حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب تفاضل أهل الإيمان في الأعمال

حدثنا إسماعيل ، قال : حدثني مالك ، عن عمرو بن يحيى المازني ، عن أبيه ، عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يدخل أهل الجنة الجنة ، وأهل النار النار ، ثم يقول الله تعالى : أخرجوا من كان في قلبه مثقال حبة من خردل من إيمان ، فيخرجون منها قد اسودوا ، فيلقون في نهر الحياء - أو : الحياة ، شك مالك - فينبتون كما تنبت الحبة في جانب السيل ، ألم تر أنها تخرج صفراء ملتوية . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة ، وهي أن المذكور فيه هو أن القليل جدا من الإيمان يخرج صاحبه من النار والتفاوت في شيء فيه القلة والكثرة ظاهر ، وهو عين التفاضل ، لا يقال : الحديث ، إنما يدل على تفاضلهم في ثواب الأعمال ، لا في نفس الأعمال ؛ إذ المقصود منه بيان أن بعض المؤمنين يدخلون الجنة أول الأمر ، وبعضهم يدخلون آخرا ؛ لأنا نقول يدل على تفاوت الناس في الأعمال أيضا ؛ لأن الإيمان إما التصديق ، وهو عمل القلب ، وإما التصديق مع العمل ، وعلى التقديرين قابل للتفاوت إذ مثقال الحبة إشارة إلى ما هو أقل منه أو تفاوت الثواب مستلزم لتفاوت الأعمال شرعا ، ويحتمل أن يراد من الأعمال ثواب الأعمال إما تجوزا بإطلاق السبب ، وإرادة المسبب ، وإما إضمارا بتقدير لفظ الثواب مضافا إليها . ( بيان رجاله ) ، وهم خمسة : الأول : إسماعيل بن عبد الله أبي أويس بن عبد الله بن أبي أويس بن مالك بن أبي عامر الأصبحي عم مالك بن أنس أخي الربيع ، وأنس وأبي سهيل نافع أولاد مالك بن أبي عامر ، وإسماعيل هذا ابن أخت الإمام مالك بن أنس سمع خاله وأباه وأخاه عبد المجيد ، وإبراهيم بن سعد ، وسليمان بن بلال ، وآخرين ، روى عنه الدارمي ، والبخاري ، ومسلم ، وغيرهم من الحفاظ .

وروى مسلم أيضا عن رجل عنه ، وروى له أبو داود ، والترمذي ، وابن ماجه ، ولم يخرج له النسائي ؛ لأنه ضعفه . وقال أبو حاتم : محله الصدق وكان مغفلا ، وقال يحيى بن معين : هو ووالده ضعيفان ، وعنه يسرقان الحديث ، وعنه إسماعيل صدوق ضعيف العقل ليس بذلك ، يعني أنه لا يحسن الحديث ، ولا يعرف أن يؤديه ، ويقرأ في غير كتابه ، وعنه مختلط يكذب ليس بشيء ، وعنه يساوي فلسين ، وعنه لا بأس به ، وكذلك قال أحمد : قال أبو القاسم اللالكائي : بالغ النسائي في الكلام عليه بما يؤدي إلى تركه ، ولعله بان له ما لم يبن لغيره ؛ لأن كلام هؤلاء كلهم يؤول إلى أنه ضعيف ، وقال الدارقطني : لا أختاره في الصحيح ، وقال ابن عدي : روى عن خاله مالك أحاديث غرائب لا يتابعه أحد عليها ، وأثنى عليه ابن معين ، وأحمد ، والبخاري يحدث عنه بالكثير ، وهو خير من أبيه . وقال الحاكم عيب على البخاري ومسلم إخراجهما حديثه ، وقد احتجا به معا ، وغمزه من يحتاج إلى كفيل في تعديل نفسه أعني النضر بن سلمة ، أي : فإنه قال : كذاب .

قلت : قد غمزه من لا يحتاج إلى كفيل ، ومن قوله حجة مقبولة . وقد أخرجه البخاري عن غيره أيضا ، فاللين الذي فيه يجبر إذن ، مات في سنة ست ، ويقال : في رجب سنة سبع وعشرين ومائتين . الثاني : مالك بن أنس ، وقد تقدم ذكره .

الثالث : عمرو ، بفتح العين ابن يحيى بن عمارة ، ووقع بخط النووي في شرحه عثمان ، وهو تحريف ابن أبي حسن تميم بن عمرو ، وقيل : يحيى بن عمر . وحكاه الذهبي في الصحابة ابن قيس بن يحرث بن الحارث بن ثعلبة بن مازن بن النجار الأنصاري المازني المدني ، روى عن أبيه ، وعن غيره من التابعين ، وعنه يحيى بن سعيد الأنصاري ، وغيره من التابعين ، وغيرهم ، والأنصاري من أقرانه ، وروى عن يحيى بن كثير ، وهو من أقرانه أيضا ، وثقه أبو حاتم ، والنسائي ، توفي سنة أربعين ومائة ، وعمارة صحابي بدري عقبي ، ذكره أبو موسى ، وأبو عمر ، وفيه نظر ، نعم أبوه صحابي عقبي بدري . وقال ابن سعد : وشهد الخندق وما بعد هذا .

وأم عمرو هذا هي أم النعمان بنت أبي حنة بالنون ابن عمرو بن غزية بن عمرو بن عطية ابن خنساء بن مندول بن عمرو بن غانم بن مازن بن النجار . الرابع : أبو يحيى بن عثمان بن أبي حسن الأنصاري المازني المدني سمع أبا سعيد ، وعبد الله بن زيد ، وعنه ابنه ، والزهري ، وغيرهما ، روى له الجماعة . الخامس : أبو سعيد سعد بن مالك الخدري رضي الله عنه .

( بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري هنا عن إسماعيل ، عن مالك ، وفي صفة الجنة والنار عن وهيب بن خالد ، وأخرجه مسلم في الإيمان عن هارون ، عن ابن وهب ، عن مالك . وعن أبي بكر ، عن عفان ، عن وهيب . وعن حجاج ابن الشاعر ، عن عمرو بن عون ، عن خالد بن عبد الله ، ثلاثتهم عن عمرو بن يحيى به .

وقع هذا الحديث للبخاري عاليا برجل عن مسلم . وأخرجه النسائي أيضا ، وهذا الحديث قطعة من حديث طويل يأتي إن شاء الله تعالى . وقد وافق إسماعيل على رواية هذا الحديث عبد الله بن وهب ، ومعن بن عيسى ، عن مالك ، وليس هو في الموطأ .

قال الدارقطني : هو غريب صحيح . وفي رواية الدارقطني من طريق إسماعيل : يدخل الله . وزاد من طريق معن : يدخل من يشاء برحمته ، وكذا الإسماعيلي على طريق ابن وهب .

( بيان اللغات ) قوله : مثقال حبة المثقال كالمقدار لفظا ومعنى ، مفعال من الثقل ، وفي ( العباب ) مثقال الشيء ميزانه من مثله ، وقوله تعالى : مثقال ذرة ، أي : زنة ذرة . قال : وكلا يوافيه الجزاء بمثقال . أي بوزن ، وحكى أبو نصر ألقي عليه مثاقيله ، أي : مؤنته ، والثقل ضد الخفة ، والمثقال في الفقه من الذهب عبارة عن اثنين وسبعين شعيرة ، قاله الكرماني .

قلت : ذكر في ( الاختيار ) أن المثقال عشرون قيراطا ، وكذا ذكر في ( الهداية ) ، وفي ( العباب ) القيراط معروف ، ووزنه يختلف باختلاف البلاد ، فهو عند أهل مكة حرسها الله تعالى ربع سدس الدينار ، وعند أهل العراق نصف عشر الدينار . قلت : ذكر الفقهاء أن القيراط طسوجتان ، والطسوجة شعيرتان ، والشعيرة ذرتان ، والذرة فتيلتان ، والفتيلة شعرتان ، وأما المراد هاهنا من المثقال فقد قيل : هو وزن مقدر ، الله أعلم بقدره ، وليس المراد المقدر هذا المعلوم فقد جاء مبينا ، وكان في قلبه من الخير ما يزن برة ، والحبة بفتح الحاء ، وتشديد الباء الموحدة واحدة الحب المأكول من الحنطة ونحوها ، وفي ( المحكم ) ، وجمع الحبة : حبات ، وحبوب ، وحب ، وحبان ، الأخيرة نادرة . قوله : من خردل ، بفتح الخاء المعجمة ، هو نبات معروف يشبه الشيء القليل البليغ في القلة بذلك ، يعني : يدخل الجنة من كان في قلبه أقل قدر من الإيمان ، وقال في ( العباب ) الخردل معروف ، واحدته خردلة .

قوله : في نهر الحياء كذا في هذه الرواية بالمد ، وهي رواية الأصيلي ، ولا وجه له كما نبه عليه القاضي . وفي رواية كريمة وغيرها بالقصر ، وعليه المعنى ؛ لأن المراد كل ما يحصل به الحياة ، والحيا بالقصر هو المطر ، وبه يحصل حياة النبات ، فهو أليق بمعنى الحياة من الحياء الممدود الذي بمعنى الخجل ، ونهر الحياة معناه الماء الذي يحيي من انغمس فيه . قوله : كما تنبت الحبة بكسر الحاء ، وتشديد الباء الموحدة بذر العشب ، وجمعه حبب كقربة ، وقرب ، ويحتمل أن يكون اللام للعهد ، ويراد به حبة بقلة الحمقاء ؛ لأن شأنه أن ينبت سريعا على جانب السيل فيتلفه السيل ، ثم ينبت فيتلفه السيل ، ولهذا سميت بالحمقاء ؛ لأنه لا تمييز لها في اختيار المنبت .

وقال الجوهري : الحبة بالكسر بذور الصحراء مما ليس بقوت . وفي الحديث : ينبتون كما تنبت الحبة في حميل السيل ، وتسمى الرجلة بكسر الراء والجيم : بقلة الحمقاء ؛ لأنها لا تنبت إلا في المسيل . وقال الكسائي : هو حب الرياحين .

ففي بعض الروايات : في حميل السيل ، وهو ما يحمله السيل من طين ونحوه . قيل : فإذا اتفق فيه الحبة واستقرت على شط مجرى السيل تنبت في يوم وليلة ، وهي أسرع نابتة نباتا ، وفي ( المحكم ) الحبة : بذور البقول والرياحين ، واحدها حب ، وقيل : إذا كانت الحبوب مختلفة من كل شيء فهي حبة ، وقيل : الحبة نبت ينبت في الحشيش صغار ، وقيل : ما كان له حب من النبات ، فاسم ذلك الحب الحبة ، وقال أبو حنيفة الدينوري : الحبة بالكسر جميع بذور النبات ، واحدتها حبة بالفتح ، وعن الكسائي : أما الحب فليس إلا الحنطة والشعير ، واحدتها حبة بالفتح ، وإنما افترقا في الجمع ، والحبة بذر كل نبات ينبت وحده من غير أن يبذر ، وكل ما بذر فبذره حبة بالفتح . وقال الأصمعي : ما كان له حب من النبت فاسمه حبة إذا جمع الحبة .

وقال أبو زياد : كل ما يبس من البقل كله ذكوره وأحراره يسمى الحبة إذا سقط على الأرض وتكسر ، وما دام قائما بعد يبسه فإنه يسمى القت ، وفي ( الغريبين ) حب الحنطة ، يسمى حبة بالتخفيف ، والحبة بكسر الحاء ، وتشديد الباء اسم جامع لحبوب البقول التي تنتشر إذا هاجت ، ثم إذا مطرت في قابل تنبت ، وفي ( العباب ) الحبة بالكسر بذور الصحراء ، والجمع الحبب . قوله : في جانب السيل كذا هاهنا ، وجاء حميل بدل جانب ، وفي رواية وهيب : حماة السيل ، والحميل بمعنى المحمول ، وهو ما جاء به من طين أو غثاء ، والحمأة ما تغير لونه من الطين ، وكله بمعنى ، فإذا اتفق فيه حبة على شط مجراه فإنها تنبت سريعا . قوله : صفراء تأنيث الأصفر من الاصفرار ، وهو من جنس الألوان للرياحين ، ولهذا تسر الناظرين ، وسيد رياحين الجنة الحناء ، وهو أصفر .

قوله : ملتوية ، أي : منعطفة منثنية ، وذلك أيضا يزيد الريحان حسنا يعني اهتزازه ، وتميله ، والله تعالى أعلم . ( بيان الإعراب ) قوله : يدخل أهل الجنة فعل وفاعل ، ولفظة أهل مضافة إلى الجنة ، والجنة الثانية بالنصب ؛ لأنه مفعول ، وأصله في الجنة ، وإنما قلنا ذلك ؛ لأن الجنة محدودة ، وكان الحق أن يقال : دخلت في الجنة ، كما في قولك : دخلت في الدار ؛ لأنها محدودة إلا أنهم حذفوا حرف الجر اتساعا ، وأوصلوا الفعل إليه ، ونصبوه نصب المفعول به ، وذهب الجرمي إلى أنه فعل متعد نصب الدار كنحو بنيت الدار ، وقد دفعوا . قوله : بأن مصدره يجيء على فعول ، وهو من مصادر الأفعال اللازمة ، نحو : قعد قعودا ، وجلس جلوسا ، ولأن مقابله لازم أعني خرجت .

قلت : فيه نظر ؛ لأنه غير مطرد ؛ لأن ذهب لازم ، وما يقابله جاء متعد . قال الله تعالى : أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ قوله : وأهل النار كلام إضافي عطف على الأهل الأول : والتقدير : ويدخل أهل النار النار ، والكلام في النار الثانية مثل الكلام في الجنة الثانية . قوله : ثم يقول الله عز وجل .

كلمة ثم هاهنا واقعة في موقعها ، وهو الترتيب مع المهلة . قوله : أخرجوا ، بفتح الهمزة ؛ لأنه أمر من الإخراج ، وهو خطاب للملائكة ، وقوله : من كان في قلبه .. . إلى آخره جملة في محل النصب على أنها مفعول لقوله : أخرجوا ، ومن موصولة ، وقوله : كان في قلبه مثقال حبة صلتها ، ومثقال حبة كلام إضافي مرفوع ؛ لأنه اسم كان وخبره ، هو قوله : في قلبه مقدما ، وقيل : يجوز أن يكون أخرجوا بضم الهمزة من الخروج ، فعلى هذا يكون من منادى قد حذف منه حرف النداء ، والتقدير : أخرجوا يا من كان في قلبه مثقال حبة ، وقوله : من خردل يتعلق بمحذوف ، وهو حاصلة ، والتقدير : مثقال حبة حاصلة من خردل ، وهي في محل الجر على أنها صفة لمجرور ، وقوله : من إيمان يتعلق بمحذوف آخر ، والتقدير : من خردل حاصل من إيمان ، وهو أيضا في محل الجر نحوها ، ويجوز أن تتعلق من هذه بقوله : من كان ، ولا يجوز أن يتعلق بفعل واحد حرفا جر من جنس واحد ، فافهم .

قوله : فيخرجون منها ، أي : من النار ، والفاء فيه للاستئناف تقديره : فهم يخرجون ، كما في قوله تعالى : كُنْ فَيَكُونُ قوله : قد اسودوا جملة قد وقعت حالا ، أي : صاروا سودا كالفحم من تأثير النار . قوله : فيلقون على صيغة المجهول جملة معطوفة على الجملة الأولى بالفاء التي تقتضي الترتيب . قوله : شك مالك جملة معترضة بين قوله : فيلقون في نهر الحياة ، وبين قوله : فينبتون ، وأراد أن الترديد بين الحياء والحياة إنما هو من مالك بن أنس الإمام ، وهو الذي شك فيه .

وأخرج مسلم هذا الحديث من رواية مالك فأيهم الشاك ، وقد فسر هنا قوله : فينبتون عطف على قوله : فيلقون . قوله : كما تنبت الحبة الكاف للتشبيه ، وما مصدرية ، والتقدير كنبات الحبة ، ومحل الجملة النصب على أنها صفة لمصدر محذوف ، أي : فينبتون نباتا كنبات الحبة . قوله : ألم تر خطاب لكل من يتأتى منه الرؤية .

قوله : تخرج جملة في محل الرفع ؛ لأنها خبر إن . قوله : صفراء ملتوية حالان متداخلتان أو مترادفتان . ( بيان المعاني والبيان ) .

قوله : يدخل فعل مضارع ، وقد علم أنه صالح للحال والاستقبال ، فقيل : حقيقة في الحال مجاز في الاستقبال ، وقيل : بالعكس . وقال ابن الحاجب : الصحيح أنه مشترك بينهما ؛ لأنه يطلق عليهما على السوية ، وهو دليل الاشتراك ، وفي قوله : على السوية نظر لا يخفى ، ثم إنه لا يخلص للاستقبال إلا بالسين ، ونحوه ، وكان القياس هاهنا أن يذكر بأداة مخلصة للاستقبال ؛ لأن دخول الجنة والنار إنما هو في الاستقبال ، ولكنه محقق الوقوع ، ذكره بصورة الحال . قوله : من إيمان ذكره منكرا ؛ لأن المقام يقتضي التقليل ، ولو عرف لم يفد ذلك .

فإن قلت : فيكفيه الإيمان ببعض ما يجب الإيمان به ؛ لأنه إيمان ما قلت لا يكفيه ؛ لأنه علم من عرف الشرع أن المراد من الإيمان هو الحقيقة المعهودة عرف أو نكر . قوله : مثقال حبة من خردل من باب التمثيل ليكون عيارا في المعرفة ، وليس بعيار في الوزن ؛ لأن الإيمان ليس بجسم يحصره الوزن أو الكيل لكن ما يشكل من المعقول قد يرد إلى عيار المحسوس ليفهم ، ويشبه به ليعلم ، والتحقيق فيه أنه يجعل عمل العبد وهو عرض في جسم على مقدار العمل عند الله ، ثم يوزن ويدل عليه ما جاء مبينا ، وكان في قلبه من الخير ما يزن برة . وقال إمام الحرمين : الصحف المشتملة على الأعمال يزنها الله تعالى على قدر أجور الأعمال ، وما يتعلق بها من ثوابها وعقابها ، وجاء به الشرع ، وليس في العقل ما يحيله ، ويقال : للوزن معنيان أحدهما هذا ، والآخر تمثيل الأعراض بجواهر ، فيجعل في كفة الحسنات جواهر بيض مشرقة ، وفي كفة السيئات جواهر سود مظلمة .

وحكى الزجاج وغيره من المفسرين من أهل السنة أنه إنما يوزن خواتيم الأعمال ، فإن كانت خاتمة عمله حسنا جوزي بخير ، ومن كانت خاتمة عمله شرا جوزي بشر ، ثم اعلم أن المراد بحبة الخردل زيادة على أصل التوحيد ، وقد جاء في الصحيح بيان ذلك ، ففي رواية فيه : أخرجوا من قال : لا إله إلا الله ، وعمل من الخير ما يزن كذا ، ثم بعد هذا يخرج منها من لم يعمل خيرا قط غير التوحيد . وقال القاضي : هذا هو الصحيح إذ معنى الخير هاهنا أمر زائد على الإيمان ؛ لأن مجرده لا يتجزى ، وإنما يتجزى الأمر الزائد عليه ، وهي الأعمال الصالحة من ذكر خفي أو شفقة على مسكين ، أو خوف من الله تعالى ، ونية صادقة في عمل وشبهه ، وذكر القاضي عن قوم أن المعنى في قوله : من إيمان ومن خير ما جاء منه ، أي : من اليقين إلا أنه قال : المراد ثواب الإيمان الذي هو التصديق ، وبه يقع التفاضل فإن اتبعه بالعمل عظم ثوابه ، وإن كان على خلاف ذلك نقص ثوابه . فإن قلت : كيف يعلمون ما كان في قلوبهم في الدنيا من الإيمان ، ومقداره .

قلت : لعله بعلامات كما يعلمون أنهم من أهل التوحيد . قوله : كما تنبت الحبة.. . الخ فيه تشبيه متعدد ، وهو التشبيه من حيث الإسراع ، ومن حيث ضعف النبات ، ومن حيث الطراوة ، والحسن ، والمعنى : من كان في قلبه مثقال حبة من الإيمان يخرج من ذلك الماء نضرا حسنا منبسطا متبخترا كخروج هذه الريحانة من جانب السيل صفراء متميلة ، وهذا يؤيد كون اللام في الحبة للجنس ؛ لأن بقلة الحمقاء ليست صفراء إلا أن يقصد به مجرد الحسن والطراوة ، وقد ذكرنا وجه كونها للعهد .

( بيان استنباط الفوائد ) : الأولى : فيه حجة لأهل السنة على المرجئة حيث علم منه دخول طائفة من عصاة المؤمنين النار إذ مذهبهم أنه لا يضر مع الإيمان معصية فلا يدخل العاصي النار . الثانية : فيه حجة على المعتزلة حيث دل على عدم وجوب تخليد العاصي في النار . الثالثة : فيه دليل على تفاضل أهل الإيمان في الأعمال .

الرابعة : ما قيل : إن الأعمال من الإيمان لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : خردل من إيمان ، والمراد ما زاد على أصل التوحيد . قلت : لا دلالة فيه على ذلك أصلا على ما لا يخفى .

ورد في أحاديث2 حديثان
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث