باب رفع العلم وظهور الجهل
باب رفع العلم وظهور الجهل أي هذا باب في بيان رفع العلم وظهور الجهل ، وإنما قال وظهور الجهل مع أن رفع العلم يستلزم ظهور الجهل لزيادة الإيضاح ، ووجه المناسبة بين البابين من حيث إن المذكور في الباب الأول فضل العالم والمتعلم ، وفيه الترغيب في تحصيل العلم والإشارة إلى فضيلة العلم ، وهذا الباب فيه ضد ذلك لأن فيه رفع العلم المستلزم لظهور الجهل ، وفيه التحذير وذم الجهل وبالضد تتبين الأشياء . وقال ربيعة : لا ينبغي لأحد عنده شيء من العلم أن يضيع نفسه . ربيعة هو المشهور بربيعة الرأي بإسكان الهمزة ، إنما قيل له ذلك لكثرة اشتغاله بالرأي والاجتهاد وهو ابن أبي عبد الرحمن فروخ بالفاء والراء المشددة المضمومة وبالخاء المعجمة ، المدني التابعي الفقيه ، شيخ مالك بن أنس ، روى عنه الأعلام منهم أبو حنيفة ، توفي سنة ست وثلاثين ومائة بالمدينة وقيل بالأنبار في دولة أبي العباس ، فإن قلت : ما وجه مناسبة قول ربيعة هذا للتبويب في رفع العلم ؟ قلت : من كان له فهم وقبول يلزمه من فرض العلم ما لا يلزم غيره ، فينبغي أن يجتهد فيه ولا يضيع علمه فيضيع نفسه ، فإنه إذا لم يتعلم أفضى إلى رفع العلم ؛ لأن البليد لا يقبل العلم فهو عنه مرتفع فلو لم يتعلم الفهم لارتفع العلم عنه أيضا فيرتفع عموما وذلك من أشراط الساعة ، ويقال : معنى كلام ربيعة الحث على نشر العلم لأن العالم في قومه إذا لم ينشر علمه ومات قبل ذلك أدى ذلك إلى رفع العلم وظهور الجهل ، وهذا المعنى أيضا يناسب التبويب ، ويقال معناه أنه لا ينبغي للعالم أن يأتي بعلمه أهل الدنيا ولا يتواضع لهم إجلالا للعلم ، فعلى هذا فالمعنى في مناسبة التبويب ما يؤدي إليه من قلة الاشتغال بالعلم والاهتمام به لما يرى من ابتذال أهله وقلة الاحترام لهم ، قوله أن يضيع وفي بعض النسخ يضيع بدون أن معناه بأن لا يفيد الناس ولا يسعى في تعليم الغير ، وقد قيل : ومن منع المستوجبين فقد ظلم .
وقال التيمي : قال الفقهاء : لزم معين البلد للقضاء طلبه لحاجة إلى رزقه من بيت المال أو لخمول ذكره وعدم شهرة فضيلته يعني إذا ولي القضاء انتشر علمه ، فإن قلت : ما حال هذا التعليق ؟ قلت : قد علم أن ما يذكر البخاري بصيغة الجزم يدل على صحته عنده ، وما يذكره بصيغة التمريض يدل على ضعفه ، وهذا بصيغة الجزم ، ووصله الخطيب في الجامع والبيهقي في المدخل من طريق عبد العزيز الأويسي عن مالك عن ربيعة .