حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب خوف المؤمن من أن يحبط عمله وهو لا يشعر

حدثنا محمد بن عرعرة ، قال : حدثنا شعبة ، عن زبيد ، قال : سألت أبا وائل عن المرجئة ، فقال : حدثني عبد الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : سباب المسلم فسوق وقتاله كفر . قد قلنا آنفا : إن حديث عبد الله هذا للترجمة الثانية ، وهي قوله : وما يحذر عن الإصرار إلى آخره ، فإن قلت : كيف مطابقته على الترجمة ؟ قلت : لما دل الحديث على إبطال قول المرجئة القائلين بعدم تفسيق مرتكبي الكبائر وعدم جعل السباب فسوقا ، وعدم مقاتلة المسلم كفرانا لحقه طابق قوله : وما يحذر عن الإصرار إلى آخره . ( بيان رجاله ) وهم خمسة الأول : أبو عبد الله محمد بن عرعرة بالعينين المهملتين والراء المكررة غير منصرف للعلمية والتأنيث ابن البرند بكسر الباء الموحدة والراء المكسورة ويقال بفتحهما وسكون النون وفي آخره دال مهملة ، وكأنه فارسي معرب ابن النعمان القرشي السامي بالسين المهملة نسبة إلى سامة بن لؤي بن غالب البصري مات سنة ثلاث عشرة ومائتين عن خمس وسبعين سنة قال الشيخ قطب الدين : انفرد به البخاري عن مسلم ، قلت : ليس كذلك ، فإن مسلما روى له معه ، وكذا أبو داود روى له نبه عليه الحافظ المزي ، واقتصر صاحب الكمال على أبي داود ، الثاني شعبة بن الحجاج وقد مر ذكره ، الثالث : زبيد بضم الزاي وفتح الباء الموحدة وسكون الياء آخر الحروف وفي آخره دال مهملة ابن الحارث بن عبد الكريم أبو عبد الرحمن ، ويقال له : أبو عبد الله اليامي بالياء آخر الحروف جد للقبيلة بطن من همدان ويقال : الإيامي أيضا الكوفي ، روى عن أبي وائل ، وجمع من التابعين ، وعنه الأعمش وغيره من التابعين ، وجلالته متفق عليها ، وكان من العباد المتنسكين ، قال البخاري : مات سنة اثنتين وعشرين ومائة ، وليس في الصحيحين زبيد بالضبط المذكور إلا هذا ، وأما زبيد بضم الزاي وباليائين باثنتين من تحت أبي الصلت فمذكور في الموطأ ، وليس له ذكر في الكتابين ، الرابع : أبو وائل بالهمزة بعد الألف شقيق بن سلمة الأسدي أسد خزيمة كوفي تابعي أدرك زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يره ، وقال : أدركت سبع سنين من سني الجاهلية ، وقال : كنت قبل مبعث النبي صلى الله عليه وسلم ابن عشر سنين أرعى إبلا لأهلي ، وسمع عمر بن الخطاب وعثمان وعليا وابن مسعود وعمارا وغيرهم من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم ، وعنه خلق من التابعين ، وغيرهم ، وأجمعوا على جلالته وصلاحه وورعه وتوثيقه ، وهو من أجل أصحاب ابن مسعود ، وكان ابن مسعود رضي الله عنه يثني عليه ، مات سنة اثنتين وثمانين على المحفوظ ، وقال أبو سعيد بن صالح : كان أبو وائل يؤم جنائزنا وهو ابن مائة وخمسين سنة ، روى له الجماعة ، الخامس : عبد الله بن مسعود ، وقد تقدم .

( بيان لطائف إسناده ) منها أن فيه التحديث بصورة الجمع وصورة الإفراد والسؤال والعنعنة ، ومنها أن رجاله ما بين بصري وواسطي وكوفي ومنها أنهم أئمة أجلاء . ( بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه هنا عن محمد بن عرعرة عن شعبة ، وفي الأدب عن سليمان بن حرب ، عن شعبة ، وأخرجه مسلم في الإيمان أيضا عن محمد بن بكار بن الريان ، وعون بن سالم كلاهما عن محمد بن طلحة ، وعن محمد بن المثنى ، عن غندر ، عن شعبة ، وعن محمد بن المثنى ، عن عبد الرحمن ، عن سفيان ثلاثتهم عنه به ، وأخرجه الترمذي في البر عن محمود بن غيلان ، عن وكيع ، عن سفيان به ، وقال فيه : قال زبيد : قلت لأبي وائل : أنت سمعته من عبد الله ؟ قال : نعم ؟ وقال : حسن صحيح ، وأخرجه النسائي في المحاربة عن محمود بن غيلان به ، وعن عمر بن علي ، عن ابن أبي عدي ، وعن محمود بن غيلان ، عن أبي داود كلاهما عن شعبة به ، وعن قتيبة ، عن جرير به موقوفا . ( بيان اللغة ) قوله : عن المرجئة أي الفرقة الملقبة بالمرجئة ، وقد مر الكلام فيه عن قريب ، قوله : سباب المسلم بكسر السين وتخفيف الباء بمعنى السب ، وهو الشتم وهو التكلم في عرض الإنسان بما يعيبه ، وقال بعضهم : هو مصدر يقال : سب يسب سبا وسبابا ، قلت : هذا ليس بمصدر سب يسب وإنما هو اسم بمعنى السب كما قلنا ، أو مصدر من باب المفاعلة ، وفي المطالع السباب المشاتمة ، وهي من السب وهو القطع ، وقيل : من السبة وهي حلقة الدبر كأنها على القول الأول قطع المسبوب عن الخير والفضل وعلى الثاني كشف العورة وما ينبغي أن يستتر ، وفي ( العباب ) التركيب يدل على القطع ثم اشتق منه الشتم ، وقال إبراهيم الحربي : السباب أشد من السب ، وهو أن يقول في الرجل ما فيه وما ليس فيه ، قلت : هذا أيضا يصرح بأن السباب ليس بمصدر فافهم ، قوله : فسوق مصدر ، وفي ( العباب ) : الفسق الفجور ، يقال : فسق يفسق ويفسق أيضا عن الأخفش فسقا وفسوقا أي فجر ، وقوله تعالى : وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ أي خروج عن الحق يقال : فسقت الرطبة إذا خرجت عن قشرها ومنه قوله تعالى : فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أي خرج عن طاعة ربه ، وقال الليث : الفسق الترك لأمر الله تعالى ، وكذلك الميل إلى المعصية ، وسميت الفأرة فويسقة لخروجها من جحرها على الناس ، وقال أبو عبيدة : فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ أي جاز عن طاعته ، وقال أبو الهيثم : الفسوق يكون الشرك ويكون الإثم ، قوله : وقتاله أي مقاتلته ، ويحتمل أن يكون معناها المخاصمة ، والعرب تسمي المخاصمة مقاتلة .

( بيان الإعراب ) قوله : أن النبي صلى الله عليه وسلم أصله بأن النبي إلى آخره ، وقوله : قال جملة في محل الرفع على أنها خبر أن ، قوله : سباب المسلم كلام إضافي مبتدأ ، وقوله : فسوق خبره ، فإن قلت : هذا إضافة إلى الفاعل أو المفعول ؟ قلت : بل إضافة إلى المفعول ، قوله : وقتاله كذلك إضافته إلى المفعول ، وارتفاعه بالابتداء وخبره كفر . ( بيان المعاني ) قوله : عن المرجئة معناه سألت أبا وائل عن الطائفة المرجئة هل هم مصيبون في مقالتهم ، ومخطئون ؟ ولهذا قال أبو وائل في جوابه لزبيد بن الحارث : حدثني عبد الله أن النبي عليه الصلاة والسلام قال : سباب المسلم فسوق وقتاله كفر ، يعني أنهم مخطئون لأنهم لا يجعلون سباب المسلم فسوقا ، ولا قتاله كفرا في حق المسلم ، ولا يفسقون مرتكبي الذنوب ، والنبي صلى الله عليه وسلم أخبر بخلاف ما ذهبوا إليه ، فدل ذلك على كونهم على خطأ وضلال ، وبهذا التقدير الذي قدرناه يطابق جواب أبي وائل سؤال زبيد ، وقال بعضهم في التقدير : أي عن مقالة المرجئة ، وهذا لا يصح لأن على هذا التقدير لا يطابق الجواب السؤال فإن قلت : في رواية أبي داود الطيالسي عن شعبة عن زبيد قال : لما ظهرت المرجئة أتيت أبا وائل فذكرت ذلك له فدل هذا أن سؤاله كان عن معتقدهم ، وأن ذلك كان حين ظهورهم ، قلت : لا نسلم هذه الدلالة بل الذي يدل على أنه وقف على مقالتهم حتى سأل أبا وائل هل هي صحيحة أو باطلة ، فإن قلت : هذا الحديث وإن تضمن الرد على المرجئة لكن ظاهره يقوي مذهب الخوارج الذي يكفرون بالمعاصي ، قلت : لا نسلم ذلك لأنه لم يرد بقوله : وقتاله كفر حقيقة الكفر التي هي خروج عن الملة ، بل إنما أطلق عليه الكفر مبالغة في التحذير ، والإجماع من أهل السنة منعقد على أن المؤمن لا يكفر بالقتال ، ولا بفعل معصية أخرى ، وقال ابن بطال ليس المراد بالكفر الخروج عن الملة بل كفران حقوق المسلمين ، لأن الله تعالى جعلهم إخوة وأمر بالإصلاح بينهم ونهاهم الرسول صلى الله عليه وسلم عن التقاطع والمقاتلة ، فأخبر أن من فعل ذلك فقد كفر حق أخيه المسلم ، ويقال : أطلق عليه الكفر لشبهه به لأن قتال المسلم من شأن الكافر ، ويقال : المراد به الكفر اللغوي ، وهو الستر لأن حق المسلم على المسلم أن يعينه وينصره ويكف عنه أذاه ، فلما قاتله كأنه كشف عنه هذا الستر ، وقال الكرماني : المراد أنه يؤول إلى الكفر لشؤمه أو أنه كفعل الكفار ، وقال الخطابي : المراد به الكفر بالله تعالى ، فإن ذلك في حق من فعله مستحلا بلا موجب ، ولا تأويل ، أما المؤول فلا يكفر ولا يفسق بذلك كالبغاة الخارجين على الإمام بالتأويل ، وقال بعضهم فيما قاله الكرماني بعد وما قاله الخطابي أبعد منه ثم قال : لأنه لا يطابق الترجمة ، ولو كان مرادا لم يحصل التفريق بين السباب والقتال ، فإن مستحلا لعن المسلم بغير تأويل كفر أيضا ، قلت : إذا كان اللفظ محتملا لتأويلات كثيرة هل يلزم منه أن يكون جميعها مطابقا للترجمة فمن ادعى هذه الملازمة فعليه البيان ، فإذا وافق أحد التأويلات للترجمة فإنه يكفي للتطابق ، وقوله : ولو كان مرادا لم يحصل التفريق إلخ غير مسلم ، لأنه تخصيص الشق الثاني بالتأويل لكونه مشكلا بحسب الظاهر ، والشق الأول لا يحتاج إلى التأويل لكون ظاهره غير مشكل ، فإن قلت : جاء في رواية مسلم : لعن المسلم كقتله ، قلت : التشبيه لا عموم له ، ووجه التشبيه هو حصول الأذى بوجهين أحدهما في العرض ، والآخر في النفس ، فإن قلت : السباب والقتال كلاهما على السواء في أن فاعلهما يفسق ولا يكفر ، فلم قال في الأول : فسوق ، وفي الثاني : كفر ؟ قلنا : لأن الثاني أغلظ أو لأنه بأخلاق الكفار أشبه .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث