حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب الإنصات للعلماء

حدثنا حجاج ، قال : حدثنا شعبة ، قال : أخبرني علي بن مدرك ، عن أبي زرعة ، عن جرير أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له في حجة الوداع : استنصت الناس ، فقال : لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض . مطابقة الحديث للترجمة في قوله استنصت الناس . بيان رجاله : وهم خمسة : الأول : حجاج بن منهال الأنماطي ، وقد تقدم .

الثاني : شعبة بن الحجاج ، وقد تقدم غير مرة . الثالث : علي بن مدرك بضم الميم وكسر الراء أبو مدرك النخعي الكوفي الصالح الصدوق الثقة ، مات سنة عشرين ومائة ، روى له الجماعة . الرابع : أبو زرعة ، اسمه هرم بفتح الهاء وكسر الراء ابن عمرو بن جرير بن عبد الله البجلي ، كان سيدا مطاعا ، بديع الجمال ، كبير القدر ، طويل القامة ، يصل إلى سنام البعير ، وكان نعله ذراعا مر في باب الدين النصيحة .

بيان لطائف إسناده منها أن فيه التحديث والإخبار بصيغة المفرد والجمع والعنعنة . ومنها أن رواته ما بين كوفي وواسطي وبصري . ومنها أن فيه رواية ابن الابن عن جده .

بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره : أخرجه البخاري هنا عن الحجاج ، وفي المغازي عن حفص بن عمرو ، وفي الفتن عن سليمان ، كلهم عن شعبة ، عن علي بن مدرك به ، وفي الديات ، عن بندار ، عن غندر ، عن شعبة ، وعن عبيد الله بن معاذ ، عن أبيه ، عن شعبة به . وأخرجه مسلم في الإيمان ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن غندر ، عن شعبة ، وعن ابن المثنى وابن بشار ، عن غندر به . وأخرجه النسائي في العلم ، عن محمد بن عثمان بن أبي صفوان عبد الرحمن بن مهدي ، عن شعبة به ، وفي المحاربة عن بندار ، عن غندر وابن مهدي به .

وأخرجه ابن ماجه في الفتن ، عن بندار عنهما به ، وهذا قطعة من حديث أبي بكرة الطويل ، ذكره البخاري في الخطبة أيام منى ومسلم في الجنايات ، وقد تقدم قطعة من حديث أبي بكرة في كتاب العلم في موضعين أحدهما في باب رب مبلغ أوعى من سامع . بيان الإعراب والمعنى قوله قال جملة في محل الرفع ؛ لأنها اسم إن ، قوله في حجة الوداع متعلق بقال المشهور في الحاء والواو الفتح ، قوله استنصت الناس جملة من الفعل والفاعل ، وهو أنت في اسنتصت والمفعول وهو الناس ، وهو مقول القول ، واستنصت أمر من الاستنصات استفعال من الإنصات ، ومثله قليل ؛ إذ الغالب أن الاستفعال يبنى من الثلاثي ومعناه طلب السكوت وهو متعد ، والإنصات جاء لازما ومتعديا يعني استعمل أنصتوه وأنصتوا له لا أنه جاء بمعنى الإسكات ، وسميت بحجة الوداع ؛ لأن النبي - صلى الله عليه وسلم - ودع الناس فيها ، فإن قلت : قد وقع في غالب النسخ أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال له ، أي لجرير : وكيف يكون هذا ؟ وقد جزم ابن عبد البر بأن جريرا أسلم قبل موت النبي - صلى الله عليه وسلم - بأربعين يوما . قلت : قد قيل : إن لفظة له هاهنا زيادة لأجل هذا المعنى ، ولكن وقع في رواية البخاري لهذا الحديث في باب حجة الوداع أن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال لجرير : وهذا يدل على أن لفظة له هاهنا غير زائدة وأن رواية جرير قبل ذلك ، ويصححه ما قاله البغوي وابن ماجه : إنه أسلم في رمضان سنة عشر ؛ فحينئذ يخدش ما ذكره ابن عبد البر ، والله أعلم .

قوله لا ترجعوا معناه هاهنا لا تصيروا ، قال ابن مالك : رجع هنا استعمل استعمال صار معنى وعملا ، أي لا تصيروا بعدي كفارا ، فعلى هذا كفارا منصوب ؛ لأنه خبر لا ترجعوا أي لا تصيروا فتكون من الأفعال الناقصة التي تقتضي الاسم المرفوع والخبر المنصوب ، قوله بعدي قال الطبري : أي بعد فراقي موقفي هذا ، وقال غيره : خلافي ، أي لا تخلفوني في أنفسكم بعد الذي أمرتكم به ، ويحتمل أنه عليه الصلاة والسلام علم أن هذا لا يكون في حياته فنهاهم عنه بعد وفاته . وقال المظهري : يعني إذا فارقت الدنيا فاثبتوا بعدي على ما أنتم عليه من الإيمان والتقوى ، ولا تحاربوا المسلمين ، ولا تأخذوا أموالهم بالباطل . وقال محيي السنة : أي لا تكن أفعالكم شبيهة بأفعال الكفار في ضرب رقاب المسلمين .

وقال النووي : قيل : في معناه ستة أقوال أخر ، أحدها أن ذلك كفر في حق المستحل بغير حق . ثانيها : المراد كفر النعمة وحق الإسلام . ثالثها : أنه يقرب من الكفر ويؤدي إليه .

رابعها : أنه حقيقة الكفر ، ومعناه دوموا مسلمين . خامسها : حكاه الخطابي أن المراد بالكفار المتكفرون بالسلاح ، يقال : تكفر الرجل بسلاحه إذا لبسه ، ويقال للابس السلاح : كافر . سادسها : معناه لا يكفر بعضكم بعضا ، فتستحلوا قتال بعضكم بعضا .

قوله يضرب برفع الباء ، وهو الصواب ، وهو الرواية التي رواها المتقدمون والمتأخرون ، وفيه وجوه : أحدها أن يكون صفة لكفار أي لا ترجعوا بعدي كفارا متصفين بهذه الصفة القبيحة ، يعني ضرب بعضكم رقاب آخرين . والثاني : أن يكون حالا من ضمير لا ترجعوا أي لا ترجعوا بعدي كفارا حال ضرب بعضكم رقاب بعض . والثالث : أن يكون جملة استئنافية كأنه قيل : كيف يكون الرجوع كفارا ؟ فقال : يضرب بعضكم رقاب بعض ، فعلى الوجه الأول يجوز أن يكون معناه لا ترجعوا عن الدين بعدي ، فتصيروا مرتدين مقاتلين يضرب بعضكم رقاب بعض بغير حق على وجه التحقيق ، وأن يكون لا ترجعوا كالكفار المقاتل بعضكم بعضا على وجه التشبيه بحذف أداته هو على الثاني ، يجوز أن يكون معناه لا تكفروا حال ضرب بعضكم رقاب بعض لأمر يعرض بينكم لاستحلال القتل بغير حق ، وأن يكون لا ترجعوا حال المقاتلة لذلك كالكفار في الانهماك في تهييج الشر وإثارة الفتن بغير إشفاق منكم بعضكم على بعض في ضرب الرقاب ، وعلى الثالث يجوز أن يكون معناه لا يضرب بعضكم رقاب بعض بغير حق ، فإنه فعل الكفار وأن يكون لا يضرب بعضكم رقاب بعض كفعل الكفار على ما تقدم ، وجوز ابن مالك وأبو البقاء جزم الباء على أنه بدل من لا ترجعوا ، وأن يكون جزاء لشرط مقدر على مذهب الكسائي ، أي فإن رجعتم يضرب بعضكم رقاب بعض ، وقيل : يجوز الجزم بأن يكون جواب النهي على مذهب من يجوز لا تكفر تدخل النار .

وقال القاضي والنووي : ومن سكن الباء ممن لم يضبطه أحال المعنى ؛ لأن التقدير على الرفع لا تفعلوا فعل الكفار فتشبهوا بهم في حالة قتل بعضهم بعضا ومحاربة بعضهم بعضا . قال القاضي : وهذا أولى الوجوه التي يتناول عليها هذا الحديث ، وقد جرى بين الأنصار كلام بمحاولة اليهود حتى ثار بعضهم إلى بعض في السلاح ، فأنزل الله تعالى : وَكَيْفَ تَكْفُرُونَ وَأَنْتُمْ تُتْلَى عَلَيْكُمْ آيَاتُ اللَّهِ أي تفعلون فعل الكفار ، وسياق الخبر يدل على أن النهي عن ضرب الرقاب والنهي عما قبله بسببه كما جاء في حديث أبي بكرة رضي الله عنه : إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام . . ، وذكر الحديث ثم قال : ليبلغ الشاهد الغائب ، لا ترجعوا بعدي كفارا . .

الحديث . فهو شرح لما تقدم من تحريم بعضهم على بعض ، قوله رقاب بعض ، وهو جمع رقبة ، فإن قلت : ليس لكل شخص إلا رقبة واحدة ، ولا شك أن ضرب الرقبة الواحدة منهي عنها . قلت : البعض وإن كان مفردا لكنه في معنى الجمع كأنه قال : رب لا يضرب فرقة منكم رقاب فرقة أخرى ، والجمع في مقابلة الجمع أو ما في معناه يفيد التوزيع .

بيان استنباط الأحكام الأول : قال ابن بطال : فيه أن الإنصات للعلماء والتوقير لهم لازم للمتعلمين ، قال الله تعالى : لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ ويجب الإنصات عند قراءة حديث رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مثل ما يجب له صلى الله عليه وسلم ، وكذلك يجب الإنصات للعلماء ؛ لأنهم الذين يحيون سنته ويقومون بشريعته . الثاني : فيه تحذير الأمة من وقوع ما يحذر فيه . الثالث : تعلق به بعض أهل البدع في إنكار حجية الإجماع كما قال المازري ؛ لأنه نهى الأمة بأسرها عن الكفر ، ولولا جواز إجماعها عليه لما نهاها ، والجواب أن الامتناع إنما جاء من جهة خبر الصادق لا من عدم الإمكان ، وقد قال تعالى : لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ ومعلوم أنه معصوم .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث