حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب من قال إن الإيمان هو العمل

حدثنا أحمد بن يونس ، وموسى بن إسماعيل ، قالا : حدثنا إبراهيم بن سعد ، قال : حدثنا ابن شهاب ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل : أي العمل أفضل ؟ فقال : إيمان بالله ورسوله . قيل : ثم ماذا ؟ قال : الجهاد في سبيل الله . قيل : ثم ماذا ؟ قال : حج مبرور .

مطابقة هذا الحديث للترجمة ظاهرة ، وهي إطلاق العمل على الإيمان . وقال ابن بطال : الآية حجة في أن العمل به ينال درجات الآخرة ، وأن الإيمان : قول وعمل ، ويشهد له الحديث المذكور ، وأراد به هذا الحديث ، ثم قال : وهو مذهب جماعة أهل السنة . قال أبو عبيدة : وهو قول مالك ، والثوري ، والأوزاعي ، ومن بعدهم ، ثم قال : وهو مراد البخاري بالتبويب ، وقال أيضا في هذا الحديث : إن النبي صلى الله عليه وسلم جعل الإيمان من العمل ، وفرق في أحاديث أُخَر بين الإيمان والأعمال ، وأطلق اسم الإيمان مجردا على التوحيد وعمل القلب ، والإسلام على النطق وعمل الجوارح ، وحقيقة الإيمان مجرد التصديق المطابق للقول والعقد ، وتمامه بتصديق العمل بالجوارح ، فلهذا أجمعوا أنه لا يكون مؤمن تام الإيمان إلا باعتقاد ، وقول وعمل ، وهو الإيمان الذي ينجي رأسا من نار جهنم ، ويعصم المال والدم ، وعلى هذا يصح إطلاق الإيمان على جميعها ، وعلى بعضها من عقد أو قول أو عمل ، وعلى هذا لا شك بأن التصديق والتوحيد أفضل الأعمال ؛ إذ هو شرط فيها .

( بيان رجاله ) ، وهم ستة : الأول : أحمد بن يونس ، هو أحمد بن عبد الله بن يونس بن عبد الله بن قيس اليربوعي التميمي يكنى بأبي عبد الله ، واشتهر بأحمد بن يونس منسوبا إلى جده ، يقال : إنه مولى الفضيل بن عياض سمع مالكا وابن أبي ذئب ، والليث ، والفضيل ، وخلقا كثيرا ، روى عنه أبو زرعة ، وأبو حاتم ، وإبراهيم الحربي ، والبخاري ، ومسلم ، وأبو داود ، وروى البخاري عن يوسف بن موسى عنه ، وروى الترمذي ، والنسائي ، وابن ماجه عن رجل عنه . قال أبو حاتم : كان ثقة متقنا . وقال أحمد فيه : شيخ الإسلام ، توفي في ربيع الآخر سنة سبع وعشرين ومائتين ، وهو ابن أربع وتسعين سنة .

الثاني : موسى بن إسماعيل المنقري بكسر الميم ، وقد سبق ذكره . الثالث : إبراهيم بن سعد سبط عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه ، وقد سبق ذكره . الرابع : محمد بن مسلم بن شهاب الزهري ، وقد سبق ذكره .

الخامس : سعيد بن المسيب ، بضم الميم ، وفتح الياء على المشهور ، وقيل : بالكسر ، وكان يكره فتحها ، وأما غير والد سعيد فبالفتح من غير خلاف كالمسيب بن رافع ، وابنه العلاء بن المسيب وغيرهما ، والمسيب ، هو ابن حزن ، بفتح الحاء المهملة ، وسكون الزاي المعجمة ابن أبي وهب بن عمرو بن عايذ بالياء آخر بالحروف ، والذال المعجمة ابن عمران بن مخزوم بن يقظة ، بفتح الياء آخر الحروف ، والقاف ، والظاء المعجمة ابن مرة القرشي المخزومي المدني إمام التابعين ، وفقيه الفقهاء ، أبوه وجده صحابيان أسلما يوم فتح مكة ، ولد لسنتين مضتا من خلافة عمر رضي الله عنه ، وقيل : لأربع ، سمع عمر ، وعثمان ، وعليا ، وسعد بن أبي وقاص ، وأبا هريرة رضي الله عنهم ، وهو زوج بنت أبي هريرة ، وأعلم الناس بحديثه ، وروى عنه خلق من التابعين وغيرهم ، واتفقوا على جلالته وإمامته ، وتقدمه على أهل عصره في العلم والتقوى ، وقال ابن المديني : لا أعلم في التابعين أوسع علما منه . وقال أحمد : سعيد أفضل التابعين ؟ فقيل له : فسعيد عن عمر حجة ، قال : فإذا لم يقبل سعيد عن عمر ، فمن يقبل ؟ وقال أبو حاتم : ليس في التابعين أنبل من سعيد بن المسيب ، وهو أثبتهم . وقال النووي في ( تهذيب الأسماء ) : وأما قولهم : إنه أفضل التابعين فمرادهم أفضلهم في علوم الشرع ، وإلا ففي صحيح مسلم عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يقول : إن خير التابعين رجل يقال له : أويس ، وبه بياض ، فمروه فليستغفر لكم .

وقال أحمد بن عبد الله : كان صالحا فقيها من الفقهاء السبعة بالمدينة ، وكان أعور . وقال ابن قتيبة : كان جده حزن أتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال له : أنت سهل ؟ قال : لا ، بل أنا حزن ، ثلاثا . قال سعيد : فما زلنا نعرف تلك الحزونة فينا ، ففي ولده سوء خلق ، وكان حج أربعين حجة لا يأخذ العطاء ، وكان له بضاعة أربعمائة دينار يتجر بها في الزيت ، وكان جابر بن الأسود على المدينة ، فدعا سعيدا إلى البيعة لابن الزبير فأبى فضربه ستين سوطا ، وطاف به المدينة ، وقيل : ضربه هشام بن الوليد أيضا حين امتنع للبيعة للوليد ، وحبسه وحلقه ، مات سنة ثلاث أو أربع أو خمس وتسعين في خلافة الوليد بن عبد الملك بالمدينة ، وكان يقال لهذه السنة : سنة الفقهاء لكثرة من مات فيها منهم .

وقال الشيخ قطب الدين في ( شرحه ) ، وفي نسب سعيد هذا : يتفاضل النساب في تحقيقه ، فإن في بني مخزوم عابدا بالباء الموحدة ، والدال المهملة ، وعايذ بالمثناة آخر الحروف ، والذال المعجمة ، فالأول هو عابد بن عبد الله بن عمرو بن مخزوم ، ومن ولده السائب والمسيب ابنا أبي السائب ، واسم أبي السائب صيفي بن عابد بن عبد الله ، وولده عبد الله بن السائب شريك النبي صلى الله عليه وسلم ، وعن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال فيه : نعم الشريك . وقيل : الشريك أبوه السائب ، وعتيق بن عابد بن عبد الله ، وكان على خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها قبل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأما عايذ بن عمران فمن ولده سعيد وأبوه كما تقدم ، وفاطمة أم عبد الله والد رسول الله صلى الله عليه وسلم بنت عمرو بن عايذ بن عمران ، وهبيرة بن أبي وهيب بن عمرو بن عايذ بن عمران ، وهبيرة هذا هو زوج أم هانئ بنت أبي طالب فر من الإسلام يوم فتح مكة ، فمات كافرا بنجران ، والله أعلم . السادس : أبو هريرة عبد الرحمن بن صخر رضي الله عنه ، وقد مر ذكره .

( بيان لطائف إسناده ) منها أن فيه التحديث والعنعنة . ومنها أن فيه شيخين للبخاري . ومنها أن فيه أربعة كلهم مدنيون .

