باب إثم من كذب على النبي صلى الله عليه وسلم
حدثنا أبو الوليد قال : حدثنا شعبة ، عن جامع بن شداد ، عن عامر بن عبد الله بن الزبير ، عن أبيه قال : قلت للزبير : إني لا أسمعك تحدث عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - كما يحدث فلان وفلان ! قال : أما إني لم أفارقه ، ولكن سمعته يقول : من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار . هذا هو الحديث الثاني مما فيه المطابقة للترجمة بيان رجاله : وهم ستة : الأول : أبو الوليد هشام بن عبد الملك الطيالسي البصري ، وقد تقدم . الثاني : شعبة بن الحجاج .
الثالث : جامع بن شداد المحاربي أبو صخرة ، وقيل : أبو صخر الكوفي الثقة ، وهو قليل الحديث ، له نحو عشرين حديثا ، مات سنة ثمان عشرة ومائة ، روى له الجماعة . الرابع : عامر بن عبد الله بن الزبير بن العوام الأسدي القرشي ، أبو حارث المدني ، أخو عباد وحمزة وثابت وخبيب وموسى وعمر ، كان عابدا فاضلا ثقة ، مات سنة أربع وعشرين ومائة . الخامس : أبوه ، وهو عبد الله بن الزبير بن العوام ، أبو بكر ، ويقال : أبو خبيب بضم الخاء المعجمة وفتح الباء الموحدة الأولى وسكون الياء آخر الحروف بينهما ، الصحابي ابن الصحابي ، أمير المؤمنين ، وهو أول من ولد في الإسلام للمهاجرين بالمدينة ، ولدته أمه أسماء بنت الصديق بقباء ، وأتت به النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ، فوضعته في حجره ، ودعا بتمرة ، فمضغها ، ثم تفل في فيه ، وحنكه ، فكان أول شيء دخل في جوفه ريق النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم دعا له ، وكان أطلس ، لا لحية له ، روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثة وثلاثون حديثا ، ذكر البخاري منها ستة ، وكان صواما قواما ، وليلة راكعا ، وليلة ساجدا حتى الصباح ، بويع له بالخلافة بعد موت يزيد بن معاوية سنة أربع وستين ، واجتمع على طاعته أهل الحجاز واليمن والعراق وخراسان ما عدا الشام ، وجدد عمارة الكعبة ، وجعل لها بابين ، وحج بالناس ثمان حجج ، وبقي في الخلافة إلى أن حصره الحجاج بمكة أول ليلة من ذي الحجة سنة ثنتين وسبعين ، ولم يزل يحاصره إلى أن أصابته رمية الحجر ، فمات ، وصلب جثته ، وحمل رأسه إلى خراسان .
السادس : أبوه الزبير بن العوام بتشديد الواو القرشي ، أحد العشرة المبشرة بالجنة ، وأحد ستة أصحاب الشورى ، وأحد المهاجرين بالهجرتين ، وحواري النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وأمه صفية بنت عبد المطلب عمة النبي - صلى الله عليه وسلم - أسلمت وأسلم ، هو رابع أربعة ، أو خامس خمسة على يد الصديق ، وهو ابن ست عشرة سنة ، وشهد المشاهد كلها مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، روي له عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ثمانية وثلاثون حديثا ، اتفقا منها على حديثين ، وانفرد البخاري بسبعة ، وهو أول من سل السيف في سبيل الله ، وكان يوم الجمل قد ترك القتال ، وانصرف عنه ، فلحقه جماعة من الغزاة ، فقتلوه بوادي السباع بناحية البصرة ، ودفن ثمة ، ثم حول إلى البصرة ، وقبره مشهور بها ، روى له الجماعة ، وكان له أربع نسوة ، ودفع الثلث ، فأصاب كلَّ امرأة منهن ألفُ ألف ومائتا ألف ، فجميع ماله خمسون ألف ألف ومائة ألف . بيان لطائف إسناده : منها : أن فيه التحديث والعنعنة ومنها أن فيه رواية تابعي ، عن تابعي ، ومنها أن فيه رواية صحابي عن صحابي ، ومنها أن فيه النوع من رواية الأبناء عن الآباء ورواية الابن عن الأب عن الجد . بيان من أخرجه غيره لم يخرجه مسلم .
وأخرجه أبو داود في العلم ، عن عمرو بن عون ومسدد ، كلاهما عن خالد الطحان ، عن بيان بن بشر ، عن وبرة بن عبد الرحمن ، عن عامر به . وأخرجه النسائي فيه ، عن محمد بن عبد الأعلى ، عن خالد بن الحارث ، عن شعبة به . وأخرجه ابن ماجه في السنة ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ومحمد بن بشار ، كلاهما عن غندر ، عن شعبة به .
بيان اللغات والإعراب قوله فليتبوأ بكسر اللام هو الأصل وبالسكون هو المشهور ، وهو أمر من التبوء ، وهو اتخاذ المباءة أي المنزل ، يقال : تبوأ الرجل المكان إذا اتخذه موضعا لمقامه ، وقال الجوهري : تبوأت منزلا أي نزلته ، وقال الخطابي : تبوأ بالمكان أصله من مباءة الإبل وهي أعطانها ، قوله إني لا أسمعك تحدث معناه لا أسمع تحديثك وحذف مفعوله ، وفي بعض النسخ ليس فيه إني ، قوله كما يحدث الكاف للتشبيه وما مصدرية أي كتحديث فلان وفلان وحذف مفعوله أيضا إرادة العموم ، قوله أما بفتح الهمزة وتخفيف الميم من حروف التنبيه ، قوله إني بكسر الهمزة ، قوله لم أفارقه جملة في محل الرفع ؛ لأنها خبر إن والضمير المنصوب يرجع إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، قوله لكني في بعض النسخ لكنني ، ويجوز في إن وأخواتها إلحاق نون الوقاية بها وعدم الإلحاق ، قوله من موصولة تتضمن معنى الشرط و كذب علي صلتها ، وقوله فليتبوأ جواب الشرط ؛ فلذلك دخلته الفاء ، قوله مقعده مفعول ليتبوأ وكلمة من في من النار بيانية أو ابتدائية . قاله الكرماني . قلت : الأولى أن يكون بمعنى في ، كما في قوله تعالى : إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ بيان المعاني قوله كما يحدث فلان وفلان سمى منهما في رواية ابن ماجه عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه ، قوله لم أفارقه أي رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وفي رواية الإسماعيلي منذ أسلمت ، وأراد به عدم المفارقة العرفية أي ما فارقته سفرا وحضرا على عادة من يلازم الملوك ، فإن قلت : قد هاجر إلى الحبشة .
قلت : ذاك قبل ظهور شوكة الإسلام أي ما فارقته عند ظهوره والمراد في أكثر الأحوال ، قوله لكن للاستدراك ، فإن قلت : شرط لكن أن تتوسط بين كلامين متغايرين فما هما هاهنا ؟ قلت : لازم عدم المفارقة السماع ، ولازم السماع التحديث عادة ، ولازم التحديث الذي ذكره في الجواب عدم التحديث . فبين الكلامين منافاة فضلا عن المغايرة ، فإن قلت : المناسب لسمعت ، قال : ليتوافقا مضيا ، فما الفائدة في العدول إلى المضارع ؟ قلت : استحضار صورة القول للحاضرين والحكاية عنها كأنه يريهم أنه قال به الآن ، قوله فليتبوأ مقعده من النار ، قال الخطابي : ظاهره أمر ومعناه خبر يريد أن الله تعالى يبوئه مقعده من النار ، وقال الطيبي : الأمر بالتبوء تهكم وتغليظ ؛ إذ لو قيل كان مقعده في النار لم يكن كذلك ، وأيضا فيه إشارة إلى معنى القصد في الذنب وجزائه أي كما أنه قصد في الكذب التعمد فليقصد في جزائه التبوء ، وقال الكرماني : يجوز أن يكون الأمر على حقيقته والمعنى : من كذب فليأمر نفسه بالتبوء . قلت : والأولى أن يكون أمر تهديد أو يكون دعاء على معنى بوأه الله .
الأسئلة والأجوبة منها ما قيل : التبوء إن كان إلى الكاذب فلا شك أنه لا يبوئ نفسه ، وله إلى تركه سبيل وإن كان إلى الله فأمر العبد بما لا سبيل له إليه غير جائز ، أجيب بأنه بمعنى الدعاء أي بوأه الله كما ذكرنا ، ومنها ما قيل ذلك عام في كل كذب أم خاص ؟ أجيب بأنه اختلف فيه ، فقيل : معناه الخصوص أي الكذب في الدين كما ينسب إليه تحريم حلال أو تحليل حرام ، وقيل : كان ذلك في رجل بعينه كذب على الرسول صلى الله عليه وسلم وادعى عند قوم أنه بعثه إليهم ليحكم فيهم ، واحتجاج الزبير رضي الله عنه ينفي التخصيص ، فهو عام في كل كذب ديني ودنيوي ، ومنها ما قيل من قصد الكذب على الرسول صلى الله عليه وسلم ، ولم يكن في الواقع كذب ، هل يأثم ؟ أجيب بأنه يأثم لكن لا بسبب الكذب بل بسبب قصد الكذب ؛ لأن قصد المعصية معصية إذا تجاوز عن درجة الوسوسة فلا يدخل تحت الحديث ، ومنها ما قيل : لم توقف الزبير رضي الله تعالى عنه في الرواية والإكثار منها ؟ أجيب : لأجل خوف الغلط والنسيان والغالط والناسي ، وإن كان لا إثم عليه فقد ينسب إلى التفريط لتساهله أو نحوه ، وقد يتعلق بالناسي حكم الأحكام الشرعية كغرامات المتلفات وانتقاض الطهارات . قلت : وأما من أكثر منهم فمحمول على أنهم كانوا واثقين من أنفسهم بالتثبت أو طالت أعمارهم ، فاحتيج إلى ما عندهم فسئلوا فلم يمكنهم الكتمان رضي الله تعالى عنهم ، ومنها ما قيل : إن قوله من كذب علي هل يتناول غير العامد أو المراد منه العامد ؟ أجيب بأنه أعم من العامد وغيره ، ولم يقع فيه العمد في رواية البخاري ، وفي طريق ابن ماجه من كذب علي متعمدا ، وكذا وقع للإسماعيلي من طريق غندر ، عن شعبة نحو رواية البخاري والاختلاف فيه على شعبة ، وقد أخرجه الدارمي من طريق أخرى ، عن عبد الله بن الزبير بلفظ : من حدث عني كذبا ، ولم يذكر العمد فدل ذلك أن المراد منه العموم ، وقال بعض الحفاظ : المحفوظ في حديث الزبير حذف لفظة متعمدا ، ولذلك جاء في بعض طرقه ، فقال : ما لي لا أراك تحدث ، وقد حدث فلان وفلان وابن مسعود ، فقال : والله يا بني ما فارقته منذ أسلمت ، ولكن سمعته يقول : من كذب علي فليتبوأ مقعده من النار ، والله ما قال متعمدا وأنتم تقولون متعمدا ، قال أبو الحسن القابسي : لم يذكر في حديث علي والزبير متعمدا ، فمن أجل ذلك هاب بعض من سمع الحديث أن يحدث الناس بما سمع ، فإن قلت : إذا كان عاما ينبغي أن يدخل فيه الناسي أيضا . قلت : الحديث بعمومه يتناول العامد والساهي والناسي في إطلاق اسم الكذب عليهم غير أن الإجماع انعقد على أن الناسي لا إثم عليه ، والله أعلم .