باب من قال إن الإيمان هو العمل
باب : من قال : إن الإيمان هو العمل لقول الله تعالى : ﴿وَتِلْكَ الْجَنَّةُ الَّتِي أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ ﴾الكلام فيه على أنواع : الأول : إن لفظ باب مضاف إلى ما بعده ، ولا يجوز غيره قطعا ، وارتفاعه على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي : هذا باب من قال.. . الخ ، وأصل الكلام هذا باب في بيان قول من قال : إن الإيمان هو العمل . الثاني : وجه المناسبة بين البابين من حيث إنه عقد الباب : الأول : للتنبيه على أن الأعمال من الإيمان ردا على المرجئة ، وهذا الباب أيضا معقود لبيان أن الإيمان هو العمل ردا عليهم .
وقال الشيخ قطب الدين في شرحه في هذا الباب إنما أراد البخاري الرد على المرجئة في قولهم : إن الإيمان قول بلا عمل ، وقال : قال القاضي عياض عن غلاتهم : إنهم يقولون : إن مظهر الشهادتين يدخل الجنة ، وإن لم يعتقده بقلبه . الثالث : وجه مطابقة الآية للترجمة هو أن الإيمان لما كان هو السبب لدخول العبد الجنة ، والله عز وجل أخبر بأن الجنة هي التي أورثوها بأعمالهم حيث قال : بما كنتم تعملون . دل ذلك على أن الإيمان هو العمل ، وفي الآية الأخرى أطلق على قول : لا إله إلا الله العمل ، فدل على أن الإيمان هو العمل ، فعلى هذا معنى قوله : بما كنتم تعملون .
بما كنتم تؤمنون على ما زعمه البخاري على ما نقل عن جماعة من المفسرين ، ولكن اللفظ عام ، ودعوى التخصيص بلا برهان لا تقبل ، ولهذا قال النووي : هو تخصيص بلا دليل ، وهاهنا مناقشة أخرى ، وهي أن إطلاق العمل على الإيمان صحيح من حيث إن الإيمان هو عمل القلب ، ولكن لا يلزم من ذلك أن يكون العمل من نفس الإيمان ، وقصد البخاري من هذا الباب وغيره إثباته أن العمل من أداء الإيمان ردا على من يقول : إن العمل لا دخل له في ماهية الإيمان ، فحينئذ لا يتم مقصوده على ما لا يخفى ، وإن كان مراده جواز إطلاق العمل على الإيمان ، فهذا لا نزاع فيه لأحد ؛ لأن الإيمان عمل القلب ، وهو التصديق . الرابع : قوله : وتلك إشارة إلى الجنة المذكورة في قوله : ﴿ادخلوا الجنة أنتم وأزواجكم تحبرون ﴾، وهي مبتدأ ، والجنة خبره . وقوله : التي أورثتموها صفة الجنة .
وقال الزمخشري أو الجنة صفة للمبتدأ الذي هو اسم الإشارة ، والتي أورثتموها خبر المبتدأ ، والتي أو التي أورثتموها صفة ، وبما كنتم تعملون الخبر ، والباء تتعلق بمحذوف كما في الظروف التي تقع أخبارا ، وفي الوجه الأول تتعلق بأورثتموها ، وقرئ : ورثتموها . فإن قلت : الإيراث إبقاء المال بعد الموت لمن يستحقه ، وحقيقته ممتنعة على الله تعالى ؟ فما معنى الإيراث هاهنا . قلت : هذا من باب التشبيه .
قال الزمخشري : شبهت في بقائها على أهلها بالميراث الباقي على الورثة ، ويقال : المورث هنا الكافر ، وكان له نصيب منها ، ولكن كفره منعه ، فانتقل منه إلى المؤمنين ، وهذا معنى الإيراث ، ويقال : المورث هو الله تعالى ، ولكنه مجاز عن الإعطاء على سبيل التشبيه لهذا الإعطاء بالإيراث . فإن قلت : كلمة ما في قوله : بِمَا كُنْتُمْ ما هي ؟ قلت : يجوز أن تكون مصدرية فالمعنى : بكونكم عاملين ، ويجوز أن تكون موصولة ، فالمعنى بالذي كنتم تعملونه . فإن قلت : كيف الجمع بين هذه الآية ، وقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لن يدخل أحدكم الجنة بعمله .
قلت : الباء في قوله : بِمَا كُنْتُمْ ليست للسببية بل للملابسة ، أي : أورثتموها ملابسة لأعمالكم ، أي : لثواب أعمالكم أو للمقابلة نحو : أعطيت الشاة بالدرهم ، وقال الشيخ جمال الدين : المعنى الثامن للباء المقابلة ، وهي الداخلة على الأعواض كاشتريته بألف درهم ، وقولهم هذا بذاك ، ومنه قوله تعالى : ادْخُلُوا الْجَنَّةَ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ وإنما لم نقدرها باء السببية كما قالت المعتزلة ، وكما قال الجميع في : لن يدخل أحدكم الجنة بعمله ؛ لأن المعطي بعوض قد يعطي مجانا ، وأما المسبب فلا يوجد بدون السبب ، وقد تبين أنه لا تعارض بين الحديث والآية لاختلاف محلي البابين جمعا بين الأدلة . وقال الكرماني : أو إن الجنة في تلك الجنة جنة خاصة ، أي : تلك الجنة الخاصة الرفيعة العالية بسبب الأعمال . وأما أصل الدخول فبرحمة الله .
قلت : أشير بهذه الجنة إلى الجنة المذكورة فيما قبلها ، وهي الجنة المعهودة ، والإشارة تمنع ما ذكره . وقال النووي في الجواب : إن دخول الجنة بسبب العمل ، والعمل برحمة الله تعالى . قلت : المقدمة الأولى ممنوعة ؛ لأنها تخالف صريح الحديث فلا يلتفت إليها .
وقال عدة من أهل العلم في قوله تعالى : ﴿فوربك لنسألنهم أجمعين ٩٢ عما كانوا يعملون ﴾عن قول : لا إله إلا الله . الكلام فيه على وجوه : الأول : إن العدة بكسر العين ، وتشديد الدال هي الجماعة . قلت : أو كثرت ، وفي ( العباب ) تقول أنفدت عدة كتب ، أي : جماعة كتب ، ويقال : فلان إنما يأتي أهله العدة ، أي : يأتي أهله في الشهر ، والشهرين ، وعدة المرأة أيام إقرائها ، وأما العد بدون الهاء فهو الماء الذي لا ينقطع كماء العين ، وماء البئر ، والعد أيضا الكثرة .
قوله : عدة مرفوع بقال ، ويجوز فيه : قال ، وقالت : لأن التأنيث في عدة غير حقيقي ، وكلمة من في قوله : من أهل العلم للبيان . قوله : في قوله يتعلق بقال ، والخطاب في فَوَرَبِّكَ للنبي صَلَّى اللَّهُ تعالى عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، والواو فيه للقسم ، وقوله : لَنَسْأَلَنَّهُمْ جواب القسم مؤكدا باللام . قوله : عن قول يتعلق بقوله : لَنَسْأَلَنَّهُمْ ، أي : لنسألنهم عن كلمة الشهادة التي هي عنوان الإيمان ، وعن سائر أعمالهم التي صدرت منهم .
الثاني : أن الجماعة الذين ذهبوا إلى ما ذكره نحو أنس بن مالك ، وعبد الله بن عمر ، ومجاهد بن جبر رضي الله عنهم . وأخرج الترمذي مرفوعا عن أنس : ﴿فَوَرَبِّكَ لَنَسْأَلَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ ٩٢ عَمَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ ﴾قال : عن لا إله إلا الله ، وفي إسناده ليث بن أبي سليم ، وهو ضعيف لا يحتج به ، والذي روى عن ابن عمر في ( التفسير ) للطبري ، وفي كتاب ( الدعاء ) للطبراني ، والذي روى عن مجاهد في تفسير عبد الرزاق وغيره . وقال النووي : في الآية وجه آخر ، وهو المختار ، والمعنى لنسألنهم عن أعمالهم كلها التي يتعلق بها التكليف ، وقول من خص بلفظ التوحيد دعوى تخصيص بلا دليل فلا تقبل ، ثم روى حديث الترمذي وضعفه .
وقال بعضهم : لتخصيصهم وجه من جهة التعميم في قوله : أَجْمَعِينَ فيدخل فيه المسلم والكافر ، فإن الكافر مخاطب بالتوحيد بلا خلاف بخلاف باقي الأعمال ، ففيها الخلاف ، فمن قال : إنهم مخاطبون ، يقول : إنهم مسؤولون عن الأعمال كلها ، ومن قال : إنهم غير مخاطبين يقول : إنما يسألون عن التوحيد فقط ، فالسؤال عن التوحيد متفق عليه ، فحمل الآية عليه أولى بخلاف الحمل على جميع الأعمال لما فيها من الاختلاف . قلت : هذا القائل قصد بكلامه الرد على النووي ، ولكنه تاه في كلامه ، فإن النووي لم يقل بنفي التخصيص لعدم التعميم في الكلام ، وإنما قال : دعوى التخصيص بلا دليل خارجي لا تقبل ، والأمر كذلك فإن الكلام عام في السؤال عن التوحيد وغيره ، ثم دعوى التخصيص بالتوحيد يحتاج إلى دليل من خارج ، فإن استدلوا بالحديث المذكور فقد أجاب عنه بأنه ضعيف . وهذا القائل فهم أيضا أن النزاع في أن التخصيص والتعميم هنا إنما هو من جهة التعميم في قوله : أَجْمَعِينَ ، وليس كذلك ، وإنما هو في قوله : ﴿عما كانوا يعملون ﴾ فإن العمل هنا أعم من أن يكون توحيدا أو غيره ، وتخصيصه بالتوحيد تحكم قوله : فيدخل فيه المسلم ، والكافر غير مسلم ؛ لأن الضمير في لنسألنهم يرجع إلى المستهزئين ﴿الذين جعلوا القرآن عضين ﴾، وهم ناس مخصوصون ، ولفظة أجمعين وقعت توكيدا للضمير المذكور في النسبة مع الشمول في أفراده المخصوصين ، ثم تفريع هذا القائل بقوله : فإن الكافر.. .
إلخ ليس له دخل في صورة النزاع على ما لا يخفى . الثالث : ما قيل : إن هذه الآية أثبتت السؤال على سبيل التوكيد القسمي ، وقال في آية أخرى : ﴿فيومئذ لا يسأل عن ذنبه أنس ولا جان ﴾. فنفت السؤال ، وأجيب بأن في القيامة مواقف مختلفة ، وأزمنة متطاولة ، ففي موقف أو زمان يسألون ، وفي آخر لا يسألون سؤال استخبار بل سؤال توبيخ ، وقال الزمخشري في هذه الآية لنسألهم سؤال تقريع ، ويقال .
قوله : لا يسأل عن ذنبه أنس ولا جان نظير قوله : ولا تزر وازرة وزر أخرى . وقال ﴿لمثل هذا فليعمل العاملون ﴾، أي قال الله تعالى : لِمِثْلِ هَذَا والإشارة بهذا إلى قوله : ﴿إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ ﴾وذكر هذه الآية لا يكون مطابقا للترجمة إلا إذا كان معنى قوله : فَلْيَعْمَلِ الْعَامِلُونَ فليؤمن المؤمنون ، ولكن هذا دعوى تخصيص بلا دليل فلا تقبل ، وإلى هذه الآية من قوله تعالى : ﴿فَأَقْبَلَ بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ يَتَسَاءَلُونَ ﴾قصة المؤمن وقرينه ، وذلك أنه كان يتصدق بماله لوجه الله عز وجل ، فاحتاج فاستجدى بعض إخوانه ، فقال : وأين مالك ؟ قال : تصدقت به ليعوضني الله خيرا منه ، فقال : أئنك لمن المصدقين بيوم الدين أو من المتصدقين لطلب الثواب ، والله لا أعطيك شيئا ، وقوله تعالى أَإِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا وَعِظَامًا أَإِنَّا لَمَدِينُونَ حكاية عن قول القرين ، ومعنى لمدينون : لمجزيون من الدين ، وهو الجزاء . وقوله : ﴿قَالَ هَلْ أَنْتُمْ مُطَّلِعُونَ ﴾يعني : قال ذلك القائل : هل أنتم مطلعون إلى النار ، ويقال : القائل هو الله تعالى ، ويقال : بعض الملائكة يقول لأهل الجنة : هل تحبون أن تطلعوا فتعلموا أين منزلتكم من منزلة أهل النار .
وقوله : فَاطَّلَعَ أي : فإن اطلع . قوله : فِي سَوَاءِ الْجَحِيمِ ، أي : في وسطها . قوله : تَاللَّهِ إِنْ كِدْتَ إن مخففة من الثقيلة ، وهي تدخل على كاد كما تدخل على كان ، واللام هي الفارقة بينها وبين النافية ، والإرداء الإهلاك ، وأراد بالنعمة العصمة ، والتوفيق ، والبراءة من قرين السوء ، وإنعام الله بالثواب ، وكونه من أهل الجنة .
قوله : مِنَ الْمُحْضَرِينَ أي : من الذين أحضروا العذاب ، وقوله : ﴿إن هذا لهو الفوز العظيم ﴾، أي : إن هذا الأمر الذي نحن فيه ، ويقال : هذا من قول الله تعالى تقريرا لقولهم وتصديقا له ، وقوله : ﴿لمثل هذا فليعمل العاملون ﴾. مرتبط بقوله : إن هذا ، أي : لأجل مثل هذا الفوز العظيم ، وهو دخول الجنة ، والنجاة من النار فليعمل العاملون في الدنيا ، وقال بعضهم : يحتمل أن يكون قائل ذلك المؤمن الذي رأى قرينه ، ويحتمل أن يكون كلامه انقضى عند قوله : الْفَوْزُ الْعَظِيمُ والذي بعد ابتداء من قول الله عز وجل لا حكاية عن قول المؤمن ، ولعل هذا هو السر في إبهام المصنف القائل . قلت : المفسرون ذكروا في قائل هذا ثلاثة أقوال : الأول : أن القائل هو ذلك المؤمن .
والثاني : أنه هو الله عز وجل . والثالث : أنه هو بعض الملائكة ، ولا يحتاج أن يقال في ذلك بالاحتمال الذي ذكره هذا الشارح ؛ لأن كلامه يوهم بأن هذا تصرف من عنده فلا يصح ذلك ، ثم قوله : ولعل هذا هو السر في إبهام المصنف ، أراد به البخاري كلام غير صحيح أيضا من وجهين أحدهما أن البخاري لم يقصد ما ذكره هذا الشارح قط ؛ لأن مراد من ذكر هذه الآية بيان إطلاق العمل على الإيمان ليس إلا ، والآخر ذكر فعل ، وإبهام فاعله من غير مرجع له ، ومن غير قرينة على تعيينه غير صحيح .