حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب فضل العلم

﴿بسم الله الرحمن الرحيم كتاب العلم الكلام فيه على أنواع ؛ الأول : أن لفظ كتاب مرفوع ؛ لأنه خبر مبتدأ محذوف مضاف إلى العلم ، والتقدير : هذا كتاب العلم ، أي في بيان ما يتعلق به وليس هو في بيان ماهية العلم ؛ لأن النظر في الماهيات وحقائق الأشياء ليس من فن الكتاب . الثاني : أنه قدم هذا الكتاب على سائر الكتب التي بعده ؛ لأن مدار تلك الكتب كلها على العلم ، وإنما لم يقدم على كتاب الإيمان لأن الإيمان أول واجب على المكلف أو لأنه أفضل الأمور على الإطلاق وأشرفها ، وكيف لا وهو مبدأ كل خير علما وعملا ومنشأ كل كمال دقا وجلا ! فإن قلت : فلم قدم كتاب الوحي عليه ؟ قلت : لتوقف معرفة الإيمان وجميع ما يتعلق بالدين عليه ، أو لأنه أول خير نزل من السماء إلى هذه الأمة - وقد أشبعنا الكلام في كتاب الإيمان فليعاود هناك . الثالث : أن العلم في اللغة مصدر علمت وأعلم علما ، قال الجوهري : علمت الشيء أعلمه علما عرفته - بالكسر .

فهذا كما ترى لم يفرق بين العلم والمعرفة ، والفرق بينهما ظاهر ؛ لأن المعرفة إدراك الجزئيات والعلم إدراك الكليات ، ولهذا لا يجوز أن يقال الله عارف كما يقال عالم . وقال ابن سيده : العلم نقيض الجهل ، علم علما ، وعلم هو نفسه ، ورجل عالم وعليم من قوم علماء . وعلام وعلامة من قوم علامين ، والعلام والعلامة النسابة .

ويقال : إذا بولغ في وصف الشخص بالعلم يقال له علامة . وعلمه العلم وأعلمه إياه فتعلمه . وفرق سيبويه بينهما فقال : علمت كأدبت وأعلمت كأديت ، وقال أبو عبيد عبد الرحمن : عالمني فلان فعلمته أعلمه - بالضم ، وكذلك كل ما كان من هذا الباب بالكسر في يفعل فإنه في باب المغالبة يرفع إلى الضم كضاربته فضربته أضربه ، وعلم بالشيء شعر .

وقال يعقوب : إذا قيل لك اعلم كذا - قلت : قد علمت . وإذا قيل : تعلم - لم تقل قد تعلمت . وفي المخصص : علمته الأمر وأعلمته إياه فعلمه وتعلمه .

وقال أبو علي : سمي العلم علما لأنه من العلامة ، وهي الدلالة والإشارة . ومما هو ضرب من العلم قولهم : اليقين . ولا ينعكس ، فنقول : كل يقين علم ، وليس كل علم يقينا ؛ وذلك أن اليقين علم يحصل بعد استكمال استدلال ونظر لغموض فيه ، والعلم النظر والتصفح .

ومن العلم الدراية ، وهي ضرب منه مخصوص . ثم العلماء اختلفوا في حد العلم ؛ فقال بعضهم : لا يحد . وهؤلاء اختلفوا في سبب عدم تحديده ؛ فقال إمام الحرمين والغزالي : لعسر تحديده ، وإنما تعريفه بالقسمة والمثال .

وقال بعضهم - ومنهم الإمام فخر الدين : لأنه ضروري ؛ إذ لو لم يكن ضروريا لزم الدور ، واللازم باطل فالملزوم مثله . بيان الملازمة أنه لو لم يكن ضروريا لكان نظريا ؛ إذ لا واسطة ، ولو كان نظريا لزم الدور ، ينتج أنه لو لم يكن ضروريا لزم الدور . وإنما قلنا : إنه لو كان نظريا لزم الدور لأنه لو كان نظريا لعلم بغير العلم لامتناع اكتسابه من نفسه ، وغير العلم لا يعلم إلا بالعلم ، فليزم معرفة العلم بغير العلم الذي لا يعلم إلا بالعلم فيلزم الدور ، وهو محال لاستلزامه تقدم الشيء على نفسه واستلزامه امتناع تصور العلم المتصور .

وقال الآخرون : إنه يحد . ولهم فيه أقوال ، وأصح الحدود أنه صفة من صفات النفس توجب تمييزا لا يحتمل النقيض في الأمور المعنوية . فقوله صفة جنس لتناوله لجميع صفات النفس ، وقوله توجب تمييزا احتراز عما لم يوجب تمييزا كالحياة ، وقوله لا يحتمل النقيض احتراز عن مثل الظن ، وقوله في الأمور المعنوية يخرج إدراك الحواس ؛ لأن إدراكها في الأمور الظاهرة المحسوسة .

﴿بسم الله الرحمن الرحيم باب فضل العلم كذا وقع في بعض النسخ مُصدرا بالبسملة بعدها باب فضل العلم ، وفي بعضها لا يوجد ذلك كله ، بل الموجود هكذا : كتاب العلم وقول الله تعالى .. . إلخ . وفي بعضها البسملة مقدمة على لفظ كتاب العلم هكذا : ﴿بسم الله الرحمن الرحيم ، كتاب العلم .

وهي رواية أبي ذر ، والأول رواية الأصيلي وكريمة وغيرهما ؛ أعني أن روايتهما أن البسملة بين الكتاب والباب . وقول الله تعالى : يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ وقوله عز وجل : رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا اكتفى البخاري في بيان فضل العلم بذكر الآيتين الكريمتين ؛ لأن القرآن من أقوى الحجج القاطعة ، والاستدلال به في باب الإثبات والنفي أقوى من الاستدلال بغيره . ونقل الكرماني عن بعض الشاميين أن البخاري بوب الأبواب وذكر التراجم ، وكان يلحق بالتدريج إليها الأحاديث المناسبة لها ، فلم يتفق له أن يلحق إلى هذا الباب ونحوه شيئا منها ؛ إما لأنه لم يثبت عنده حديث يناسبه بشرطه ، وإما لأمر آخر .

ونقل أيضا عن بعض أهل العراق أنه ترجم له ولم يذكر شيئا فيه قصدا منه ؛ ليعلم أنه لم يثبت في ذلك الباب شيء عنده . قلت : هذا كله كلام غير سديد لا طائل تحته ، والأحاديث والآثار الصحيحة كثيرة في هذا الباب ، ولم يكن البخاري عاجزا عن إيراد حديث صحيح على شرطه أو أثر صحيح من الصحابة أو التابعين مع كثرة نقله واتساع روايته ! ولئن سلمنا أنه لم يثبت عنده ما يناسب هذا الباب فكان ينبغي أن لا يذكر هذا الباب ، فإن قلت : ذكره للإعلام بأنه لم يثبت فيه شيء عنده كما قاله بعض أهل العراق - قلت : ترك الباب في مثل هذا يدل على الإعلام بذلك ، فلا فائدة في ذكره حينئذ . ثم قال الكرماني : فإن قلت : فما تقول فيما يترجم بعد هذا بباب فضل العلم ، وينقل فيه حديثا يدل على فضل العلم ؟ قلت : المقصود بذلك الفضل غير هذا الفضل ؛ إذ ذاك بمعنى الفضيلة أي الزيادة في العلم ، وهذا بمعنى كثرة الثواب عليه .

قلت : هذا فرق عجيب ؛ لأن الزيادة في العلم تستلزم كثرة الثواب عليه ، فلا فرق بينهما في الحقيقة . والتحقيق في هذا الموضع أن لفظ باب العلم لا يخلو إما أن يكون مذكورا هاهنا وبعد باب رفع العلم وظهور الجهل على ما عليه بعض النسخ ، أو يكون مذكورا هناك فقط ؛ فإن كان الأول فهو تكرار في الترجمة بحسب الظاهر ، وإن كان الثاني فلا يحتاج إلى الاعتذارات المذكورة ، مع أن الأصح من النسخ هو الثاني . وإنما المذكور هاهنا كتاب العلم وقول الله تعالى : يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ الآية .

ولئن صح وجود باب فضل العلم في الموضعين فنقول : ليس بتكرار ؛ لأن المراد من باب فضل العلم هنا التنبيه على فضيلة العلماء بدليل الآيتين المذكورتين ؛ فإنهما في فضيلة العلماء ، والمراد من باب فضل العلم هناك التنبيه على فضيلة العلم ، فلا تكرار حينئذ . فإن قلت : كان ينبغي أن يقول باب فضل العلماء قلت : بيان فضل العلم يستلزم بيان فضل العلماء ؛ لأن العلم صفة قائمة بالعالم ، فذكر بيان فضل الصفة يستلزم بيان فضل من هي قائمة به . على أنا نقول : إن لم يكن المراد من هذا الباب بيان فضل العلماء لا يطابق ذكر الآيتين المذكورتين الترجمة ، ولهذا قال الشيخ قطب الدين رحمه الله في شرحه بعد الآيتين : جاء في الآثار أن درجات العلماء تتلو درجات الأنبياء ، والعلماء ورثة الأنبياء ؛ ورثوا العلم وبينوه للأمة وحموه من تحريف الجاهلين .

وروى ابن وهب عن مالك قال : سمعت زيد بن أسلم يقول في قوله تعالى نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ قال : بالعلم . وقال ابن مسعود : في قوله تعالى يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ مدح الله العلماء في هذه الآية ، والمعنى يرفع الله الذين آمنوا وأوتوا العلم على الذين آمنوا فقط ولم يؤتوا العلم درجات في دينهم إذا فعلوا ما أمروا به . وقيل : يرفعهم في الثواب والكرامة .

وقيل : يرفعهم في الفضل في الدنيا والمنزلة . وقيل : يرفع الله درجات العلماء في الآخرة على المؤمنين الذين لم يؤتوا العلم . وقيل في قوله تعالى وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا أي بالقرآن ، وكان كلما نزل شيء من القرآن ازداد به النبي - عليه السلام - علما .

وقيل : ما أمر الله رسوله بزيادة الطلب في شيء إلا في العلم ، وقد طلب موسى عليه السلام الزيادة فقال : هَلْ أَتَّبِعُكَ عَلَى أَنْ تُعَلِّمَنِي مِمَّا عُلِّمْتَ رُشْدًا وكان ذلك لما سئل : أي الناس أعلم ؟ فقال : أنا أعلم ! فعتب الله عليه إذ لم يرد العلم إليه . وقوله درجات منصوب بقوله يرفع ، فإن قلت : قوله وقول الله تعالى يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ ، ما حظه من الإعراب ؟ قلت : الذي يقتضيه أحوال التركيب أن يكون مجرورا عطفا على المضاف إليه في قوله باب فضل العلم على تقدير وجود الباب ، أو على العلم في قوله كتاب العلم على تقدير عدم وجوده . وقال بعضهم : ضبطناه في الأصول بالرفع على الاستئناف .

قلت : إن أراد بالاستئناف الجواب على السؤال فذا لا يصح ؛ لأنه ليس في الكلام ما يقتضي هذا ، وإن أراد ابتداء الكلام فذا أيضا لا يصح ؛ لأنه على تقدير الرفع لا يتأتى الكلام ، لأن قوله وقول الله ليس بكلام ، فإذا رفع لا يخلو إما أن يكون رفعه بالفاعلية أو بالابتداء ، وكل منهما لا يصح ؛ أما الأول فظاهر ، وأما الثاني فلعدم الخبر . فإن قلت : الخبر محذوف ! قلت : حذف الخبر لا يخلو إما أن يكون جوازا أو وجوبا ؛ فالأول فيما إذا قامت قرينة وهي وقوعه في جواب الاستفهام عن المخبر به أو بعد إذا المفاجأة ، أو يكون الخبر قبل قول ، وليس شيء من ذلك هاهنا . والثاني : إذا التزم في موضعه غيره ، وليس هذا أيضا كذلك - فتعين بطلان دعوى الرفع .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث