باب لا تقبل صلاة بغير طهور
- باب لا تقبل صلاة بغير طهور 1 - حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي قال : أخبرنا عبد الرزاق قال : أخبرنا معمر ، عن همام بن منبه : أنه سمع أبا هريرة يقول : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : لا تقبل صلاة من أحدث حتى يتوضأ ، قال رجل من حضرموت : ما الحدث يا أبا هريرة ؟ قال : فساء أو ضراط . قيل : إن الحديث ليس بمطابق للترجمة؛ لأن الترجمة عام والحديث خاص ، وجوابه أنه وإن كان خاصا ولكنه يستدل به على أن الأعم منه نحوه ، بل أولى على أنا قلنا : إن الأحاديث التي تطابق الترجمة بحسب الظاهر ليست على شرطه ، فلذلك لم يذكرها ، وحديث أبي هريرة هذا على شرطه ، فذكره عوضا عنها لأنه يقوم مقامها من الوجه الذي ذكرناه الآن .
ج٢ / ص٢٤٤( بيان رجاله ) وهم خمسة كلهم ذكروا ، وأخرج أصحاب الستة للجميع إلا إسحاق بن راهويه ، فإن ابن ماجه لم يخرج له ، وإسحاق بن إبراهيم هو المشهور بابن راهويه ، وعبد الرزاق هو ابن همام ، ومعمر هو ابن راشد ، ومنبه بضم الميم وفتح النون وتشديد الباء الموحدة المكسورة . ( بيان لطائف إسناده ) منها أن فيه التحديث والإخبار والعنعنة ، ومنها أن رواته كلهم يمانيون إلا إسحاق ، ومنها أنهم كلهم أئمة أجلاء أصحاب مسانيد . ( بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في ترك الحيل عن إسحاق بن نصر ، وأخرجه مسلم في الطهارة عن محمد بن رافع ، وأبو داود فيه عن أحمد بن حنبل ،
، وقال الترمذي : حديث حسن صحيح.
( بيان اللغات ) قوله : " أحدث " أي : وجد منه الحدث أو أصابه الحدث أو دخل في الحدث من الحدوث وهو كون شيء لم يكن . قال الصغاني : أحدث الرجل من الحدث ، فأما قول الفقهاء : أحدث أي أتى منه ما نقض طهارته فلا تعرفه العرب . قوله : " من حضرموت " بفتح الحاء المهملة وسكون الضاد المعجمة وفتح الميم وهو اسم بلد باليمن وقبيلة أيضا ، وهما اسمان جعلا اسما واحدا ، والاسم الأول منه مبني على الفتح على الأصح إن قيل ببنائهما ، وقيل : بإعرابهما فيقال : حضرموت برفع الراء وجر التاء .
وقال الزمخشري : فيه لغتان : التركيب ومنع الصرف ، والثانية الإضافة ، فإذا أضيف جاز في المضاف إليه الصرف وتركه . وفي المطالع حضرموت من بلاد اليمن وهذيل ، ويقال : حضرموت بضم الميم والنسبة إليه حضرمي والتصغير حضيرموت ، يصغر المصدر منهما ، وكذلك الجمع فيقال فلان من الحضارمة . قوله : " فساء " بضم الفاء وبالمد ، والضراط بضم الضاد وهما مشتركان في كونهما ريحا خارجا من الدبر ممتازان بكون الأول بدون الصوت ، والثاني مع الصوت .
وفي الصحاح : فسا يفسو فسوا ، والاسم الفساء بالمد وتفاست الخنافس إذا أخرجت استها لذلك . وفي العباب قال ابن دريد : الضراط معروف يقال : ضرط يضرط ضرطا وضروطا وضريطا وضراطا . ( بيان الإعراب ) قوله : " يقول " جملة وقعت حالا .
قوله : " لا يقبل الله " .. . إلى آخره مقول القول . قوله : " صلاة " منصوب أو مرفوع على اختلاف الروايتين مضاف إلى قوله : " من " وهي موصولة ، وأحدث جملة صلتها .
قوله : " حتى " للغاية بمعنى إلى ، والمعنى عدم قبول الصلاة مغيا بالتوضؤ . قوله : " قال رجل " فعل وفاعل وقوله " من حضرموت " جملة في محل الرفع على أنها صفة لرجل . قوله : " ما الحدث " جملة من المبتدأ والخبر وقعت مقول القول .
قوله : " يا با هريرة " حذفت الهمزة للتخفيف . قوله : " فساء " مرفوع على أنه خبر مبتدأ محذوف أي : هو فساء أي : الحدث فساء أو ضراط . ( بيان المعاني ) قوله : " لا يقبل الله صلاة من أحدث " كذا وقع في بعض النسخ ، وهكذا هو في رواية البخاري في ترك الحيل عن إسحاق بن نصر ، وكذا روى أبو داود عن أحمد بن حنبل كلاهما عن عبد الرزاق ، وفي أكثر النسخ " لا تقبل صلاة من أحدث " على البناء لما لم يسم فاعله ، والمراد بالقبول هنا ما يرادف الصحة وهو الإجزاء ، وحقيقة القبول وقوع الطاعة مجزئة رافعة لما في الذمة ، ولما كان الإتيان بشروطها مظنة الإجزاء الذي هو القبول عبر عنه بالقبول مجازا ، وأما القبول المنفي في مثل قوله عليه الصلاة والسلام : " من أتى عرافا لم تقبل له صلاة " فهو الحقيقي لأنه قد يصح العمل ، ولكن يتخلف القبول لمانع ، ولهذا كان يقول بعض السلف : لأن تقبل لي صلاة واحدة أحب إلي من جميع الدنيا .
والتحقيق هاهنا أن القبول يراد به شرعا حصول الثواب ، وقد تخلف عن الصحة بدليل صحة صلاة العبد الآبق وشارب الخمر ما دام في جسده شيء منها والصلاة في الدار المغصوبة على الصحيح عند الشافعية أيضا ، وأما ملازمة القبول للصحة ففي قوله عليه الصلاة والسلام " لا يقبل الله صلاة حائض إلا بخمار " والمراد بالحائض من بلغت سن الحيض ، فإنها لا تقبل صلاتها إلا بالسترة ، ولا تصح ولا تقبل مع انكشاف العورة ، والقبول يفسر بترتب الغرض المطلوب من الشيء على الشيء ، فقوله عليه الصلاة والسلام : " لا يقبل الله صلاة من أحدث حتى يتوضأ " عام في عدم القبول في جميع المحدثين في جميع أنواع الصلاة ، والمراد بالقبول وقوع الصلاة مجزئة بمطابقتها للأمر ، فعلى هذا يلزم من القبول الصحة ظاهرا وباطنا ، وكذلك العكس ، ونقل عن بعض المتأخرين أن الصحة عبارة عن ترتب الثواب والدرجات على العبادة ، والإجزاء عبارة عن مطابقة الأمر فهما متغايران أحدهما أخص من الآخر ، ولا يلزم من نفي الأخص نفي الأعم ، فالقبول على هذا ج٢ / ص٢٤٥التفسير أخص من الصحة ، فكل مقبول صحيح ولا عكس . قوله : " من أحدث " قد قلنا : إن معناه من وجد منه الحدث وهو عبارة عما نقض الوضوء وهو بموضوعه يطلق على الأكبر كالجنابة والحيض والنفاس ، والأصغر كنواقض الوضوء ، وقد يسمى المنع المرتب عليه حدثا ، وبه يصح قولهم : رفعت الحدث ونويت رفعه ، وإلا استحال ما يرفع أن لا يكون رافعا ، وكأن الشارع جعل أمد المنع المرتب على خروج الخارج إلى استعمال المطهر ، وبهذا يقوى قول من يرى أن التيمم يرفع الحدث لكون المرتفع هو المنع وهو مرتفع بالتيمم لكنه مخصوص بحالة ما أو بوقت ما ، وليس ذلك ببدع ، فإن الأحكام قد تختلف باختلاف محلها ، وقد كان الوضوء في صدر الإسلام واجبا لكل صلاة ، فقد ثبت أنه كان مختصا بوقت مع كونه رافعا للحدث اتفاقا ، ولا يلزم من انتهائه في ذلك الوقت بانتهاء وقت الصلاة إلا يكون رافعا للحدث ، ثم زال ذلك الوجوب كما عرف . وقد ذكر الفقهاء أن الحدث وصف حكمي مقدر قيامه بالأعضاء على معنى الوصف الحسي ، وينزلون الوصف الحكمي منزلة الحسي في قيامه بالأعضاء ، فمن يقول بأن التيمم لا يرفع الحدث يقول : إن الأمد المقدر الحكمي باق لم يزل ، والمنع الذي هو مرتب عليه التيمم زائل .
قوله : " حتى يتوضأ " نفى القبول إلى غاية وهو الوضوء ، وما بعد الغاية مخالف لما قبلها ، فاقتضى قبول الصلاة بعد الوضوء مطلقا ، ودخل تحته الصلاة الثانية قبل الوضوء لها ثانيا ، وتحقيقه أن لفظ صلاة اسم جنس فيعم . ثم اعلم أن معنى قوله : " حتى يتوضأ " بالماء أو ما يقوم مقامه لأنه قد أتى بما أمر به على أن التيمم من أسمائه الوضوء ،
قال عليه الصلاة والسلام : " الصعيد الطيب وضوء المسلم ، وإن لم يجد الماء عشر سنين " رواه النسائي بإسناد صحيح عن أبي ذر رضي الله تعالى عنه، فأطلق الشارع على التيمم أنه وضوء لكونه قام مقامه ، وإنما اقتصر على ذكر الوضوء نظرا إلى كونه الأصل ، وهاهنا قيد آخر ترك ذكره للعلم به وهو حتى يتوضأ مع باقي شروط الصلاة ، والضمير في قوله : " حتى يتوضأ " يرجع إلى قوله : " من أحدث " . وسماه محدثا وإن كان طاهرا باعتبار ما كان كما في قوله تعالى : وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وقوله " حتى يتوضأ " هو آخر الحديث والباقي إدراج والظاهر أنه من همام .
قوله : " فساء أو ضراط " قال ابن بطال : إنما اقتصر على بعض الأحداث لأنه أجاب سائلا سأله عن المصلي يحدث في صلاته ، فخرج جوابه على ما سبق المصلي من الإحداث في صلاته ؛ لأن البول والغائط ونحوهما غير معهود في الصلاة ، وقال الخطابي : لم يرد بذكر هذين النوعين تخصيصهما وقصر الحكم عليهما ، بل دخل في معناه كل ما يخرج من السبيلين ، والمعنى إذا كان أوسع من الحكم كان الحكم للمعنى ، ولعله أراد به أن يثبت الباقي بالقياس عليه للمعنى المشترك بينهما . قلت : ولعل ذلك لأن ما هو أغلظ من الفساء بالطريق الأولى ، ويحتمل أن يقال : المجمع عليه من أنواع الحدث ليس إلا الخارج النجس من المعتاد ، وما يكون مظنة له كزوال العقل ، فأشار إليه على سبيل المثال كما يقال : الاسم زيد أو كزيد ، ويسمى مثله تعريفا بالمثال أو يقال : كان أبو هريرة يعلم أنه عارف بسائر أنواع الحدث جاهل بكونهما حدثا ، فتعرض لحكمهما بيانا لذلك ، كذا قال بعض الشارحين ، وفيه بعد والأقرب أن يقال : إنه أجاب السائل بما يحتاج إلى معرفته في غالب الأمر كما ورد نحو ذلك في حديث آخر " لا ينصرف حتى يسمع صوتا أو يجد ريحا " . ( بيان استنباط الأحكام ) : الأول : فيه الدلالة على أن الصلوات كلها مفتقرة إلى الطهارة ، ويدخل فيها صلاة الجنازة والعيدين وغيرهما ، وحكي عن الشعبي ومحمد بن جرير الطبري أنهما أجازا صلاة الجنازة بغير وضوء وهو باطل لعموم هذا الحديث والإجماع ، ومن الغريب أن قولهما قال به بعض الشافعية ، فلو صلى محدثا متعمدا بلا عذر أثم ولا يكفر عند الجمهور ، وبه قالت الشافعية ، وحكي عن أبي حنيفة أنه يكفر لتلاعبه .
الثاني : فيه الدليل على بطلان الصلاة بالحدث سواء كان خروجه اختياريا أو اضطراريا لعدم التفرقة في الحديث بين حدث وحدث في حالة دون حالة . الثالث : قال بعض الشارحين : هذا الحديث رد على من يقول : إذا سبقه الحدث يتوضأ ويبني على صلاته . قلت : هذا قول أبي حنيفة رحمه الله ، وحكي عن مالك وهو قول الشافعي في القديم ، وهو ليس يرد عليهم أصلا لأن من سبقه الحدث إذا ذهب وتوضأ وبنى على صلاته يصدق عليه أنه توضأ وصلى بالوضوء ، وإن كان القياس يقتضي بطلان صلاته على أنه ورد الأثر فيه .
الرابع : قال الكرماني : فيه أن الطواف لا يجزئ بغير طهور لأن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم سماه صلاة فقال : الطواف صلاة إلا أنه أبيح فيه الكلام . قلت : اشتراط الطهارة للطواف بخبر ج٢ / ص٢٤٦الواحد زيادة على النص وهي نسخ فلا يثبت به وهو قوله تعالى : وَلْيَطَّوَّفُوا بِالْبَيْتِ غير أنا نقول بوجوبها لخبر الواحد ، ومعنى الحديث الطواف كالصلاة ، والتشبيه في الثواب دون الحكم لأن التشبيه لا عموم له ، ألا ترى أن الانحراف والمشي فيه لا يفسده .