باب حب الرسول من الإيمان
حدثنا يعقوب بن إبراهيم ، قال : حدثنا ابن علية ، عن عبد العزيز بن صهيب ، عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم . ح وحدثنا آدم ، قال : حدثنا شعبة ، عن قتادة ، عن أنس ، قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده وولده ، والناس أجمعين . هذان الإسنادان عطف أحدهما على الآخر قبل أن يسوق المتن في الأول ، وذلك يوهم استواءهما ، وليس كذلك ، فإن لفظ قتادة مثل لفظ حديث أبي هريرة غير أن فيه زيادة ، وهي قوله : والناس أجمعين ، ولفظ عبد العزيز بن صهيب مثله ، إلا أنه قال كما رواه ابن خزيمة في ( صحيحه ) ، عن يعقوب بن إبراهيم شيخ البخاري بهذا الإسناد من أهله وماله بدل من والده وولده ، وكذا في رواية مسلم من طريق ابن علية ، وكذا الإسماعيلي من طريق عبد الوارث بن سعيد ، عن عبد العزيز ، ولفظه : لا يؤمن الرجل ، وهو أشمل من جهة ، ولفظ : أحدكم أشمل من جهة ، وأشمل منهما رواية الأصيلي : لا يؤمن أحد .
فإن النكرة في سياق النفي تعم . فإن قلت : إذا كان لفظ عبد العزيز مغايرا للفظ قتادة فلم ساق البخاري كلامه بما يوهم اتحادهما في المعنى . قلت : البخاري كثيرا ما يصنع ذلك نظرا إلى أصل الحديث لا إلى خصوص ألفاظه .
فإن قلت : لم اقتصر على لفظ قتادة ، وما المرجح في ذلك ؟ قلت : لأن لفظ قتادة موافق للفظ أبي هريرة في الحديث السابق . فإن قلت : قتادة مدلس ، ولم يصرح بالسماع ؟ قلت : رواية شعبة عنه دليل على السماع ؛ لأنه لم يكن يسمع منه إلا ما سمعه على أنه قد وقع التصريح به في هذا الحديث في رواية النسائي . ( بيان رجالهما ) ، وهم سبعة : الأول : أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم بن كثير بن زيد بن أفلح الدورقي العبدي أخو أحمد بن إبراهيم ، وكان الأكبر صنف المسند ، وكان ثقة حافظا متقنا ، رأى الليث ، وسمع ابن عيينة ، والقطان ، ويحيى بن أبي كثير ، وخلقا ، روى عنه أخوه ، وأبو زرعة ، وأبو حاتم ، والجماعة ، مات سنة اثنتين وخمسين ومائتين .
الثاني : ابن علية ، بضم العين المهملة ، وفتح اللام ، وتشديد الياء آخر الحروف ، وهو إسماعيل ، وعلية أمه ، وأبوه إبراهيم بن سهل بن مقسم البصري الأسدي أسد خزاعة مولاهم أصله من الكوفة . قال شعبة : فيه سيد المحدثين ، سمع عبد العزيز بن صهيب ، وأيوب السختياني ، وسمع من محمد بن المنكدر أربعة أحاديث ، وسمع خلقا غيرهم ، وقال أحمد : إليه المنتهى في التثبت بالبصرة ، اتفق على جلالته وتوثيقه ، ولي صدقات البصرة والمظالم ببغداد في آخر خلافة هارون ، توفي ببغداد ، ودفن في مقابر عبد الله بن مالك ، وصلى عليه ابنه إبراهيم في سنة أربع وتسعين ومائة ، وكانت أمه علية نبيلة عاقلة ، وكان صالح المزي وغيره من وجوه أهل البصرة وفقهائها يدخلون ، فتبرز لهم ، وتحادثهم ، وتسائلهم ، روى له الجماعة . الثالث : عبد العزيز البناني مولاهم ، تابعي سمع أنسا ، روى عنه شعبة ، وقال : هو عندي في أنس أحب إلي من قتادة ، اتفق على توثيقه ، روى له الجماعة .
قال ابن قتيبة : هو وأبوه كانا مملوكين ، وأجاز إياس بن معاوية شهادة عبد العزيز وحده . الرابع : آدم بن أبي إياس ، وقد مر ذكره . الخامس : شعبة بن الحجاج .
السادس : قتادة بن دعامة . السابع : أنس بن مالك رضي الله عنه ، وقد ذكروا فيما مضى . ( بيان الأنساب ) الدورقي : نسبة إلى دورق ، بفتح الدال المهملة ، وسكون الواو ، وفتح الراء ، وفي آخره قاف ، وهي قلانس كانوا يلبسونها فنسبوا إليها ، وفي ( المطالع ) دورق ، أراه في بلاد فارس ، وقيل : بل لصنعة قلانس تعرف بالدورقة نسبت إلى ذلك الموضع ، وقال الرشاطي : دورق من كور الأهواز ، وقال ابن خرداذبه : كور الأهواز رام هرمز ، ومنها إيزح وعسكر مكرم ، وتستر ، وسوس ، وسرق ، وهي دورق ، وذكر غير ذلك قال : ومن سرق الأهواز إلى دورق في الماء ثمانية عشر فرسخا ، وعلى الظاهر أربعة وعشرون ، والعبدي في قبائل ، ففي قريش عبد بن قصي بن كلاب بن مرة ، وفي ربيعة ابن نزار عبد القيس بن قصي بن دعمي ، ينسب إليه عبدي على القياس ، وعبقسي على غير القياس ، وفي تميم ينسب إلى عبد الله بن دارم ، وقد يقال : عبدلي على غير قياس ، وفي خولان ينسب إلى عبد الله بن الخيار ، وفي همدان ينسب إلى عبد بن عليان بن أرحب ، والبناني ، بضم الباء الموحدة ، وبالنونين نسبة إلى بنانة بطن من قريش ، وبنانة كانت زوجة سعد بن لؤي بن غالب نسب إليها بنوها ، وقيل : كانت أمة له حضنت بنيه ، وقيل : كانت حاضنة لبنيه فقط ، ويقال : نسبة إلى سكة بنانة بالبصرة فافهم .
( بيان المعاني ) : قوله : والناس أجمعين من باب عطف العام على الخاص كقوله تعالى : ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَاكَ سَبْعًا مِنَ الْمَثَانِي وَالْقُرْآنَ الْعَظِيمَ ﴾وهو عكس قوله تعالى : وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فإنه تخصيص بعد تعميم ، فإن قيل : هل يدخل في لفظ الناس نفس الرجل أو يكون إضافة المحبة إليه تقتضي خروجه منهم : فإنك إذا قلت : جميع الناس أحب إلى زيد من غلامه ، يفهم منه خروج زيد منهم ؟ قلت : لا يخرج ؛ لأن اللفظ عام ، وما ذكرتم ليس من المخصصات ، واعلم أنه قد يوجد في بعض النسخ قبل حدثنا آدم لفظة ( ح ) إشارة إلى التحول من الإسناد : الأول إلى إسناد آخر ، وفي بعضها لا يوجد ، وعلى النسختين ففيه تحول من إسناد إلى آخر قبل ذكر الحديث ، وقوله : أخبرنا يعقوب ، وفي رواية أبي ذر : حدثنا .