حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب القراءة والعرض على المحدث

حدثنا عبد الله بن يوسف قال : حدثنا الليث ، عن سعيد - هو المقبري - عن شريك بن عبد الله بن أبي نمر أنه سمع أنس بن مالك يقول : بينما نحن جلوس مع النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد دخل رجل على جمل فأناخه في المسجد ثم عقله ، ثم قال لهم : أيكم محمد ؟ والنبي صلى الله عليه وسلم متكئ بين ظهرانيهم ، فقلنا : هذا الرجل الأبيض المتكئ . فقال له الرجل : ابن عبد المطلب ؟ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : قد أجبتك . فقال الرجل للنبي صلى الله عليه وسلم : إني سائلك فمشدد عليك في المسألة ، فلا تجد علي في نفسك ! فقال : سل عما بدا لك ! فقال : أسألك بربك ورب من قبلك ، آلله أرسلك إلى الناس كلهم ؟ فقال : اللهم نعم ! قال : أنشدك بالله ، آلله أمرك أن نصلي الصلوات الخمس في اليوم والليلة ؟ قال : اللهم نعم ! قال : أنشدك بالله ، آلله أمرك أن نصوم هذا الشهر من السنة ؟ قال : اللهم نعم ! قال : أنشدك بالله ، آلله أمرك أن تأخذ هذه الصدقة من أغنيائنا فتقسمها على فقرائنا ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : اللهم نعم ! فقال الرجل : آمنت بما جئت به ، وأنا رسول من ورائي من قومي ، وأنا ضمام بن ثعلبة أخو بني سعد بن بكر .

لما ذكر احتجاج بعضهم في القراءة على العالم لحديث ضمام بن ثعلبة أخرجه هاهنا بتمامه . بيان رجاله ؛ وهم خمسة : الأول : عبد الله بن يوسف التنيسي ، وقد مر . الثاني : الليث بن سعد المصري ، وقد مر .

الثالث : سعيد بن أبي سعيد المقبري ، وقد مر . الرابع : شريك بن عبد الله بن أبي نمر - بفتح النون وكسر الميم - القرشي أبو عبد الله المدني القرشي ، وقال الواقدي : الليثي . وقال غيره : الكناني .

وجده أبو نمر شهد أحدا مع المشركين ثم هداه الله إلى الإسلام ، سمع أنس بن مالك وسعيد بن المسيب وأبا سلمة بن عبد الرحمن وعطاء بن يسار وغيرهم ، روى عنه مالك وسعيد المقبري وإسماعيل بن جعفر وسليمان بن بلال وغيرهم . قال ابن سعد : كان ثقة كثير الحديث . وقال يحيى بن معين : ليس به بأس .

وقال ابن عدي : شريك رجل مشهور من أهل الحديث ، حدث عنه الثقات ، وحديثه إذا روى عنه ثقة فلا بأس به إلا أن يروي عنه ضعيف ، روى له الجماعة إلا الترمذي ، توفي سنة أربعين ومائة . الخامس : أنس بن مالك ، وقد مر . بيان لطائف إسناده : منها أن فيه التحديث والعنعنة والسماع ، ومنها أن رواته ما بين تنيسي ومصري ومدني ، ومنها أن فيه رواية تابعي عن تابعي .

فإن قلت : هذا الحديث فيه اختلاف من وجهين ؛ أحدهما أن النسائي رواه من طريق يعقوب بن إبراهيم بن سعد عن الليث قال : حدثني محمد بن عجلان وغيره عن سعيد . والثاني : أخرجه النسائي أيضا والبغوي من طريق الحارث بن عمر عن عبد الله العمري عن سعيد عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ، وأخرج ابن منده من طريق الضحاك بن عثمان عن سعيد المقبري عن أبي هريرة - قلت : أما الأول فإنه يمكن أن يكون الليث قد سمع من سعيد بواسطة ثم لقيه فحدث به ، ويؤيد ذلك رواية الإسماعيلي من طريق يونس بن محمد عن الليث : حدثني سعيد - وكذا رواية ابن منده من طريق ابن وهب عن الليث ، وأما الثاني فلأن الليث أثبتهم في سعيد . بيان من أخرجه غيره : أخرجه أبو داود في الصلاة عن عيسى بن حماد عن الليث - نحوه ، والنسائي في الصوم عن عيسى بن حماد - به ، وعن عبيد الله بن سعد بن إبراهيم بن سعد عن عمه يعقوب بن إبراهيم عن الليث : حدثني ابن عجلان وغيره من أصحابنا عن سعيد المقبري .

وأخرجه ابن ماجه في الصلاة عن عيسى بن حماد - به . بيان اللغات : قوله على جمل ، وهو زوج الناقة ، وتسكين الميم فيه لغة ، ومنه قراءة أبي السماك حتى يلج الجمل بسكون الميم ، والجمع جمال وجمالة وجمالات وجمائل وأجمال . قوله فأناخه ، يقال أنخت الجمل أبركته ، ويقال أيضا أناخ الجمل نفسه أي برك ، وقال ابن الأعرابي : لا يقال أناخ ولا ناخ .

قوله ثم عقله بفتح العين المهملة والقاف ، قال الجوهري : عقلت البعير أعقله عقلا ، وهو أن يثني وظيفه مع ذراعه ليشدهما جميعا في وسط الذراع ، والوظيف هو مستدق الساق والذراع من الإبل ، والحبل الذي يشد به هو العقال ، والجمع عقل . قوله متكئ مهموز ، يقال : اتكأ على الشيء فهو متكئ ، والموضع متكأ - كله مهموز الآخر . وتوكأت على العصا ، وكل من استوى على وطاء فهو متكئ ، وهذا المعنى هو المراد في الحديث .

قوله بين ظهرانيهم بفتح الظاء والنون ، وفي الفائق : يقال أقام فلان بين ظهراني قومه وبين ظهرانيهم أي بينهم . وأقحم لفظ الظهر ليدل على أن إقامته بينهم على سبيل الاستظهار بهم - أي منهم - والاستناد إليهم ، وكأن معنى التثنية فيه أن ظهرا منهم قدامه وآخر وراءه ، فهو مكتوف من جانبيه ، ثم كثر استعماله في الإقامة بين القوم مطلقا وإن لم يكن مكتوفا ، وأما زيادة الألف والنون بعد التثنية فإنما هي للتأكيد كما تزاد في النسبة نحو نفساني في النسبة إلى النفس ونحوه . قوله فلا تجد علي بكسر الجيم ؛ أي لا تغضب ، يقال وجد عليه موجدة في الغضب ، ووجد مطلوبه وجودا ، ووجد ضالته وجدانا ، ووجد في الحزن وجدا ، ووجد في المال جدة - أي استغنى ؛ هذا الذي ذكره الشراح ، وهي خمسة مصادر .

وقال بعضهم : ومادة وجد متحدة الماضي والمضارع مختلفة المصادر بحسب اختلاف المعاني - قلت : لا نسلم ذلك ، بل يقال وجد مطلوبه يجده - بكسر الجيم - ويجده بالضم وهي لغة عامرية ، ووجد بكسر الجيم لغة ، قاله في العباب . وكذلك يقال وجد عليه في الغضب يجد بكسر الجيم ويجد بضمها موجدة ووجدانا أيضا - حكاها بعضهم ، وأنشد الفراء في نوادره لصخر الغي يرثي ابنه تليدا : وقالت لن ترى أبدا تليدا بعينك آخر العمر الجديد كلانا رد صاحبه بيأس وإثبات ووجدان شديد وكذا يقال وجد في المال وجدا ووجدا ووجدا وجدة - أربع مصادر ، وقرأ الأعرج ونافع ويحيى بن يعمر وسعيد بن جبير وابن أبي عبلة وطاوس وأبو حيوة وأبو البر هشيم من وجدكم بفتح الواو ، وقرأ أبو الحسن روح بن عبد المؤمن من وجدكم بالكسر ، والباقون من وجدكم بالضم . قوله عما بدا أي ظهر ، من البدو .

قوله أنشدك بفتح الهمزة وسكون النون وضم الشين المعجمة ، ومعناه أسألك بالله . وقال الجوهري : نشدت فلانا أنشده نشدا إذا قلت له نشدتك الله ! أي سألتك بالله ، كأنك ذكرته إياه فتنشد أي تذكر . وقال البغوي في شرح السنة : أصله من النشيد وهو رفع الصوت ، والمعنى سألتك رافعا صوتي .

وفي العباب : نشدت فلانا أنشده نشدا ، ونشدت الضالة أنشدها نشدا ونشدة ونشدانا : طلبتها . قوله هذه الصدقة أراد به الزكاة . بيان التصريف : قوله جلوس جمع جالس ، كركوع جمع راكع .

قوله فأناخه ، أصله فأنوخه ؛ قلبت الواو ألفا بعد نقل حركتها إلى ما قبلها . قوله والنبي متكئ اسم فاعل من اتكأ يتكئ ، أصله موتكِئ ؛ قلبت الواو تاء وأدغمت التاء في التاء . وكذلك أصل اتكأ ويتكئ يوتكئ ؛ لأن مادته واو وكاف وهمزة .

ومنه يقال رجل تكأة ، أصله وكأة مثل تؤدة إذا كان كثير الاتكاء ، والاتكاء أيضا ما يتكأ عليه ، وهي المتكأ ، قال الله تعالى : وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً قال الأخفش : هو في معنى مجلس . قوله فمشدد اسم فاعل من شدد تشديدا ، والمسألة - بفتح الميم - مصدر ميمي ؛ يقال سألته الشيء وسألته عن الشيء سؤالا ومسألة ، وقد تخفف الهمزة فيقال : سال يسال . وقرأ أبو جعفر ونافع وابن كثير سَأَلَ سَائِلٌ بتخفيف الهمزة .

قوله سل أمر من سأل يسأل ، وأصله اسأل على وزن افعل ، فنقلت حركة الهمزة إلى السين فحذفت للتخفيف ، واستغني عن همزة الوصل فحذفت ، فصار سل على وزن فل ؛ لأن الساقط هو عين الفعل . قوله فلا تجد علي ، أصله فلا توجد ؛ لأنه من وجد عليه . قوله بدا فعل ماض ، تقول : بدا الأمر بدوا مثل قعد قعودا - أي ظهر ، وأبديته أظهرته .

بيان الإعراب : قوله بينما أصله بين زيدت عليه ما ، وهو من الظروف الزمانية اللازمة الإضافة إلى الجملة . وبين وبينما يتضمنان بمعنى المجازات ، ولا بد لهما من جواب ، والعامل فيهما الجواب إذا كان مجردا من كلمة المفاجأة ، وإلا فمعنى المفاجأة . قوله نحن مبتدأ ، وجلوس خبره .

قوله في المسجد اللام فيه للعهد ؛ أي مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم . قوله دخل رجل هو جواب بينما ، وفي رواية الأصيلي إذ دخل رجل ، وقد مر غير مرة أن الأصمعي لا يستفصح إذ وإذا في جواب بين وبينما . قوله على جمل في محل الرفع على أنه صفة لرجل .

قوله فأناخه عطف على قوله دخل . قوله أيكم كلام إضافي مبتدأ ، ومحمد خبره ، وأي هاهنا للاستفهام . قوله والنبي متكئ جملة اسمية وقعت حالا .

قوله هذا الرجل مبتدأ وخبر مقول القول ، والأبيض بالرفع صفة للرجل ، وكذلك المتكئ . قوله فقال له ؛ أي فقال الرجل للنبي عليه الصلاة والسلام . قوله ابن عبد المطلب بفتح النون ؛ لأنه منادى مضاف ، وأصله يا ابن عبد المطلب فحذف حرف النداء .

وفي رواية الكشميهني يا ابن عبد المطلب بإثبات حرف النداء . قوله فقال له الرجل ؛ أي الرجل المذكور في قوله دخل رجل على جمل . قوله إني سائلك جملة اسمية مؤكدة بأن مقول القول .

قوله فمشدد عطف على سائلك . قوله فلا تجد نهي كما ذكرناه . قوله فقال : سل ؛ أي فقال الرسول عليه الصلاة والسلام للرجل : سل .

قوله بربك ؛ أي بحق ربك ، الباء للقسم . قوله آلله بالمد في المواضع كلها ؛ لأنها همزتان الأولى همزة الاستفهام والثانية همزة لفظة الله ، وهو مرفوع بالابتداء ، وأرسلك خبره . قوله اللهم نعم ! ، قال الكرماني : اللهم أصله يا الله ، فحذف حرف النداء وجعل الميم بدلا منه ، والجواب هو نعم ، وذكر لفظ اللهم للتبرك ، وكأنه استشهد بالله في ذلك تأكيدا لصدقه .

قلت : اللهم تستعمل على ثلاثة أنحاء ؛ الأول للنداء المحض - وهو ظاهر ، والثاني للإيذان بندرة المستثنى كما يقال : اللهم إلا أن يكون كذا . والثالث البدل على تيقن المجيب في الجواب المقترن هو به ، كقولك لمن قال أزيد قائم : اللهم نعم ، أو اللهم لا - كأنه يناديه تعالى مستشهدا على ما قاله من الجواب . قوله أنشدك جملة من الفعل والفاعل ، والباء في بالله للقسم .

قوله أن تصلي بتاء الخطاب ، ووقع عند الأصيلي بالنون . قوله الصلوات الخمس ، هكذا بجمع الصلوات عند الأكثرين ، ووقع في رواية الكشميهني والسرخسي الصلاة بالإفراد . فإن قلت : على هذا كيف توصف الصلاة بالخمس وهي مفردة ؟ قلت : هي للجنس ، فيحتمل التعدد .

وقال القاضي عياض : أن نصلي بالنون أوجه ، ويؤيده رواية ثابت عن أنس بلفظ إن علينا خمس صلوات ليومنا وليلتنا . قوله أن تصوم بتاء المخاطبة ، وعند الأصيلي بالنون . قوله هذا الشهر ؛ أي شهر رمضان من السنة ، أي من كل سنة ، إذ اللام للعهد ، والإشارة فيه لنوع هذا الشهر لا لشخص ذلك الشهر بعينه .

قوله أن تأخذ هذه الصدقة بتاء المخاطب وكذلك تقسمها ، وأن مصدرية ، وأصلها بأن تأخذ - أي تأخذ الصدقة . قوله فتقسمها بالنصب عطف على قوله أن تأخذها . قوله بما جئت ؛ أي بالذي جئت به .

قوله وأنا مبتدأ ، ورسول خبره مضاف إلى من بفتح الميم وهي موصولة ، وكلمة من في قوله من قومي للبيان . بيان المعاني : قوله فأناخه في المسجد فيه حذف ، والتقدير : فأناخه في رحبة المسجد ونحوها ، وإنما قلنا هكذا لتتفق هذه الرواية بالروايات الأخرى ؛ فإن في رواية أبي نعيم أقبل على بعير له حتى أتى المسجد ، فأناخه ثم عقله فدخل المسجد ، وفي رواية أحمد والحاكم عن ابن عباس رضي الله عنهما ، ولفظها فأناخ بعيره على باب المسجد فعقله ثم دخل . قوله هذا الرجل الأبيض المراد به البياض النير الزاهر ، وأما ما ورد في صفته أنه ليس بأبيض ولا آدم فالمراد به البياض الصرف كلون الجص كريه المنظر ؛ فإنه لون البرص .

ويقال : المراد بالأبيض هو الأبيض المشرب بحمرة ، يدل عليه ما جاء في رواية الحارث بن عمير فقال : أيكما ابن عبد المطلب ؟ فقالوا : هو الأمغر المرتفق ، قال الليث : الأمغر الذي في وجهه حمرة مع بياض صاف . وقال غيره : الأمغر الأحمر الشعر والجلد على لون المغرة . وقال ابن فارس : الأمغر من الخيل الأشقر .

قلت : مادته ميم وغين معجمة وراء مهملة . قوله أجبتك ، ومعناه سمعتك . وقال الكرماني : فإن قلت : متى أجاب حتى أخبر عنه ؟ قلت : أجبت بمعنى سمعت ، أو المراد منه إنشاء الإجابة .

وإنما أجابه عليه السلام بهذه العبارة لأنه أخل بما يجب من رعاية غاية التعظيم والأدب بإدخال الجمل في المسجد وخطابه بأيكم محمد وبابن عبد المطلب ، انتهى . قلت : لا يخلو ضمام إما أنه قدم مسلما وإما غير مسلم ؛ فإن كان الأول فإنه يحمل ما صدر منه من هذه الأشياء على أنه لم يكن في ذلك الوقت وقف على أمور الشرع ولا على النهي ، وهو قوله تعالى : لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا على أنه كانت فيه بقية من جفاء الأعراب وجهلهم ، وإن كان الثاني فلا يحتاج إلى الاعتذار عنه . واختلفوا هل كان مسلما عند قدومه أم لا ؟ فقال جماعة : إنه كان أسلم قبل وفوده ، حتى زعمت طائفة منهم أن البخاري فهم إسلام ضمام قبل قدومه وأنه جاء يعرض على النبي عليه السلام ، ولهذا بوب عليه باب القراءة والعرض على المحدث ، ولقوله آخر الحديث آمنت بما جئت به ، وأنا رسول من ورائي من قومي ، وإن هذا إخبار وهو اختيار البخاري ، ورجحه القاضي عياض .

وقال جماعة أخرى : لم يكن مسلما وقت قدومه ، وإنما كان إسلامه بعده لأنه جاء مستثبتا ، والدليل عليه ما في حديث ابن عباس - رواه ابن إسحاق وغيره - وفيه أن بني سعد بن بكر بعثوا ضمام بن ثعلبة .. . الحديث ، وفي آخره حتى إذا فرغ قال : أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله . وأجابوا عن قوله آمنت بأنه إنشاء وابتداء إيمان لا إخبار بإيمان تقدم منه ، وكذلك قوله وأنا رسول من ورائي ، ورجحه القرطبي لقوله في حديث ثابت عن أنس عند مسلم وغيره فإن رسولك زعم ، قال : والزعم القول الذي لا يوثق به - قاله ابن السكيت وغيره ، وقال بعضهم : فيه نظر ؛ لأن الزعم يطلق على القول المحقق أيضا كما نقله أبو عمر الزاهد في شرح فصيح شيخه ثعلب .

قلت : أصل وضعه كما قاله ابن السكيت ، واستعماله في القول المحقق مجاز يحتاج إلى قرينة . وأجابوا أيضا عن قولهم إن البخاري فهم إسلام ضمام قبل قدومه بأنه لا يلزم من تبويب البخاري ما ذكروه ؛ لأن العرض على المحدث هو القراءة عليه أعم من أن يكون تقدمت له أو ابتدأ الآن على الشيخ بقراءة شيء لم يتقدم قراءته ولا نظره . وقالوا : قد بوب أبو داود عليه باب المشرك يدخل المسجد ، وهو أيضا يدل على أنه لم يكن مسلما قبل قدومه .

وقد مال الكرماني إلى مقالة الأولين حيث قال : فإن قلت : من أين عرف حقيقية كلام الرسول عليه السلام وصدق رسالته ؛ إذ لا معجزة فيما جرى من هذه القصة ، وهذا الإيمان لا يفيد إلا تأكيدا وتقريرا ؟ قلت : الرجل كان مؤمنا عارفا بنبوته عالما بمعجزاته قبل الوفود ، ولهذا ما سأل إلا عن تعميم الرسالة إلى جميع الناس وعن شرائع الإسلام . قلت : عكسه القرطبي فاستدل به على إيمان المقلد بالرسول ولو لم تظهر له معجزة ، وكذا أشار إليه ابن الصلاح . قوله وأنا ضمام بن ثعلبة بكسر الضاد المعجمة ، وثعلبة - بالثاء المثلثة المفتوحة والباء الموحدة - أخو بني سعد بن بكر السعدي ، قدم على النبي عليه السلام - بعثه إليه بنو سعد - فسأله عن الإسلام ثم رجع إليهم فأخبرهم به فأسلموا .

وقال ابن عباس : ما سمعنا بوافد قط أفضل من ضمام بن ثعلبة . قال ابن إسحاق : وكان قدوم ضمام هذا سنة تسع - وهو قول أبي عبيدة والطبري وغيرهما ، وقال الواقدي : كان سنة خمس - وهو قول محمد بن حبيب ، وفيه نظر من وجوه ؛ الأول : أن في رواية مسلم أن ذلك كان حين نزل النهي في القرآن عن سؤال الرسول عليه السلام ، وآية النهي في المائدة ، ونزولها متأخر . الثاني : أن إرسال الرسل إلى الدعاء إلى الإسلام إنما كان ابتداؤه بعد الحديبية ، ومعظمه بعد فتح مكة شرفها الله .

الثالث : أن في حديث ابن عباس رضي الله عنهما أن قومه أطاعوه ودخلوا في الإسلام بعد رجوعه إليهم ، ولم يدخل بنو سعد بن بكر بن هوازن في الإسلام إلا بعد وقعة حنين ، وكانت في شوال سنة ثمان . قوله أخو بني سعد بن بكر بن هوازن ، وهم أخوال رسول الله عليه الصلاة والسلام ، وفي العرب سعود قبائل شتى ؛ منها سعد تميم وسعد هذيل وسعد قيس وسعد بكر هذا ، وفي المثل بكل واد بنو سعد . بيان استنباط الأحكام ، وهو على وجوه : الأول : قال ابن الصلاح : فيه دلالة لصحة ما ذهب إليه العلماء من أن العوام المقلدين مؤمنون ، وأنه يكتفى منهم بمجرد اعتقادهم الحق جزما من غير شك وتزلزل خلافا للمعتزلة ؛ وذلك أنه عليه الصلاة والسلام قرر ضماما على ما اعتمد عليه في تعرف رسالته وصدقه بمجرد إخباره إياه بذلك ، ولم ينكره عليه ولا قال له يجب عليك معرفة ذلك بالنظر إلى معجزاتي والاستدلال بالأدلة القطعية .

الثاني : قال ابن بطال : فيه قبول خبر الواحد ؛ لأن قومه لم يقولوا له لا نقبل خبرك عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى يأتينا من طريق آخر . الثالث : قال أيضا : فيه جواز إدخال البعير في المسجد ، وهو دليل على طهارة أبوال الإبل وأرواثها ؛ إذ لا يؤمن ذلك منه مدة كونه في المسجد . قلت : هذا احتمال لا يحكم به في باب الطهارة ، على أنا قد بينا أن المراد من قوله في المسجد في الحديث - في رحبة المسجد ونحوها .

الرابع : فيه جواز تسمية الأدنى للأعلى دون أن يكنيه ، إلا أنه نسخ في حق الرسول عليه السلام بقوله تعالى : لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا الخامس : فيه جواز الاتكاء بين الناس في المجالس . السادس : فيه ما كان للنبي عليه السلام من ترك التكبر ؛ لقوله ظهرانيهم . السابع : فيه جواز تعريف الرجل بصفة من البياض والحمرة والطول والقصر ، ونحو ذلك .

الثامن : فيه الاستحلاف على الخبر لعلم اليقين ، وفي مسلم فبالذي خلق السماء وخلق الأرض ونصب هذه الجبال ، آلله أرسلك ؟ قال : نعم . التاسع : فيه التعريف بالشخص ؛ فإنه قال أيكم محمد ؟ وقال : ابن عبد المطلب . العاشر : فيه النسبة إلى الأجداد ؛ فإنه قال ابن عبد المطلب ، وجاء في صحيح مسلم يا محمد .

الحادي عشر : استنبط منه الحاكم طلب الإسناد العالي ولو كان الراوي ثقة ، إذ البدوي لم يقنعه خبر الرسول عن النبي صلى الله عليه وسلم حتى رحل بنفسه وسمع ما بلغه الرسول عنه . قيل : إنما يتم ما ذكره إذا كان ضمام قد بلغه ذلك أولا . قلت : قد جاء ذلك مصرحا به في رواية مسلم .

الثاني عشر : فيه تقديم الإنسان بين يدي حديثه مقدمة يعتذر فيها ليحسن موقع حديثه عند المحدث ، وهو من حسن التوصل ، وإليه الإشارة بقوله إني سائلك فمشدد عليك . الأسئلة والأجوبة : منها ما قيل : قال على فقرائنا ، وأصناف المصرف ثمانية لا تنحصر على الفقراء ! وأجيب بأن ذكرهم باعتبار أنهم الأغلب من سائر الأصناف ، أو لأنه في مقابلة ذكر الأغنياء . ومنها ما قيل : لِمَ لَمْ يذكر الحج ؟ أجيب بأنه كان قبل فرضية الحج ، أو لأنه لم يكن من أهل الاستطاعة له - قاله الكرماني .

قلت : لم يذكر الحج في رواية شريك بن عبد الله بن أبي نمر عن أنس ، وقد ذكره مسلم وغيره في رواية ثابت عن أنس ، وهو أنس ، وهو في حديث أبي هريرة وابن عباس أيضا ، وما قاله الكرماني هو منقول عن ابن التين ، والحامل لهم على ذلك ما روي عن الواقدي من أن قدوم ضمام كان سنة خمس ، وقد بينا فساده . ومنها ما قيل : لم لم يخاطب بالنبوة ولا بالرسالة ، وقد قال الله تعالى : لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضًا ؟ وأجيب بأوجه ؛ الأول : أنه لم يكن آمن بعد . الثاني : أنه باق على جفاء الجاهلية ، لكنه لم ينكر عليه ولا رد عليه .

الثالث : لعله كان قبل النهي عن مخاطبته عليه السلام بذلك . الرابع : لعله لم يبلغه ، وقد مر الكلام فيه عن قريب . ويقال : إنما قال ابن عبد المطلب لأنه لما دخل على النبي صلى الله عليه وسلم قال أيكم ابن عبد المطلب ، فقال له النبي عليه السلام : أنا ابن عبد المطلب ، فقال ابن عبد المطلب على ما رواه أبو داود في سننه من طريق ابن عباس أنه قال أيكم ابن عبد المطلب ؟ فقال النبي عليه السلام : أنا ابن عبد المطلب .

فقال : يا ابن عبد المطلب - وساق الحديث . ومنها ما قيل : إن النبي صلى الله عليه وسلم كان يكره الانتساب إلى الكفار ، فكيف قال في هذا الحديث أنا ابن عبد المطلب ؟ وأجيب بأنه أراد به هاهنا تطابق الجواب السؤال ؛ لأن ضماما خاطبه بقوله أيكم ابن عبد المطلب ؟ فأجاب عليه السلام بقوله أنا ابن عبد المطلب . فإن قلت : كيف كان يكره ذلك وقد قال عليه السلام يوم حنين أنا ابن عبد المطلب ؟ قلت : لم يذكره إلا للإشارة إلى رؤيا رآها عبد المطلب مشهورة كانت إحدى دلائل نبوته ، فذكرهم بها وبخروج الأمر على الصدق .

ومنها ما قيل : ما فائدة الأيمان المذكورة ؟ وأجيب بأنها جرت للتأكيد وتقرير الأمر لا لافتقار إليها ، كما أقسم الله تعالى على أشياء كثيرة كقوله : قُلْ إِي وَرَبِّي إِنَّهُ لَحَقٌّ قُلْ بَلَى وَرَبِّي لَتُبْعَثُنَّ فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ ومنها ما قيل : هل النجدي السائل في حديث طلحة بن عبيد الله المذكور فيما مضى هو ضمام بن ثعلبة أو غيره ؟ أجيب بأن جماعة قد قالوا : إنه هو إياه ، والنجدي هو ضمام بن ثعلبة . ومال إلى هذا ابن عبد البر والقاضي عياض وغيرهما ، وقال القرطبي : يبعد أن يكونا واحدا لتباين ألفاظ حديثيهما ومساقهما . رواه موسى وعلي بن عبد الحميد عن سليمان ، عن ثابت ، عن أنس ، عن النبي صلى الله عليه وسلم - بهذا .

أي روى الحديث المذكور موسى بن إسماعيل أبو سلمة المنقري التبوذكي وهو شيخ البخاري ، وقد مر ذكره ، وهو يروي هذا الحديث عن سليمان بن المغيرة أبي سعيد القيسي البصري عن ثابت البناني عن أنس بن مالك رضي الله عنه . وأخرجه أبو عوانة في صحيحه موصولا بهذا الطريق ، وكذا ابن منده في الإيمان . فإن قلت : لم علقه البخاري ولم يخرجه موصولا ؟ قلت : قال الكرماني : يحتمل أن يكون البخاري يروي عن شيخه موسى بالواسطة فيكون تعليقا ، وفائدة ذكره الاستشهاد وتقوية ما تقدم .

وقال بعضهم : إنما علقه البخاري لأنه لم يحتج بشيخه سليمان بن المغيرة ؛ يعني شيخ موسى بن إسماعيل الذي هو شيخ البخاري . قلت : كيف يقول لم يحتج به وقد روى له حديثا واحدا عن ابن أبي إياس عن سليمان بن المغيرة عن حميد بن هلال عن أبي صالح السمان قال : رأيت أبا سعيد الخدري رضي الله عنه في يوم جمعة يصلي إلى شيء يستره من الناس - الحديث ، ذكره في باب يرد المصلي من بين يديه . وقال أحمد بن حنبل فيه : ثبت ثبت ، ثقة ثقة .

وقال ابن سعد : ثقة ثبت . وقال شعبة : سيد أهل البصرة . وقال أبو داود الطيالسي : كان من خيار الناس .

سمع الحسن وابن سيرين وثابت البناني ، روى عنه الثوري وشعبة ، وتوفي سنة خمس وستين ومائة ، روى له الجماعة . قوله وعلي بن عبد الحميد عطف على موسى ، وروى الحديث المذكور أيضا علي بن عبد الحميد عن سليمان بن المغيرة عن ثابت عن أنس رضي الله عنه ، وأخرجه الترمذي موصولا من طريقه ، وأخرجه الدارمي عن علي بن عبد الحميد - إلخ ، وهو علي بن عبد الحميد بن مصعب أبو الحسين المعني - بفتح الميم وسكون العين المهملة وكسر النون بعدها ياء النسبة ، نسبة إلى معن بن مالك بن فهم بن غنم بن دوس ، قال الرشاطي : المعني في الأزد وفي طي وفي ربيعة ؛ فالذي في أزد معن بن مالك والذي في طي معن بن عتود بن غسان بن سلامان بن نفل بن عمرو بن الغوث بن طي ، والذي في ربيعة معن بن زائدة بن عبدالله بن زائدة بن مطر بن شريك ، وروى عنه أبو زرعة وأبو حاتم وقالا : هو ثقة . وقال ابن عساكر : روى عنه البخاري تعليقا ، وتوفي سنة اثنتين وعشرين ومائتين .

قلت : ليس له في البخاري سوى هذا الموضع المعلق ، وأما ثابت البناني فهو ابن أسلم أبو حامد البناني البصري العابد ، سمع ابن الزبير وابن عمر وأنسا وغيرهم من الصحابة والتابعين ، روى عنه خلق كثير . وقال أحمد ويحيى وأبو حاتم : ثقة ، ولا خلاف فيه . توفي سنة ثلاث وعشرين ومائة ، روى له الجماعة والبناني - بضم الباء الموحدة وبالنونين ، نسبة إلى بنانة بطن من قريش .

وقال الزبير بن بكار : كانت بنانة أمة لسعد بن لؤي ، حضنت بنيه فنسبوا إليها . وقال الخطيب : بنانة هم بنو سعد بن غالب ، وأم سعد بنانة . قوله بهذا أشار به إلى معنى الحديث المذكور ؛ لأن اللفظ مختلف ، فافهم !

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث