باب ذكر العلم والفتيا في المسجد
- باب ذكر العلم والفتيا في المسجد 72 - حدثني قتيبة بن سعيد قال : حدثنا الليث بن سعد قال : حدثنا نافع مولى عبد الله بن عمر بن الخطاب ، عن عبد الله بن عمر : أن رجلا قام في المسجد فقال : يا رسول الله من أين تأمرنا أن نهل ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : يهل أهل المدينة من ذي الحليفة ، ويهل أهل الشام من الجحفة ، ويهل أهل نجد من قرن ، وقال ابن عمر : ويزعمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ويهل أهل اليمن من يلملم ، وكان ابن عمر يقول : لم أفقه هذه من رسول الله صلى الله عليه وسلم . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة وهو أنه مشتمل على ذكر العلم ، أعني : علم إهلال الحج في المسجد واستفتاء ذلك الرجل عن النبي عليه الصلاة والسلام وفتواه عليه الصلاة والسلام كل ذلك في المسجد .
( بيان رجاله ) وهم أربعة : الأول : قتيبة بن سعيد . الثاني : الليث بن سعد . الثالث : نافع بن سرجس بفتح السين المهملة وسكون الراء وكسر الجيم ، وفي آخره سين أخرى ، أصله من المغرب ، وقيل : من نيسابور ، وقيل : من سبي كابل ، وقيل : من جبال الطلقان أصابه عبد الله بن عمر في بعض غزواته وبعثه عمر بن عبد العزيز إلى مصر يعلمهم السنن ، مات بالمدينة سنة سبع عشرة ومائة روى له الجماعة .
الرابع : عبد الله بن عمر رضي الله عنهما . ( بيان لطائف إسناده ) منها أن فيه التحديث والعنعنة . قوله : " حدثني قتيبة " وفي بعض النسخ " حدثنا " ومنها أن رواته أئمة أجلاء ، ومنها أنهم ما بين بلخي ومصري ومدني .
( بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في الحج ، وأخرجه النسائي أيضا في العلم وفي الحج جميعا ، عن قتيبة عنه به ، وثبت هذا الحديث أيضا من رواية ابن عباس ، أخرجه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي ، وعن جابر أيضا أخرجه مسلم ، وأكمل الأحاديث حديث ابن عباس لأنه ذكر فيه المواقيت الأربعة ، وحديث ابن عمر لم يحفظ فيه ميقات أهل اليمن ، وحديث جابر رضي الله عنه لم يجزم برفعه . ( بيان اللغات ) قوله : " أن نهل " من الإهلال ، والإهلال بالحج رفع الصوت بالتلبية ، ومنه قيل للصبي إذا فارق أمه : أهل واستهل لرفعه صوته . قوله : " من ذي الحليفة " بضم الحاء وفتح اللام تصغير الحلفة باللام المفتوحة كالقصبة ، وهي تنبت في الماء وجمعها حلفاء ، كذا قاله الكرماني .
وقال الصغاني : الحلفاء نبت . قال الدينوري : قال أبو زياد : من الأغلاث الحلفاء ، وقيل : ما ينبت إلا قريبا من ماء أو بطن واد ، وهي سلسلة غليظة المس لا يكاد أحد يقبض عليها مخافة أن تقطع يده ، وقد تأكل منها الغنم والإبل أكلا قليلا وهي أحب شجرة إلى البقر ، والواحدة منها حلفاة . وقال الأصمعي : حلفة بكسر اللام .
وقال الأخفش وأبو زيد : حلفة بفتح اللام ، وقيل : يقال : حلفة وحلفاء وحلف مثال قصبة وقصباء وقصب ، وطرفة وطرفاء وطرف ، وشجرة وشجراء وشجر . وقال أبو عمر : الحلفاء واحدة وجمع ، وقد يجمع على حلافي على وزن بخاتي ج٢ / ص٢١٨وقال الكرماني : وذو الحليفة موضع على عشر مراحل من مكة . وقال الرافعي : على ميل من المدينة .
وقال النووي : ستة أميال . وقال عياض : سبعة أميال . وقال ابن حزم : من المدينة على أربعة أميال ومن مكة على مائتي ميل غير ميلين .
وقال الكرماني : الحنفي في مناسكه بينها وبين المدينة ميل أو ميلان ، والميل ثلاث فراسخ وهو أربعة آلاف ذراع ، ومنها إلى مكة عشر مراحل وهي الشجرة ، وفي موضع آخر منها إلى المدينة خمسة أميال ونصف مكتوب على الميل الذي وراءها : قريب من ستة أميال من البريد ، ومن هذا البريد أهل رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وبذي الحليفة عدة آبار ومسجدان لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، المسجد الكبير الذي يحرم منه الناس ، والمسجد الآخر مسجد المعرس . وقال ابن التين : هي أبعد المواقيت من مكة تعظيما لإحرام النبي صلى الله عليه وسلم . قوله : " من الجحفة " بضم الجيم وسكون الحاء المهملة وهو موضع بين مكة والمدينة من الجانب الشامي يحاذي ذا الحليفة ، وكان اسمها مهيعة بفتح الميم وسكون الهاء وفتح الياء آخر الحروف ، فأجحف السيل بأهلها أي : أذهب ، فسميت جحفة وهي على ست أو سبع مراحل من مكة .
قال النووي : على ثلاث مراحل منها ، وهي قريبة من البحر ، وكانت قرية كبيرة . وقال أبو عبيد : هي قرية جامعة بها منبر ، بينها وبين البحر ستة أميال وغدير خم على ثلاثة أميال منها ، وهي ميقات المتوجهين من الشام ومصر والمغرب ، وهي على ثلاثة مراحل من مكة أو أكثر ، وعلى ثمانية مراحل من المدينة . وقال الكلبي : أخرجت العماليق بني عيل وهم إخوة عاد من يثرب ، فنزلوا الجحفة ، وكان اسمها مهيعة ، فجاءهم السيل فأجحفهم فسميت الجحفة ، وفي كتاب أسماء البلدان : لأن سيل الجحاف نزل بها ، فذهب بكثير من الحاج وبأمتعة الناس ورحالهم ، فمن ذلك سميت الجحفة .
وقال أبو عبيد رحمه الله : وقد سماها رسول الله صلى الله عليه وسلم مهيعة . قال القرطبي : قيل : بكسر الحاء . وقال ابن حزم الجحفة ما بين المغرب والشمال من مكة ، ومنها إلى مكة اثنان وثمانون ميلا .
قوله : " أهل نجد " النجد في اللغة ما أشرف من الأرض واستوى ويجمع على أنجد وأنجاد ونجود ونجد بضمتين . وقال القزاز : سمي نجدا لعلوه ، وقيل : سمي بذلك لصلابة أرضه وكثرة حجارته وصعوبته من قولهم : رجل نجد ، إذا كان قويا شديدا ، وقيل : سمي نجدا لفزع من يدخله لاستيحاشه واتصال فزع السالكين من قولهم : رجل نجد إذا كان فزعا ، ونجد مذكر ، قال الشاعر :
وقال أبو عمر : نجد ما بين جرش إلى سواد الكوفة وحده مما يلي المغرب الحجاز ، وعن يساره الكعبة اليمن ، ونجد كلها من عمل اليمامة . وقال ابن الأثير : نجد ما بين العذيب إلى ذات عرق وإلى اليمامة وإلى جبل طي وإلى وجرة وإلى اليمن ، والمدينة لا تهامية ولا نجدية ، فإنها فوق الغور ودون نجد . وقال الحازمي : نجد اسم للأرض العريضة التي أعلاها تهامة واليمن والعراق والشام .
وقال البكري : حد نجد ذات عرق من ناحية الحجاز كما يدور الجبال معها إلى جبال المدينة ، وما وراء ذلك ذات عرق إلى تهامة . وقال القتبي : حدثنا الرياشي عن الأصمعي قال : العرب تقول : إذا علوت نجدا مصعدا فقد أنجدت ، ولا تزال منجدا حتى تنحدر في ثنايا ذات عرق ، فإذا فعلت ذلك فقد انتهيت إلى البحر ، فإذا عرض لك الحرار وأنت تنجد فتلك الحجاز . وقال ياقوت : نجد تسعة مواضع ، ونجد المشهورة فيها اختلاف كثير ، والأكثر أنها اسم للأرض التي أعلاها تهامة وأسفلها العراق والشام .
وقال الخطابي : نجد ناحية المشرق ومن كان بالمدينة كان نجده بادية العراق ونواحيها ، وهي مشرق أهلها . وذكر في المنتهى : نجد من بلاد العرب وهو خلاف الغور أعني تهامة ، وكل ما ارتفع من تهامة إلى أرض العراق فهو نجد . وقال أبو عبيد البكري عن الكلبي : نجد ما بين الحجاز إلى الشام إلى العذيب ، والطائف من نجد ، والمدينة من نجد .
وقال في موضع آخر : ونجد كلها من عمل اليمامة . وقال عمارة بن عقيل : ما سال من ذات عرق مقبلا فهو نجد ، وحد نجد أسافل الحجاز ، قال : سمعت الباهلي يقول : كل ما رواه الخندق خندق كسرى الذي خندقه على سواد العراق فهو نجد إلى أن تميل إلى الحرة ، فإذا ملت إلى الحرة فأنت في الحجاز حتى تغور . وعن الأصمعي : ما ارتفع من بطن الرمة فهو نجد إلى ثنايا ذات عرق ، والسرف كبد نجد ، وكانت منازل الملوك من بني آكل المرار ، وفيه اليوم حمى ج٢ / ص٢١٩خربة ، وفيه الربذة وما كان منه إلى الشرق فهو نجد .
قوله : " من قرن " هو بفتح القاف وسكون الراء ، وهو جبل مدور أملس كأنه هضبة مطل على عرفات . وقال ابن حزم : إن من جاء على طريق نجد من جميع البلاد فميقاته قرن المنازل وهو شرق مكة شرفها الله تعالى ، ومنه إلى مكة اثنان وأربعون ميلا . وقال ابن قرقول : هو قرن المنازل وقرن الثعالب وقرن غير مضاف ، وهو على يوم وليلة من مكة .
وقال القابسي : من قال : قرن بالإسكان أراد الجبل المشرف على الموضع ، ومن قال بالفتح أراد الطريق الذي يفرق منه ، فإنه موضع فيه طرق متفرقة . وقال ابن الأثير في شرح المسند : وكثيرا ما يجيء في ألفاظ الفقهاء وغيرهم بفتحها ، وليس بصحيح . قلت : غلط الجوهري في صحاحه غلطين : أحدهما : أنه بفتح الراء ، والآخر : زعم أن أويسا القرني منسوب إليه ، والصواب سكون الراء ، وأويس منسوب إلى قبيلة يقال لهم : بنو قرن ، وليس هو بمنسوب إلى مكان فافهم .
قوله : " من يلملم " بفتح الياء آخر الحروف ، وفتح اللامين وهو جبل من جبال تهامة على مرحلتين من مكة . وقال ابن حزم : هو جنوب مكة ، ومنه إلى مكة ثلاثون ميلا . وفي شرح المهذب يصرف ولا يصرف .
قلت : إن أريد الجبل فمنصرف ، وإن أريد البقعة فغير منصرف البتة بخلاف قرن ، فإنه على تقدير إرادة البقعة يجوز صرفه لأجل سكون وسطه . وقال عياض : ويقال : الملم يعني بقلب الياء همزة ، وفي المحكم يلملم والملم جبل . وقال البكري : أهله كنانة وتنحدر أوديته إلى البحر وهو في طريق اليمن ، وهو من كبار جبال تهامة .
وقال الزمخشري : هو واد به مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم وبه عسكرت هوازن يوم حنين . فإن قلت : ما وزنه ؟ قلت : فعنعل كصمحمح وليس هو من لملمت لأن ذوات الأربعة لا يلحقها الزيادة في أولها إلا في الأسماء الجارية على أفعالها نحو مدحرج . قلت : فلأجل هذا حكمنا بأن الميم الأولى واللام الثانية زائدتان ، ولهذا قال الجوهري في باب الميم وفصل الياء : يلم ، ثم قال : يلملم لغة في الملم وهو ميقات أهل اليمن .
( بيان الإعراب ) قوله : " قام في المسجد " في محل الرفع على أنه خبر أن قوله : " فقال " عطف على قوله قام . قوله : " من أين " يتعلق بقوله " تأمرنا " وكلمة أين استفهام عن المكان . قوله : " أن نهل " أصله بأن نهل وأن مصدرية والتقدير بالإهلال .
قوله : " يهل أهل المدينة " جملة من الفعل والفاعل وقعت مقول القول . قوله : " من ذي الحليفة " يتعلق بيهل وكلمة من ابتدائية ، أي : ابتداء إهلالهم من ذي الحليفة . قوله : " ويهل أهل الشام " عطف على قوله : " يهل أهل المدينة " وكذا قوله : " ويهل أهل نجد " عطف عليه ، والتقدير في الكل ليهل لأنه وإن كان في الظاهر على صورة الخبر ولكنه في المعنى على صورة الأمر .
قوله : " وقال ابن عمر رضي الله عنهما " عطف على لفظ عن عبد الله بن عمر عطفا من جهة المعنى على صورة الأمر ، كأنه قال : قال نافع : قال ابن عمر ، وقال : ويزعمون ، والواو في ويزعمون عطف على مقدر وهو قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك ، ولا بد من هذا التقدير ؛ لأن الواو لا تدخل بين القول والمقول ، والمراد من الزعم إما القول المحقق أو المعنى المشهور . قوله : " أن رسول الله عليه الصلاة والسلام " بفتح همزة أن لأن أن مع اسمها وخبرها سدت مسد مفعولي زعم . قوله : " يقول " جملة في محل النصب لأنها خبر كان .
( بيان المعاني ) قوله : " في المسجد " أي : مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم . قوله : " أن نهل " أي : نحرم ، والإهلال في الأصل رفع الصوت ، ولكن المراد هنا الإحرام مع التلبية . قوله : " قال ابن عمر : ويزعمون " قال الكرماني : يحتمل احتمالا بعيدا أن يكون هذا تعليقا من البخاري ، وهكذا حكم ، وكان ابن عمر رضي الله عنهما .
قلت : هذا مثل ما قاله احتمال بعيد ؛ لأنه قال : ويزعمون ولا يريد من هؤلاء الزاعمين إلا أهل الحجة والعلم بالسنة ، ومحال أن يقولوا ذلك بآرائهم لأن هذا ليس مما يقال من جهة الرأي ولكنهم زعموا بما وقفهم عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وفي رواية مالك قال : وبلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : ويهل أهل اليمن من يلملم . قوله : " لم أفقه " أي : لم أفهم ولم أعرف " هذه " أي : هذه المقالة من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهي " ويهل أهل اليمن من يلملم " ، وفي رواية أخرى للبخاري في الحج : لم أسمع هذه من رسول الله عليه الصلاة والسلام . ( بيان استنباط الأحكام ) : الأول : فيه بيان المواقيت الثلاثة بالقطع : وهي ميقات أهل المدينة ، وميقات أهل الشام ، وميقات أهل نجد ، والرابع شك فيه ابن عمر رضي الله عنهما وهو ميقات أهل اليمن ، وقد ثبت هذا أيضا بالقطع في حديث ج٢ / ص٢٢٠ابن عباس أخرجه الشيخان وآخرون ، وفي رواية مسلم عن جابر وزاد مسلم فيه " ومهل العراق ذات عرق " ، وفي رواية أبي داود والترمذي من حديث ابن عباس " وقت رسول الله صلى الله عليه وسلم لأهل المشرق العقيق " قال أبو العباس القرشي : أجمع العلماء على المواقيت الأربعة ، واختلفوا في ذات عرق لأهل العراق ، والجمهور على أنها ميقات ، واستحب الشافعي لأهل العراق أن يحرموا من العقيق معتمدا على حديث أبي داود المذكور ، وأخرجه الترمذي أيضا وقال : حديث حسن .
قلت : وفي إسناده يزيد بن أبي زياد وهو ضعيف ، وإنما استحبه الشافعي لأنه أحوط عملا بالحديثين على تقدير الصحة ، فإن العقيق فوق ذات عرق . وقال النووي : اختلف العلماء هل صارت ذات عرق ميقاتا لأهل العراق بالنص أو الاجتهاد من عمر رضي الله عنه ، وفيه وجهان : لأصحاب الشافعي المنصوص عليه في الأم أنه بتوقيت عمر ، واجتهاده لحديث البخاري المذكور ، ودليل الثاني حديث جابر ، لكنه لم يجزم الراوي برفعه . قلت : قد أخرج هذه الزيادة أبو داود بالجزم عن عائشة رضي الله تعالى عنها " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وقت لأهل العراق ذات عرق " وأخرجه النسائي أيضا لكن في حديث أبي داود أفلح بن حميد ، وكان أحمد بن حنبل ينكر عليه قوله هذا ، ولأهل العراق ذات عرق .
قال ابن عدي : تفرد به عنه المعافى ابن عمران . قلت : قد أخرج لأفلح مسلم وأبو داود والنسائي وابن ماجه ، ووثقه يحيى وأبو حاتم ، وقال يحيى بن معين وأحمد بن عبد الله وغيرهما : المعافى بن عمران ثقة ، وروى للمعافى البخاري وأبو داود والنسائي ، وقال بعضهم : هذه الزيادة رواها أبو داود وغيره من حديث عائشة وجابر رضي الله عنهما وغيرهما بأسانيد ضعيفة ، لكن يقوي بعضها بعضا لما تقرر من أن الضعف إذا كان بغير فسق الراوي ، فإن الحديث ينتقل إلى درجة الحسن ويحتج به ، وأما تعليل الدارقطني للحديث بقوله : إنه لم يكن عراق يومئذ فقد ضعفه العلماء وقالوا : مثل هذا لا يعلل به الحديث ، فقد أخبر صلى الله عليه وسلم عما لم يكن في زمانه مما كان ويكون ، وهذا كان من معجزاته صلى الله عليه وسلم مع ما أخبر به أنه سيكون لهم مهل ويسلمون ويحجون فكان ذلك ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم وقت لأهل الشام الجحفة ولم يكن فتح وقد أقطع النبي صلى الله عليه وسلم بلد الخليل عليه الصلاة والسلام لتميم الداري ، وكتب له بذلك ولم يكن الشام إذ ذاك . قلت : قال الطحاوي : ذهب قوم إلى أن أهل العراق لا وقت لهم كوقت سائر أهل البلاد ، وأراد بهم طاوس بن كيسان وابن سيرين وجابر بن زيد ، واحتجوا في ذلك بالحديث المذكور ؛ لأنه لم يذكر فيه العراق ، وقالوا : أهل العراق يهلون من الميقات الذي يأتون عليه من هذه المواقيت المذكورة .
وقال ابن المنذر : أجمع عوام أهل العلم على القول بظاهر حديث ابن عمر ، واختلفوا فيما يفعل من مر بذات عرق ، فثبت أن عمر رضي الله عنه وقته لأهل العراق ، ولا يثبت فيه عن النبي صلى الله عليه وسلم سنة . انتهى . قلت : الصحيح هو الذي وقته النبي صلى الله عليه وسلم كذا ذكره في مطامح الأفهام ، ثم قال ابن المنذر : اختلفوا في المكان الذي يحرم من أتى من العراق على ذات عرق ، فقال أنس رضي الله عنه : يحرم من العقيق ، واستحب ذلك الشافعي ، وكان مالك وأحمد وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي يرون الإحرام من ذات عرق .
قال أبو بكر : الإحرام من ذات عرق يجزئ وهو من العقيق أحوط ، وقد كان الحسن بن صالح يحرم من الربذة ، وروي ذلك عن خصيف والقاسم بن عبد الرحمن . قلت : أخرج الطحاوي في كون الميقات لأهل العراق ذات عرق أحاديث أربعة من الصحابة وهم : عبد الله بن عمر وأنس وجابر وعائشة رضي الله تعالى عنهم ، وفي الباب عن ابن عباس عند الترمذي ، والحارث بن عمرو السهمي عند أبي داود ، وعمرو بن العاص عند الدارقطني . الثاني : فيه أن هذه المواقيت لا تجوز مجاوزتها بغير إحرام سواء أراد حجا أو عمرة ، فإن جاوزها بغير إحرام يلزمه دم ويصح حجه .
الثالث : فيه معجزة النبي صلى الله عليه وسلم حيث أخبر في زمانه عن أمر سيكون بعده وقد كان .