( بيان من أخرجه غيره ) أخرجه مسلم أيضا في كتاب الإيمان ، وأخرجه النسائي أيضا نحوه ، وفي رواية للنسائي : أي الأعمال أفضل ؟ قال : الإيمان بالله ورسوله ، ولم يزد ، وأخرجه الترمذي أيضا ، ولفظه قال : سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي الأعمال خير ، وذكر الحديث ، وفيه قال : الجهاد سنام العمل . ( بيان اللغات ) قوله : أفضل ، أي : الأكثر ثوابا عند الله ، وهو أفعل التفضيل من فضل يفضل ، من باب دخل يدخل ، ويقال : فضل يفضل من باب سمع يسمع ، حكاها ابن السكيت ، وفيه لغة ثالثة فضل بالكسر يفضل بالضم ، وهي مركبة شاذة لا نظير لها . قال سيبويه : هذا عند أصحابنا إنما يجيء على لغتين .

قال : وكذلك نعم ينعم ، ومت تموت ، ودمت تدوم ، وكدت تكاد ، وفي ( العباب ) فضلته فضلا ، أي : غلبته بالفضل ، وفضل منه شيء ، والفضل والفضيلة خلاف النقص والنقيصة . قوله : الجهاد مصدر جاهد في سبيل الله مجاهدة ، وجهادا ، وهو من الجهد بالفتح ، وهو المشقة ، وهو القتال مع الكفار لإعلاء كلمة الله ، والسبيل : الطريق ، يذكر ويؤنث . قوله : حج مبرور الحج في اللغة القصد ، وأصله من قولك : حججت فلانا أحجه حجا إذا عدت إليه مرة بعد أخرى ، فقيل : حج البيت ؛ لأن الناس يأتونه في كل سنة ، قاله الأزهري ، وفي ( العباب ) رجل محجوج ، أي : مقصود ، وقد حج بنو فلان فلانا إذا أطالوا الاختلاف إليه .

قال المخبل السعدي : واشهد من عوف حلولا كثيرة يحجون سب الزبرقان المزعفرا قال ابن السكيت : يقول : يكثرون الاختلاف إليه هذا الأصل ، ثم تعورف استعماله في القصد إلى مكة حرسها الله للنسك تقول : حججت البيت أحجه حجا فأنا حاج ، ويجمع على حجج مثل بازل وبزل ، وعائذ وعوذ ، انتهى . وفي الشرع : الحج قصد زيارة البيت على وجه التعظيم . وقال الكرماني : الحج قصد الكعبة للنسك بملابسة الوقوف بعرفة .

قلت : الحلول ، بضم الحاء المهملة ، يقال : قوم حلول ، أي : نزول ، وكذلك حلال بالكسر ، والسب بكسر السين المهملة ، وتشديد الباء الموحدة العمامة ، والزبرقان بكسر الزاي ، وسكون الباء الموحدة ، وكسر الراء المهملة ، وبالقاف هو لقب ، واسمه الحصين . قال ابن السكيت : لقب الزبرقان لصفرة عمامته ، والمبرور هو الذي لا يخالطه إثم ، ومنه برت يمينه إذا سلم من الحنث ، وقيل : هو المقبول ، ومن علامات القبول أنه إذا رجع يكون حاله خيرا من الحال الذي قبله ، وقيل : هو الذي لا رياء فيه ، وقيل : هو الذي لا تتعقبه معصية ، وهما داخلان فيما قبلهما ، والبر بالكسر الطاعة والقبول ، يقال : بر حجك ، بضم الباء وفتحها لازمين ، وبر الله حجك ، وأبر الله ، أي قبله فله أربع استعمالات ، وقال الأزهري : المبرور المتقبل ، يقال : بر الله حجه يبره ، أي تقبله ، وأصله من البر ، وهو اسم لجماع الخير ، وبررت فلانا أبره برا إذا وصلته ، وكل عمل صالح بر ، وجعل لبيد البر التقوى ، فقال : وما البر إلا مضمرات من التقى وما المال إلا معمرات ودائع قوله : مضمرات ، يعني : الخفايا من التقى . قوله : وما المال إلا معمرات أي : المال الذي في أيديكم ودائع مدة عمركم ، ثم يصير لغيركم ، وأما قول عمرو بن أم مكتوم : نحز رؤوسهم في غير بر فمعناه في غير طاعة ، وفي ( العباب ) : المبرة والبر خلاف العقوق ، وقوله تعالى : أَتَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبِرِّ أي : بالاتساع في الإحسان والزيادة منه ، وقوله عز وجل : لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ قال السدي : يعني الجنة ، والبر أيضا الصلة ، تقول : منه بررت ، والذي بالكسر ، وبررته بالفتح أبره برا ، والمبرور الذي لا شبهة فيه ، ولا خلابة ، وقال أبو العباس : هو الذي لا يدالس فيه ، ولا يوالس ، يدالس فيه : يظلم فيه ، ويوالس : يخون .

( بيان الإعراب ) : قوله : سئل جملة في محل الرفع ؛ لأنها خبر أن ، والسائل هو أبو ذر رضي الله عنه ، وحديثه في العتق . قوله : أي العمل كلام إضافي مبتدأ ، وخبره أفضل ، وأي هاهنا استفهامية ، ولا تستعمل إلا مضافا إليه إلا في النداء والحكاية ، يقال : جاءني رجل ، فتقول : أي يا هذا ، وجاءني رجلان ، فتقول : أيان . ورجال فتقول : أيون .

فإن قلت : أفضل أفعل التفضيل ، ولا يستعمل إلا بأحد الأوجه الثلاثة ، وهي الإضافة واللام ، ومن فلا يجوز أن يقال : زيد أفضل . قلت : إذا علم يجوز استعماله مجردا ، نحو : الله أكبر ، أي : أكبر من كل شيء ، ومنه قوله تعالى : أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ وسواء في ذلك كون أفعل خبرا كما في الآية أو غير خبر كما في قوله تعالى : يَعْلَمُ السِّرَّ وَأَخْفَى وقد يجرد أفعل عن معنى التفضيل ، ويستعمل مجردا مؤولا باسم الفاعل ، نحو قوله تعالى : هُوَ أَعْلَمُ بِكُمْ إِذْ أَنْشَأَكُمْ مِنَ الأَرْضِ وقد يؤول بالصفة كما في قوله تعالى : وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ وَهُوَ أَهْوَنُ عَلَيْهِ قوله : قال أي النبي عليه السلام ، قوله : إيمان بالله مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي : هو إيمان بالله ، والتقدير أفضل الأعمال الإيمان بالله . قوله : ورسوله بالجر تقديره : والإيمان برسوله .

قوله : قيل مجهول . قال : وأصله قول ، نقلت كسرة الواو إلى القاف بعد سلب حركتها ، فصار قول بكسر القاف وسكون الواو ، ثم قلبت الواو ياء لسكونها ، وانكسار ما قبلها فصار : قيل ، والقائل هو السائل في الأول . قوله : ثم ماذا ، كلمة ثم للعطف مع الترتيب الذكري ، وما مبتدأ ، وذا خبره ، وكلمة ما استفهامية ، وذا اسم إشارة ، والمعنى : ثم أي شيء أفضل بعد الإيمان بالله ورسوله ، ويجوز أن تكون الجملة كلها استفهاما على الترتيب .

قوله : الجهاد مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف ، أي : هو الجهاد ، والتقدير : أفضل الأعمال بعد الإيمان بالله ورسوله الجهاد ، وكذلك الكلام في إعراب قوله : ثم ماذا ؟ قال : حج مبرور . ( بيان المعاني والبيان ) فيه حذف المبتدأ في ثلاث مواضع ، الذي هو المسند إليه لكونه معلوما احترازا عن العبث ، وفيه تنكير الإيمان والحج ، وتعريف الجهاد ، وذلك لأن الإيمان والحج لا يتكرر وجوبهما بخلاف الجهاد ؛ فإنه قد يتكرر ، فالتنوين للإفراد الشخصي ، والتعريف للكمال إذ الجهاد لو أتى به مرة مع الاحتياج إلى التكرار لما كان أفضل ، وقال بعضهم : وتعقب عليه بأن التنكير من جملة وجوهه التعظيم ، وهو يعطي الكمال ، وبأن التعريف من جملة وجوهه العهد ، وهو يعطي الإفراد الشخصي فلا يسلم الفرق . قلت : هذا التعقيب فاسد ؛ لأنه لا يلزم من كون التعظيم من جملة وجوه التنكير أن يكون دائما للتعظيم ، بل يكون تارة للإفراد ، وتارة للنوعية ، وتارة للتعظيم ، وتارة للتحقير ، وتارة للتكثير ، وتارة للتقليل ، ولا يعرف الفرق ، ولا يميز إلا بالقرينة الدالة على واحد منها ، وهاهنا دلت القرينة على أن التنكير للإفراد الشخصي ، وقوله : وبأن التعريف من وجوهه العهد فاسد عند المحققين ؛ لأن عندهم أصل التعريف للعهد ، وفرق كثير بين كونه للعهد ، وبين كون العهد من وجوهه على أنا وإن سلمنا ما قاله ، ولكنا لا نسلم كونه للعهد هاهنا ؛ لأن تعريف الاسم تارة يكون لواحد من أفراد الحقيقة الجنسية باعتبار عهديته في الذهن لكونه فردا من أفرادها ، وتارة يكون لاستغراق جميع الأفراد ، ولا يفرق بينهما إلا بالقرينة على أنا نقول : إن المعهود الذهني في المعنى كالنكرة نحو : رجل ، فإن السوق في قولك : ادخل السوق يحتمل كل فرد ، فرد من أفراد السوق على البدل ، كما أن رجلا يحتمل كل فرد ، فرد من ذكور بني آدم على البدل ، ولهذا يقدر يسبني في قول الشاعر : ولقد أمر على اللئيم يسبني فمضيت ثمت قلت لا يعنيني وصفا للئيم لا حالا لوجوب كون ذي الحال معرفة ، واللئيم كالنكرة فافهم .

فإن قلت : قد وقع في ( مسند الحارث بن أبي أسامة ) ، عن إبراهيم بن سعد ، ثم جهاد بالتنكير ، كما وقع إيمان وحج . قلت : يكون التنكير في الجهاد على هذه الرواية للإفراد الشخصي كما في الإيمان ، والحج مع قطع النظر عن تكرره عند الاحتياج ، أو يكون التنوين في الثلاثة إشارة إلى التعظيم ، وبهذا يرد على من يقول : إن التنكير والتعريف فيه من تصرف الرواة ؛ لأن مخرجه واحد ، فالإطالة في طلب الفرق في مثل هذا غير طائلة ، ولقد صدق القائل : إنباض عن غير توتير . ( بيان استنباط الفوائد ) منها الدلالة على نيل الدرجات بالأعمال .

ومنها الدلالة على أن الإيمان قول وعمل . ومنها الدلالة على أن الأفضل بعد الإيمان الجهاد ، وبعده الحج المبرور . فإن قلت : في حديث ابن مسعود رضي الله عنه : أي العمل أفضل ؟ قال : الصلاة على وقتها .

ثم ذكر بر الوالدين ، ثم الجهاد ، وفي حديث ابن عمر رضي الله عنهما ، أي الإسلام خير ؟ قال : تطعم الطعام ، وتقرأ السلام على من عرفت ومن لم تعرف . وفي حديث أبي موسى رضي الله عنه : أي الإسلام أفضل ؟ قال : من سلم المسلمون من لسانه ويده . وفي حديث أبي ذر رضي الله عنه : سألت رسول الله صلى الله عليه وسلم : أي العمل أفضل ؟ قال : الإيمان بالله ، والجهاد في سبيله .

قلت : فأي الرقاب أفضل ؟ قال : أغلاها ثمنا ، وأنفسها عند أهلها . الحديث ، ولم يذكر فيه الحج ، وكلها في الصحيح . قلت : قد ذكر الإمام الحسين بن الحسن بن محمد بن حكيم الحليمي الشافعي عن القفال الكبير الشافعي الشاشي ، واسمه أبو بكر محمد بن علي في كيفية الجمع وجهين ، أحدهما : أنه جرى على اختلاف الأحوال والأشخاص كما روي أنه عليه السلام قال : حجة لمن يحج أفضل من أربعين غزوة ، وغزوة لمن حج أفضل من أربعين حجة ، والآخر أن لفظة من مرادة ، والمراد من أفضل الأعمال كذا ، كما يقال : فلان أعقل الناس ، أي : من أعقلهم ، ومنه قوله عليه السلام : خيركم خيركم لأهله ، ومعلوم أنه لا يصير بذلك خير الناس .

قلت : وبالجواب الأول أجاب القاضي عياض ، فقال : أَعْلَمَ كل قوم بما لهم إليه حاجة ، وترك ما لم تدعهم إليه حاجة ، أو ترك ما تقدم علم السائل إليه أو علمه بما لم يكمله من دعائم الإسلام ، ولا بلغه عمله ، وقد يكون للمتأهل للجهاد الجهاد في حقه أولى من الصلاة وغيرها ، وقد يكون له أبوان لو تركهما لضاعا ، فيكون برهما أفضل لقوله عليه السلام : ففيهما فجاهد ، وقد يكون الجهاد أفضل من سائر الأعمال عند استيلاء الكفار على بلاد المسلمين . قلت : الحاصل أن اختلاف الأجوبة في هذه الأحاديث لاختلاف الأحوال ، ولهذا سقط ذكر الصلاة والزكاة والصيام في هذا الحديث المذكور في هذا الباب ، ولا شك أن الثلاث مقدمات على الحج والجهاد ، ويقال : إنه قد يقال : خير الأشياء كذا ، ولا يراد أنه خير من جميع الوجوه في جميع الأحوال والأشخاص ، بل في حال دون حال . ( فإن قيل ) : كيف قدم الجهاد على الحج مع أن الحج من أركان الإسلام ، والجهاد فرض كفاية ، يقال : إنما قدمه للاحتياج إليه أول الإسلام ، ومحاربة الأعداء ، ويقال : إن الجهاد قد يتعين كسائر فروض الكفاية ، وإذا لم يتعين لم يقع إلا فرض كفاية ، وأما الحج فالواجب منه حجة واحدة ، وما زاد نفل فإن قابلت واجب الحج بمتعين الجهاد كان الجهاد أفضل لهذا الحديث ، ولأنه شارك الحج في الفرضية .

وزاد بكونه نفعا متعديا إلى سائر الأمة ، وبكونه ذبا عن بيضة الإسلام ، وقد قيل : ثم هاهنا للترتيب في الذكر كقوله تعالى : ثُمَّ كَانَ مِنَ الَّذِينَ آمَنُوا وقيل : ثم لا يقتضي ترتيبا ، فإن قابلت نفل الحج بغير متعين الجهاد كان الجهاد أفضل لما أنه يقع فرض كفاية ، وهو أفضل من النفل بلا شك ، وقال إمام الحرمين في كتاب ( الغياثى ) : فرض الكفاية عندي أفضل من فرض العين من حيث إن فعله مسقط للحرج عن الأمة بأسرها ، وبتركه يعصي المتمكنون منه كلهم ، ولا شك في عظم وقع ما هذه صفته ، والله أعلم .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث