باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر
ويذكر عن الحسن ما خافه إلا مؤمن ولا أمنه إلا منافق . الحسن هو البصري رحمه الله ، أي ما خاف الله تعالى إلا مؤمن ، ولا أمن الله تعالى إلا منافق ، وكل واحد من خاف وأمن يتعدى بنفسه ، قال تعالى : إِنَّمَا ذَلِكُمُ الشَّيْطَانُ يُخَوِّفُ أَوْلِيَاءَهُ فَلا تَخَافُوهُمْ وقال الجوهري : أمنته على كذا وائتمنته بمعنى ، وقال تعالى : ﴿وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ ﴾وقال : فَلا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ وقال الكرماني : ما خافه أي ما خاف من الله تعالى فحذف الجار ، وأوصل الفعل إليه ، وكذا في أمنه إذ معناه أمن منه وأمنه بفتح الهمزة وكسر الميم ، قلت : إذا كان الفعل متعديا بنفسه فلا يحتاج إلى تقدير حرف يوصل به الفعل إلا في موضع يحتاج فيه إلى تضمين معنى فعل بمعنى فعل آخر ، وهاهنا ليس كذلك ، وقال بعضهم عقب كلام الكرماني بعد نقله هذا الكلام : وإن كان صحيحا لكنه خلاف مراد المصنف ، ومن نقل عنه ، قلت : وأثر الحسن هذا أخرجه الفريابي عن قتيبة ، ثنا جعفر بن سليمان ، عن المعلى بن زياد : سمعت الحسن يحلف في هذا المسجد بالله الذي لا إله إلا هو ، ما مضى مؤمن قط ولا بقي إلا وهو من النفاق مشفق ولا مضى منافق قط ولا بقي إلا وهو من النفاق آمن ، وكان يقول : من لم يخف النفاق فهو منافق ، قال : وحدثنا أبو قدامة عبيد الله بن سعيد ، حدثنا مؤمل بن إسماعيل ، عن حماد بن زيد ، عن أيوب ، عن الحسن : والله ما أصبح ولا أمسى مؤمن إلا وهو يخاف النفاق على نفسه ، وحدثنا عبد الأعلى بن حماد ، وحدثنا حماد بن سلمة عن حبيب بن الشهيد أن الحسن كان يقول : إن القوم لما رأوا هذا النفاق يقول الإنسان : لم يكن لهم هم غير النفاق ، وحدثنا هشام بن عمار ، حدثنا أسد بن موسى ، عن أبي الأشهب ، عن الحسن : لما ذكر أن النفاق يغول الإيمان لم يكن شيء أخوف عندهم منه ، وحدثنا هشام ، حدثنا أسد بن موسى ، حدثنا محمد بن سليمان قال : سأل أبان عن الحسن فقال : نخاف النفاق ، قال : وما يؤمنني وقد خافه عمر بن الخطاب رضي الله عنه ، وحدثنا شيبان ، قال : حدثنا ابن الأشهب عن طريف قال : قلت للحسن رضي الله عنه : إن ناسا يزعمون أن لا نفاق أو لا يخافون - شك أبو الأشهب - فقال : والله لأن أكون أعلم أني بريء من النفاق أحب إلي من طلاع الأرض ذهبا ، وقال أحمد بن حنبل في كتاب الإيمان : حدثنا روح بن عبادة ، حدثنا هشام ، سمعت الحسن يقول : والله ما مضى مؤمن ولا بقي إلا وهو يخاف النفاق ، وما أمنه إلا منافق ، فإن قلت : هذه الآثار الثلاثة صحيحة عند البخاري ، فلم ذكر الأولين بلفظ قال التي هي صيغة الجزم بالصحة ، وذكر الثالث بلفظ يذكر على صيغة المجهول التي هي صيغة التمريض ؟ قلت : لما نقل الأثرين الأولين بمثل ما نقل عن إبراهيم التيمي ، وابن أبي مليكة من غير تغيير ذكرهما بصيغة الجزم بالصحة ، ونقل أثر الحسن بالمعنى على وجه الاختصار ، فلذلك ذكره بصيغة التمريض وصيغة التمريض لا تختص عنده بضعف الإسناد وحده ، بل إذا وقع التغيير من حيث النقل بالمعنى أو من حيث الاختصار يذكره بصيغة التمريض ، وهذا هو التحقيق في مثل هذا الموضع ، وليس مثل ما ذكره الكرماني بقوله : قلت ، ليشعر بأن قولهما ثابت عنده صحيح الإسناد ، لأن قال هو صيغة الجزم وصريح الحكم بأنه صدر منه ، ومثله يسمى تعليقا بصيغة التصحيح بخلاف يذكر فإنه لا جزم فيه فيعلم أن فيه ضعفا ، ومثله تعليق بصيغة التمريض . وما يحذر من الإصرار على النفاق والعصيان من غير توبة لقول الله تعالى : وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ هذا عطف على قوله : خوف المؤمن والتقدير باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله ، وخوف التحذير من الإصرار على النفاق ، وكلمة ما مصدرية ، ويحذر على صيغة المجهول بتخفيف الذال وتشديدها ، والجملة محلها من الإعراب الجر لأنها عطف على المجرور كما قلنا ، وآثار إبراهيم التيمي وابن أبي مليكة والحسن البصري معترضة بين المعطوف والمعطوف عليه فإن قلت : فلم أوقعها معترضة ؟ قلت : لأنه عقد الباب على ترجمتين الأولى الخوف من حبط العمل ، والثانية الحذر من الإصرار على النفاق ، وذكر فيه ثلاثة من الآثار ، وآية من القرآن ، وحديثين مرفوعين ، ولما كانت الآثار الثلاثة متعلقة بالترجمة الأولى ذكرها عقيبها ، والآية وأحد الحديثين وهو حديث عبد الله متعلقان بالترجمة الثانية ذكرهما عقيبها ، وأما الحديث الآخر وهو حديث عبادة فإنه يتعلق بالترجمة الأولى أيضا على ما نذكره ، وهذا فيه صيغة اللف والنشر غير مرتب ، والترجمة الثانية في الرد على المرجئة لأنهم قالوا : لا حذر من المعاصي مع حصول الإيمان ، وذكر البخاري الآية ردا عليهم لأنها في مدح من استغفر من ذنبه ولم يصر عليه ، فمفهومه ذم من لم يفعل ذلك ، وكأنه لمح في ذلك حديث عبد الله بن عمرو مرفوعا أخرجه أحمد في مسنده بإسناد حسن قال : ويل للمصرين الذين يصرون على ما فعلوا وهم يعلمون ، أي يعلمون أن من تاب تاب الله عليه ، ثم لا يستغفرون ، قاله مجاهد وغيره ، وحديث أبي بكر الصديق رضي الله عنه مرفوعا أخرجه الترمذي بإسناد حسن : ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة ، والآية المذكورة في سورة آل عمران وهي : ﴿وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ ﴾يفهم من الآية أنهم إذا لم يستغفروا أي لم يتوبوا وأصروا على ذنوبهم يكونون محل الحذر والخوف ، وقال الواحدي : قال ابن عباس رضي الله عنهما في رواية عطاء : نزلت هذه الآية في نبهان التمار أتته امرأة حسناء تبتاع منه تمرا فضمها إلى نفسه ، وقبلها ثم ندم على ذلك فأتى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، وذكر له ذلك ، فنزلت هذه الآية ، وفي رواية الكلبي : أن رجلين أنصاريا وثقيفيا آخى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بينهما فكانا لا يفترقان ، قال : فخرج رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في بعض مغازيه ، وخرج معه الثقفي وخلف الأنصاري في أهله وحاجته ، وكان يتعاهد أهل الثقفي فأقبل ذات يوم فأبصر أمراته ضاحية قد اغتسلت وهي ناشرة شعرها ، فوقعت في نفسه ، فدخل عليها ، ولم يستأذن حتى انتهى إليها فذهب ليلثمها ، فوضعت كفها على وجهها ، فقبل ظاهر كفها ، ثم ندم واستحيى ، وأدبر راجعا ، فقالت : سبحان الله ، خنت أمانتك وعصيت ربك ، ولم تصب حاجتك ، قال : فندم على صنعه ، فخرج يسيح في الجبال ويتوب إلى الله تعالى من ذنبه حتى وافى الثقفي ، فأخبرته امرأته بفعله فخرج يطلبه حتى دل عليه ، فوافقه ساجدا لله عز وجل ، وهو يقول : رب ذنبي ذنبي ، قد خنت أخي ، فقال له يا فلان : قم فانطلق إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فاسأله عن ذنبك ، لعل الله تعالى أن يجعل لك فرجا وتوبة ، فأقبل معه حتى رجع إلى المدينة ، وكان ذات يوم عند صلاة العصر نزل جبريل عليه الصلاة والسلام بتوبته فتلاها على رسول الله عليه الصلاة والسلام : وَالَّذِينَ إِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ إلى قوله : وَنِعْمَ أَجْرُ الْعَامِلِينَ فقال علي رضي الله عنه : أخاص هذا لهذا الرجل أم للناس عامة ؟ قال : بل للناس عامة في التوبة ، قال : ﴿الحمد لله رب العالمين ﴾.