبرنا لا يقول به البخاري كما سيجيء في العلم ، ومنها أن إسناده مشتمل على حمصيين ومدنيين ، ومنها أنه قد وقع في ( غرائب مالك ) للدارقطني إدخال رجل ، وهو أبو سلمة بن عبد الرحمن بين الأعرج وأبي هريرة في هذا الحديث ، وهي زيادة شاذة ، فقد رواه الإسماعيلي بدونها من حديث مالك ، ومن حديث إبراهيم بن طهمان ، وروى ابن منده من طريق أبي حاتم الرازي ، عن أبي اليمان شيخ البخاري هذا الحديث مصرحا فيه بالتحديث في جميع الإسناد ، وكذا للنسائي من طريق علي بن عياش عن شعيب .
( بيان من أخرجه غيره ) أخرجه البخاري هنا ، عن أبي هريرة ، وأنس رضي الله عنهما ، وأخرجه النسائي أيضا ، عن أبي هريرة ، وأخرجه مسلم في الإيمان ، عن ابن المثنى ، وابن بشار ، عن غندر ، عن شعبة ، ورواه عن زهير ، عن ابن علية ، وعن شيبان بن فروخ ، عن عبد الوارث كلاهما ، عن عبد العزيز بن صهيب ، عن أنس ، وأخرجه النسائي ، وفي رواية أخرى للنسائي : حتى أكون أحب إليه من ماله ، وأهله ، والناس أجمعين . ( بيان الإعراب ) . قوله : والذي الواو فيه للقسم ، والذي صفة موصوفه محذوف تقديره ، والله الذي .
قوله : نفسي مبتدأ ، وبيده خبره ، والجملة خبر المبتدأ الأول : أعني الذي . قوله : لا يؤمن نفي ، وهو جواب القسم . قوله : حتى للغاية هنا ، وأكون منصوب بتقدير حتى أن أكون ، وقد علم أن الفعل بعد حتى لا ينتصب إلا إذا كان مستقبلا ، ثم إن كان استقباله بالنظر إلى زمن المتكلم فالنصب واجب نحو : لن نبرح عليه عاكفين حتى يرجع إلينا موسى .
وإن كان بالنسبة إلى ما قبلها خاصة فالوجهان نحو : وزلزلوا حتى يقول الرسول . الآية . فإن قولهم إنما هو مستقبل بالنظر إلى الزلزال لا بالنظر إلى زمن قص ذلك علينا .
قوله : أحب نصب ؛ لأنه خبر أكون ، ولفظه أحب أفعل التفضيل بمعنى المفعول ، وهو على خلاف القياس وإن كان كثيرا ؛ إذ القياس أن يكون بمعنى الفاعل ، وقال ابن مالك : إنما يشذ بناؤه للمفعول إذا خيف اللبس بالفاعل ، فإن أمن بأن لم يستعمل الفعل للفاعل ، أو قرن به ما يشعر بأنه للمفعول لا يشذ كقولهم . هو أشغل من ذات النحيين ، وهو أكسر من البصل . وعبد الله بن أبي ألعن من لعن على لسان داود ، وعيسى ، ولا أحرم ممن عدم الإنصاف ، ولا أظلم من قتيل كربلاء ، وهو أزهى من الديك ، وأرجى ، وأخوف ، وأهيب ، ولا يقتصر على السماع لكثرة مجيئه .
فإن قلت : لا يجوز الفصل بين الفعل ومعموله ؛ لأنه كالمضاف ، والمضاف إليه ، فكيف وقع لفظة إليه هاهنا فصلا بينهما ؟ قلت : الفصل بالأجنبي ممنوع لا مطلقا ، والظرف فيه توسع فلا يمنع . ( بيان المعاني ) فائدة القسم تأكيد الكلام به ، ويستفاد منه جواز القسم على الأمر المبهم توكيدا ، وإن لم يكن هناك من يستدعي الحلف ، ولفظ اليد من المتشابهات ففي مثل هذا افترق العلماء على فرقتين : إحداهما ما تسمى مفوضة ، وهم الذين يفوضون الأمر فيها إلى الله تعالى قائلين : وما يعلم تأويله إلا الله . والأخرى تسمى مؤولة ، وهم الذين يؤولون مثل هذا كما يقال : المراد من اليد القدرة عاطفين والراسخون في العلم ( على الله ) والأول أسلم ، والثاني أحكم .
قلت : ذكر أبو حنيفة أن تأويل اليد بالقدرة ، ونحو ذلك يؤدي إلى التعطيل ، فإن الله تعالى أثبت لنفسه يدا ، فإذا أولت بالقدرة يصير عين التعطيل ، وإنما الذي ينبغي في مثل هذا أن نؤمن بما ذكره الله من ذلك على ما أراده ، ولا نشتغل بتأويله فنقول : له يد على ما أراده لا كيد المخلوقين ، وكذلك في نظائر ذلك . قوله : لا يؤمن ، أي : إيمانا كاملا ، ويقال : المراد من الحديث بذل النفس دونه صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وقيل في قوله تعالى : ﴿يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وَمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ ﴾أي : وحسبك من اتبعك من المؤمنين ببذل أنفسهم دونك ، وقال ابن بطال : قال أبو الزناد : هذا من جوامع الكلم الذي أوتيه عليه الصلاة والسلام إذ أقسام المحبة ثلاثة : محبة إجلال وإعظام ، كمحبة الوالد ، ومحبة رحمة وإشفاق كمحبة الولد ، ومحبة مشاكلة واستحسان كمحبة الناس بعضهم بعضا ، فجمع عليه السلام ذلك كله . قال القاضي : ومن محبته نصرة سنته والذب عن شريعته ، وتمني حضور حياته فيبذل نفسه وماله دونه ، وبهذا يتبين أن حقيقة الإيمان لا تتم إلا به ، ولا يصح الإيمان إلا بتحقيق إنافة قدر النبي صلى الله عليه وسلم ومنزلته على كل والد وولد ، ومحسن ومتفضل ، ومن لم يعتقد ذلك ، واعتقد سواه ، فليس بمؤمن ، واعترضه الإمام أبو العباس أحمد القرطبي المالكي صاحب ( المفهم ) ، فقال : ظاهر كلام القاضي عياض صرف المحبة إلى اعتقاد تعظيمه وإجلاله ، ولا شك في كفر من لا يعتقد ذلك غير أنه ليس المراد بهذا الحديث اعتقاد الأعظمية ؛ إذ اعتقاد الأعظمية ليس بمحبة ، ولا مستلزما لها ؛ إذ قد يحمد الإنسان إعظام شيء مع خلوه عن محبته .
قال : فعلى هذا من لم يجد من نفسه ذلك لم يكمل إيمانه على أن كل من آمن إيمانا صحيحا لا يخلو من تلك المحبة ، وقد قال عمرو بن العاص رضي الله عنه : وما كان أحد أحب إلي من رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا أجل في عيني منه ، وما كنت أطيق أن أملأ عيني منه إجلالا له ، وأن عمر رضي الله تعالى عنه لما سمع هذا الحديث ، قال : يا رسول الله ، أنت أحب إلي من كل شيء إلا من نفسي ، فقال : ومن نفسك يا عمر ، فقال : ومن نفسي ، فقال : الآن يا عمر ، وهذه المحبة ليست باعتقاد تعظيم بل ميل قلب ، ولكن الناس يتفاوتون في ذلك ، قال الله تعالى : فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ ولا شك أن حظ الصحابة رضي الله عنهم من هذا المعنى أتم ؛ لأن المحبة ثمرة المعرفة ، وهم بقدره ومنزلته أعلم ، والله أعلم ، ويقال : المحبة إما اعتقاد النفع ، أو ميل يتبع ذلك أو صفة مخصصة لأحد الطرفين بالوقوع ، ثم الميل قد يكون بما يستلذه بحواسه كحسن الصورة ، ولما يستلذه بعقله كمحبة الفضل والجمال ، وقد يكون لإحسانه إليه ، ودفع المضار عنه ، ولا يخفى أن المعاني الثلاثة كلها موجودة في رسول الله صلى الله عليه وسلم لما جمع من جمال الظاهر والباطن ، وكمال أنواع الفضائل ، وإحسانه إلى جميع المسلمين بهدايتهم إلى الصراط المستقيم ، ودوام النعيم ، ولا شك أن الثلاثة فيه أكمل مما في الوالدين لو كانت فيهما فيجب كونه أحب منهما ؛ لأن المحبة ثابتة لذلك ، حاصلة بحسبها ، كاملة بكمالها . واعلم أن محبة الرسول عليه السلام إرادة فعل طاعته ، وترك مخالفته ، وهي من واجبات الإسلام . قال الله تعالى : قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ إلى قوله : حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وقال النووي : فيه تلميح إلى قضية النفس الأمارة بالسوء والمطمئنة ، فإن من رجح جانب المطمئنة كان حب النبي عليه السلام راجحا ، ومن رجح جانب الأمارة كان حكمه بالعكس .
( بيان الأسئلة والأجوبة ) منها ما قيل : لم ما ذكر نفس الرجل أيضا ، وإنما يجب أن يكون الرسول صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أحب إليه من نفسه . قال تعالى : النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وأجيب بأنه إنما خصص الوالد والولد بالذكر لكونهما أعز خلق الله تعالى على الرجل غالبا ، وربما يكونان أعز من نفس الرجل على الرجل ، فذكرهما إنما هو على سبيل التمثيل ، فكأنه قال : حتى أكون أحب إليه من أعزته ، ويعلم منه حكم غير الأعزة ؛ لأنه يلزم في غيرهم بالطريق الأولى ، أو اكتفى بما ذكر في سائر النصوص الدالة على وجوب كونه أحب من نفسه أيضا كالرواية التي بعده ، ومنها ما قيل : هل يتناول لفظ الوالد الأم كما أن لفظ الولد يتناول الذكر والأنثى ؟ وأجيب بأن الوالد إما أن يراد به ذات له ولد ، وإما أن يكون بمعنى ذو ولد ، نحو : لابن وتامر ، فيتناولهما ، وإما أن يكتفى بأحدهما عن الآخر كما يكتفى بأحد الضدين عن الآخر . قال تعالى : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وإما أن يكون حكمه حكم النفس في كونه معلوما من النصوص الأخر ، ومنها ما قيل : المحبة أمر طبيعي غريزي لا يدخل تحت الاختيار فكيف يكون مكلفا بما لا يطاق عادة ، وأجيب بأنه لم يرد به حب الطبع بل حب الاختيار المستند إلى الإيمان .
فمعناه لا يؤمن حتى يؤثر رضاي على هوى الوالدين ، وإن كان فيه هلاكهما ، ومنها ما قيل : ما وجه تقديم الوالد على الولد ، وأجيب بأن ذلك للأكثرية ؛ لأن كل أحد له والد من غير عكس . قلت : الأولى أن يقال : إنما قدم هاهنا الوالد نظرا إلى جانب التعظيم ، وقدم الولد على الوالد في حديث أنس في رواية النسائي نظرا إلى جانب الشفقة والترحم .