باب فضل الوضوء والغر المحجلون من آثار الوضوء
- باب فضل الوضوء والغر المحجلون من آثار الوضوء أي : هذا باب في بيان فضل الوضوء والباب مضاف إلى قوله فضل الوضوء . قوله : " والغر المحجلين " بالجر في رواية المستملي عطفا على الوضوء ، والتقدير : وفضل الغر المحجلين ، وصرح به الأصيلي في روايته ، وفي أكثر الروايات " والغر المحجلون " بالرفع ، وذكر في وجهه أقوال ، فقال الكرماني : وجهه أن يكون الغر مبتدأ وخبره محذوفا ، أي : مفضلون على غيرهم ونحوه أو يكون من آثار الوضوء خبره أي : الغر المحجلون منشؤهم آثار الوضوء ، وقال بعضهم : الواو استئنافية والغر المحجلون مبتدأ ، وخبره محذوف تقديره لهم فضل . قلت : بل الواو عاطفة لأن التقدير : باب فضل الوضوء ، وباب هذه الجملة ، وقال بعض الشراح : والغر المحجلون بالرفع ، وإنما قطعه عما قبله لأنه ليس من جملة الترجمة .
قلت : ليس الأمر كما قاله بل هو من جملة الترجمة لأنه هو الذي يدل عليها صريحا لمطابقة ما في حديث الباب إياها على ما نذكره عن قريب إن شاء الله تعالى ، وقال الكرماني : ويحتمل أن يكون مرفوعا على سبيل الحكاية مما ورد هكذا " أمتي الغر المحجلون من آثار الوضوء " . قلت : وقع في رواية مسلم " أنتم الغر المحجلون " . فإن قلت : ما وجه المناسبة بين البابين ؟ قلت : من حيث إن المذكور في الباب السابق عدم قبول الصلاة إلا بالوضوء ، والمذكور في هذا الباب فضل هذا الوضوء الذي يحصل به القبول ويفضل به على غيره من الأمم .
2 - حدثنا يحيى بن بكير قال : حدثنا الليث ، عن خالد ، عن سعيد بن أبي هلال ، عن نعيم المجمر قال : رقيت مع أبي هريرة على ظهر المسجد ، فتوضأ فقال : إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول : إن أمتي يدعون يوم القيامة غرا محجلين من آثار الوضوء ، فمن استطاع منكم أن يطيل غرته فليفعل . مطابقة الحديث للترجمتين ظاهرة ، أما مطابقته للأولى وهي قوله : " فضل الوضوء " فبطريق سوق الكلام له ، وأما مطابقته للثانية وهي قوله : " والغر المحجلين من آثار الوضوء " فبطريق التصريح في لفظ الحديث . ( بيان رجاله ) وهم ستة : الأول : يحيى بن بكير بضم الباء الموحدة وفتح الكاف ، المصري ، وقد تقدم .
الثاني : الليث بن سعد المصري وقد تقدم غير مرة . الثالث : خالد بن يزيد من الزيادة الإسكندراني ، البربري الأصل ، أبو عبد الرحمن المصري الفقيه المفتي التابعي الثقة ، مات سنة تسع وثلاثين ومائة . الرابع : سعيد بن أبي هلال الليثي مولاهم أبو العلاء المصري ولد بمصر ونشأ بالمدينة ، ثم رجع إلى مصر في خلافة هشام ، وتوفي في سنة خمس وثلاثين ومائة .
الخامس : نعيم بضم النون وفتح العين وسكون الياء آخر الحروف ابن عبد الله ، وقيل : محمد المدني العدوي من آل عمر ، روى عن أبي هريرة وجابر وغيرهما ، وعنه ابنه محمد ومالك وجماعة ، وثقه أبو حاتم وآخرون ، وجالس أبا هريرة عشرين سنة . قوله : " المجمر " اسم فاعل من الإجمار على الأشهر ، ويقال : المجمر بتشديد الميم من التجمير وهو التبخير سمي به نعيم وأبوه أيضا بذلك لأنهما كانا يبخران مسجد النبي صلى الله عليه وسلم ، قال النووي : المجمر صفة لعبد الله ، ويطلق على ابنه نعيم مجازا ، وقال بعضهم : فيه نظر ، فقد جزم إبراهيم الحربي بأن نعيما كان يباشر ذلك . قلت : كل منهما كان يبخر المسجد ، نقل ذلك عن جماعة ، فحينئذ إطلاق المجمر على كل منهما بطريق الحقيقة ، فلا يصح دعوى المجاز في نعيم .
فائدة : في الصحابة نعيم بن عبد الله النحام ، وهو من الأفراد ، وفيهم نعيم جماعة بدون ابن عبد الله . السادس : أبو هريرة رضي الله عنه . ( بيان لطائف إسناده ) منها أن فيه التحديث والعنعنة والسماع ، ومنها أن نصف الإسناد مصري ونصفه مدني ، ومنها أن فيه رواية ثلاثة من التابعين بعضهم عن بعض ، ومنها أن فيه من باب رواية الأقران وهي رواية خالد عن سعيد ، ومنها أن رجاله كلهم من فرسان الكتب الستة إلا يحيى بن بكير ، فإنه من رجال البخاري ومسلم وابن ماجه فقط .
( بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه مسلم أيضا في الطهارة عن هارون بن سعيد الأيلي ، عن ابن وهب ، عن عمرو بن الحارث ، ج٢ / ص٢٤٧عن سعيد بن أبي هلال ، وعن أبي كريب والقاسم بن زكريا وعبد بن حميد ثلاثتهم ، عن خالد بن مخلد ، عن سليمان بن بلال ، عن عمارة بن غزية كلاهما ، عن نعيم المجمر به ، وقال بعض الشارحين : هذا الحديث رواه مع أبي هريرة سبعة من الصحابة رضي الله عنهم ، ذكرهم ابن منده في مستخرجه : ابن مسعود وجابر بن عبد الله وأبو سعيد الخدري وأبو أمامة الباهلي وأبو ذر الغفاري وعبد الله بن بسر المازني وحذيفة بن اليمان رضي الله تعالى عنهم . قلت :
ورواه أيضا أبو الدرداء أخرجه أحمد والطبراني بإسناد فيه ابن لهيعة ، فقال أبو الدرداء : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أنا أول من يؤذن له بالسجود يوم القيامة ، وأول من يرفع رأسه ، فأنظر بين يدي فأعرف أمتي من بين سائر الأمم ، ومن خلفي مثل ذلك ، وعن يميني مثل ذلك ، وعن شمالي مثل ذلك ، فقال رجل : كيف تعرف أمتك يا رسول الله من بين سائر الأمم فيما بين نوح إلى أمتك ؟ قال : هم غر محجلون من أثر الوضوء ، ليس لأحد كذلك غيرهم ، وأعرفهم أنهم يؤتون كتبهم بأيمانهم ، وأعرفهم تسعى بين أيديهم ذريتهم ". ( بيان اللغات ) قوله : " رقيت " بكسر القاف أي : صعدت ، وحكى صاحب المطالع فتح القاف بالهمز وبدون الهمز .
قلت : فهذه ثلاث لغات ، واللغة الصحيحة المشهورة كسر القاف ، وقال كراع : الهمز أجود ، وخالفه صاحب الجامع فقال : عدمه أصح ، وقال الزمخشري : لا أعلم صحة الفتح وهذا من الرقي أما من الرقية فرقيت بالفتح كما اختاره ثعلب في فصيحه ، وقال الجوهري : رقيت في السلم بالكسر رقيا ورقيا إذا صعدت وارتقيت مثله ، وفي العباب رقأت الدرجة لغة في رقيت . قوله : " غرا " بضم الغين المعجمة وتشديد الراء وهو جمع أغر أي : ذو غرة بالضم ، قال ابن سيده : الغرة بياض في الجبهة فرس أغر وغراء ، وقيل : الأغر من الخيل الذي غرته أكثر من الدرهم قد وسطت جبهته ولم تصب واحدة من العينين ، ولم تمل على واحدة من الخدين ولم تسل سفلى ، وهي أفشى من القرحة ، وقال بعضهم : بل يقال للأغر : أقرح لأنك إذا قلت : أغر فلا بد من أن تصف الغرة بالطول والعرض والصغر والعظم والدقة ، وكلهن غرر ، فالغرة جامعة لهن وغرة الفرس بياض يكون في وجهه ، فإن كانت مؤزرة فهي وتيرة ، وإن كانت طويلة فهي شادخة ، وعندي أن الغرة نفس القدر الذي يشغله البياض ، والأغر الأبيض من كل شيء ، وقد غر وجهه يغر بالفتح غرا وغرة وغرارة صار ذا غرة . قوله : " محجلين " جمع محجل بتشديد الجيم المفتوحة من التحجيل .
قال ابن سيده : هو بياض يكون في قوائم الفرس كلها قال : ذو ميعة محجل القوائم . ، وقيل : هو أن يكون البياض في ثلاث قوائم منهن دون الأخرى في رجل ويدين قال :
قلت : الأحجال جمع حجل بالفتح وهو القيد والخلخال أيضا ، والحجل بالكسر ، والحجل لغة فيهما والأصل فيه القيد والحجلان مشية المقيد . ( بيان الإعراب ) قوله : " على ظهر المسجد " يتعلق بقوله " رقيت " . قوله : " فتوضأ " هكذا وقع لجمهور الرواة بلفظ توضأ ، ووقع في رواية الكشميهني يوما بدل توضأ وهو تصحيف ثم هو فتوضأ بالفاء في غالب النسخ ، وقد رواه الإسماعيلي وغيره من الوجه الذي أورده البخاري بلفظ " ثم توضأ " ووقع في بعض النسخ توضأ بدون حرف العطف وإلى هذا ذهب الكرماني ، ولهذا قال : توضأ استئناف كأن قائلا يقول : ماذا فعل ؟ قال : توضأ ، ثم قال : ولهذا لم يذكر فيه واو العطف ، ثم قال : وفي بعض النسخ " وتوضأ " بالواو ، وقلت في أكثر النسخ فتوضأ بالفاء التعقيبية كما ذكرنا .
قوله : " قال " استئناف ، ولهذا لم يذكر فيه حرف ج٢ / ص٢٤٨للعطف ، كأن قائلا قال : ثم ماذا ؟ قال : فقال : قال : إني سمعت النبي صلى الله عليه وسلم . قوله : " يقول " جملة وقعت حالا من النبي . قوله : " إن أمتي " إلخ مقول القول ، وقوله : " أمتي " كلام إضافي اسم إن ، وقوله : " يدعون " على صيغة المجهول في محل الرفع على أنه خبر إن .
قوله : " يوم القيامة " نصب على الظرف . قوله : " غرا " في انتصابه وجهان : أحدهما : أن يكون حالا من الضمير الذي في يدعون ، والمعنى : يدعون يوم القيامة وهم بهذه الصفة ، ويدعون يتعدى في المعنى بالحرف ، والتقدير يدعون إلى يوم القيامة كما في قوله تعالى : يُدْعَوْنَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ والوجه الآخر : أن يكون مفعولا ثانيا ليدعون على تضمنه معنى يسمون بهذا الاسم كما يقال : فلان يدعى زيدا . وأصل يدعون يدعوون بواوين تحركت الأولى وانفتح ما قبلها ، فقلبت ألفا ، فاجتمع ساكنان الألف والواو بعدها ، فحذفت الألف لالتقاء الساكنين فصار يدعون .
قوله : " محجلين " يحتمل الوجهين المذكورين . قوله : " من آثار الوضوء " كلمة من تصلح أن تكون للتعليل أي : لأجل آثار الوضوء . قوله : " فمن " كلمة من موصولة تتضمن معنى الشرط في محل الرفع على الابتداء وخبره قوله : " فليفعل " ودخلت الفاء فيه لتضمن المبتدأ معنى الشرط .
قوله : " استطاع " جملة صلة الموصول . قوله : " أن يطيل " في محل النصب بقوله " استطاع " وأن مصدرية ، والتقدير : فمن استطاع منكم إطالة غرته فليفعل ، ومفعول فليفعل محذوف للعلم به أي : فليفعل الغرة أو الإطالة . ( بيان المعاني ) قوله : " المسجد " الألف واللام فيه للعهد أي : مسجد النبي عليه الصلاة والسلام .
قوله : " يقول " بصورة المضارع لأجل الاستحضار للصورة الماضية أو لأجل الحكاية عنها ، وإلا فالأصل أن يقال : قال بلفظ الماضي . قوله : " إن أمتي " الأمة في اللفظ واحد ، وفي المعنى جمع ، وهي في اللغة الجماعة وكل جنس من الحيوان أمة ، وفي الحديث " لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها " وتستعمل في اللغة لمعان كثيرة الطريقة والدين ، يقال : فلان لا أمة له أي : لا دين له ولا تحلة له ، والحين قال تعالى : وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أي : بعد حين ، والملك والرجل الجامع للخير والرجل المنفرد بدينه لا يشركه فيه أحد ، والأمة اتباع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ، وأمة محمد صلى الله عليه وسلم تطلق على معنيين أمة الدعوة وهي من بعث إليهم ، وأمة الإجابة وهي من صدقه وآمن به وهذه هي المرادة منها . قوله : " يدعون " أما من الدعاء بمعنى النداء أي : يدعون إلى موقف الحساب أو إلى الميزان أو إلى غير ذلك ، وأما من الدعاء بمعنى التسمية نحو : دعوت ابني زيدا أي : سميته به .
قوله : " يوم القيامة " يوم من الأسماء الشاذة لوقوع الفاء والعين فيه حرفي علة ، فهو من باب ويح وويل ، وهو اسم لبياض النهار وهو من طلوع الفجر الصادق إلى غروب الشمس ، والقيامة فعالة من قام يقوم ، وأصلها قوامة قلبت الواو ياء لانكسار ما قبلها . قوله : " من آثار الوضوء " الآثار جمع أثر ، وأثر الشيء هو بقيته ، ومنه أثر الجرح والوضوء بضم الواو ، ويجوز فتحها أيضا ، فإن الغرة والتحجيل نشآ عن الغسل بالماء ، فيجوز أن ينسب إلى كل منهما . قوله : " فمن استطاع " أي : قدر أن يطيل غرته أي : يغسل غرته بأن يوصل الماء من فوق الغرة إلى تحت الحنك طولا ، ومن الأذن إلى الأذن عرضا ، وفيه باب الاختصار حيث حذف المفعول في قوله : " فليفعل " لأنا قلنا : إن التقدير فليفعل الغرة أو الإطالة ، وفيه أيضا الاحتراز عن التكرار والإشعار بأن أصل هذا الفعل مهتم به ، وفيه باب الاكتفاء حيث اقتصر على ذكر الغرة ، ولم يذكر التحجيل وذلك للعلم به كما في قوله تعالى : سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ والمراد : الحر والبرد ولم يذكر البرد للعلم به والدليل على أن المراد كلاهما ما جاء في رواية مسلم بذكر كليهما مصرحا من طريق عمارة بن غزية وهو قوله : " فليطل غرته وتحجيله " وإنما اقتصر على ذكر الغرة وهي مؤنثة دون التحجيل وهو مذكر لأن محل الغرة أشرف أعضاء الوضوء ، وأول ما يقع عليه النظر من الإنسان .
وقال الشيخ تقي الدين القشيري : كان ذلك من باب التغليب بالذكر لأحد الشيئين على الآخر وإن كانا بسبيل واحد للترغيب فيه ، وقد استعمل الفقهاء ذلك فقالوا : يستحب تطويل الغرة ومرادهم الغرة والتحجيل . قلت : هذا ليس بتغليب حقيقي إذ لم يؤت فيه إلا بأحد الاسمين والتغليب اجتماع الاسمين أو الأسماء ، ويغلب أحدهما على الآخر نحو القمرين والعمرين ونحوهما ، ورد عليه بعض الشارحين بأن القاعدة في التغليب أن يغلب المذكر على المؤنث لا بالعكس ، والأمر هنا بالعكس لتأنيث الغرة وتذكير التحجيل . قلت : نقل عن ابن بابشاد أنه قال : تغليب المؤنث على المذكر وقع في موضعين : أحدهما : ضبعان للخفة .
والآخر : في باب التاريخ وأن التاريخ عند العرب من الليل لا من النهار فغلبوا الليلة على النهار ، والثاني مردود لما ذكرنا أن حقيقة التغليب أن ج٢ / ص٢٤٩يجتمع شيئان ويغلب أحدهما على الآخر ، وهذا لم يجتمع فيه شيئان ، وإنما جعلت التاريخ بالليلة دون النهار لأن أشهر العرب قمرية . فافهم . ثم اعلم أن هذا كله على تقدير أن يكون قوله : " فمن استطاع منكم " إلى آخره من الحديث لأن المرفوع منه إلى قوله : " من آثار الوضوء " وباقي ذلك من قول أبي هريرة أدرجه في آخر الحديث ، وقد أنكر ذلك بعض الشارحين فقال : وفي هذه الدعوى بعد عندي .
قلت : ليس فيها بعد ، وكيف وقد رواه أحمد رحمه الله من طريق فليح عن نعيم ؟ وفي آخره قال نعيم : لا أدري . قوله : " من استطاع " إلى آخره من قول النبي عليه الصلاة والسلام أو من قول أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ، وقد روى هذا الحديث عشرة من الصحابة ، وليس في رواية واحد منهم هذه الجملة ، وكذا رواه جماعة عن أبي هريرة ، وليس في رواية أحد منهم غير ما وجد في رواية نعيم عنه ، فهذا كله أمارة الإدراج ، والله أعلم . ( بيان البيان ) فيه تشبيه بليغ حيث شبه النور الذي يكون على موضع الوضوء يوم القيامة بغرة الفرس وتحجيله ، ويجوز أن يكون كناية بأن يكون كنى بالغرة عن نور الوجه ، وقد علم أن الأصول في هذا الباب ثلاثة التشبيه والمجاز والكناية .
فالتشبيه هو الدلالة على مشاركة أمر لأمر في وصف من أوصاف ، أحدهما في نفسه كالشجاعة في الأسد والنور في الشمس . واللفظ المراد به لازم ما وضع له أن قامت قرينة على عدم إرادته فمجاز كقوله : رأيت أسدا يرمي ، وإن لم تقم قرينة على عدم إرادة ما وضع له فهو كناية كقولك : زيد طويل النجاد ، ومعنى المجاز كجزء معنى الكناية من حيث إن الكناية لا تنافي إرادة الحقيقة ، فلا يمتنع أن يراد من قولهم فلان طويل النجاد طول نجاده من غير ارتكاب تأول مع إرادة طول قامته ، بخلاف المجاز فإنه ينافي الحقيقة ، فيمتنع أن يراد معنى الأسد من غير تأويل في نحو رأيت أسدا في الحمام ، فالحقيقة جائزة الإرادة مع الكناية غير جائزة الإرادة مع المجاز ، فإن المجاز بهذا الاعتبار جزء من الكناية فافهم . ( بيان استنباط الأحكام ) وهو على وجوه : الأول : قالوا : فيه تطويل الغرة وهو غسل شيء من مقدم الرأس ، وما يجاوز الوجه زائدا على القدر الذي يجب غسله لاستيقان كمال الوجه ، وفيه تطويل التحجيل وهو غسل ما فوق المرفقين والكعبين ، وادعى ابن بطال ثم القاضي عياض ثم ابن التين اتفاق العلماء على أنه لا يستحب الزيادة فوق المرفق والكعب وهي دعوى باطلة ، فقد ثبت ذلك عن فعل رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وأبي هريرة ، وعمل العلماء وفتواهم عليه ، فهم محجوجون بالإجماع ، وقد ثبت عن ابن عمر رضي الله عنهما من فعله ، أخرجه ابن أبي شيبة وأبو عبيد بإسناد حسن ، ثم اختلف العلماء في القدر المستحب من التطويل في التحجيل فقيل إلى المنكب والركبة ، وقد ثبت عن أبي هريرة رواية ورأيا ، وقيل : المستحب الزيادة إلى نصف العضد والساق ، وقيل : إلى فوق ذلك ، ونقل ذلك عن البغوي ، وقال بعض الشافعية : حاصلها ثلاثة أوجه : أحدها : أنه يستحب الزيادة فوق المرفقين والكعبين من غير توقيت .
وثانيها : إلى نصف العضد والساق . وثالثها : إلى المنكب والركبتين قال : والأحاديث تقتضي ذلك كله ، وقال الشيخ تقي الدين القشيري : ليس في الحديث تقييد ولا تحديد لمقدار ما يغسل من العضدين والساقين ، وقد استعمل أبو هريرة الحديث على إطلاقه وظاهره من طلب إطالة الغرة فغسل إلى قريب من المنكبين ، ولم ينقل ذلك عن النبي صلى الله عليه وسلم ولا كثر استعماله في الصحابة والتابعين ، فلذلك لم يقل به الفقهاء ورأيت بعض الناس قد ذكر أن حد ذلك نصف العضد والساق . انتهى .
قلت : قوله : لم يقل به الفقهاء مردود بما ذكرناه ، ومن أوهام ابن بطال والقاضي عياض إنكارهما على أبي هريرة بلوغه الماء إلى إبطيه ، وأن أحدا لم يتابعه عليه ، فقد قال به القاضي حسين وآخرون من الشافعية ، وفي مصنف ابن أبي شيبة ، حدثنا وكيع ، عن العمري ، عن نافع ، عن ابن عمر رضي الله عنهما أنه كان ربما بلغ بالوضوء إبطه في الصيف . فإن قلت : روى ابن أبي شيبة أيضا عن وكيع ، عن عقبة بن أبي صالح ، عن إبراهيم أنه كرهه . قلت : هذا مردود بذاك .
فإن قلت : استدل ابن بطال فيما ذهب إليه ومن تبعه أيضا بقوله صلى الله عليه وسلم : " من زاد على هذا أو نقص فقد أساء وظلم . قلت : هذا استدلال فاسد لأن المراد به الزيادة في عدد المرات أو النقص عن الواجب أو الثواب المرتب على نقص العدد لا الزيادة على تطويل الغرة أو التحجيل ، وكذلك تأويل ابن بطال الاستطاعة في الحديث على إطالة الغرة والتحجيل بالمواظبة على الوضوء لكل صلاة ، فتطول غرته بتقوية نور أعضائه ، وبأن الطول والدوام معناهما متقارب فاسد ، ووجهه ظاهر . وكذلك قوله : الوجه لا سبيل إلى الزيادة في غسله إذ استيعاب الوجه بالغسل واجب فاسد لا مكان ج٢ / ص٢٥٠الإطالة في الوجه بأن يغسل إلى صفحة العنق مثلا .
الثاني : فيه استحباب المحافظة على الوضوء وسننه المشروعة فيه وإسباغه . الثالث : فيه ما أعد الله من الفضل والكرامة لأهل الوضوء يوم القيامة . الرابع : فيه دلالة قطعية على أن وظيفة الرجلين غسلهما ولا يجزئ مسحهما .
الخامس : فيه ما أطلع الله نبيه صلى الله عليه وسلم من المغيبات المستقبلة التي لم يطلع عليها نبيا غيره من أمور الآخرة وصفات ما فيها . السادس : فيه قبول خبر الواحد وهو مستفيض في الأحاديث . السابع : فيه الدليل على كون يوم القيامة والنشور .
الثامن : فيه جواز الوضوء على ظهر المسجد وهو من باب الوضوء في المسجد ، وقد كرهه قوم وأجازه آخرون ، ومن كرهه كرهه لأجل التنزيه كما ينزه عن البصاق والنخامة ، وحرمة أعلى المسجد كحرمة داخله ، وممن أجازه في المسجد ابن عباس وابن عمر وعطاء والنخعي وطاوس ، وهو قول ابن القاسم وأكثر العلماء ، وكرهه ابن سيرين وهو قول مالك وسحنون ، وقال ابن المنذر : أباح كل من يحفظ عنه العلم الوضوء فيه إلا أن يبله ويتأذى به الناس ، فإنه يكره ، وصرح جماعة من الشافعية بجوازه فيه وأن الأولى أن يكون في إناء . قال البغوي : ويجوز نضحه بالماء المطلق ، ولا يجوز بالمستعمل لأن النفس تعافه . وقال أصحابنا الحنفية : يكره الوضوء في المسجد إلا أن يكون في موضع منه قد أعد له .
التاسع : استدل به جماعة من العلماء على أن الوضوء من خصائص هذه الأمة وبه جزم الحليمي في منهاجه ، وفي الصحيح أيضا : " لكم سيماء ليست لأحد من الأمم تردون علي غرا محجلين من أثر الوضوء " . وقال الآخرون : ليس الوضوء مختصا بهذه الأمة وإنما الذي اختصت به الغرة والتحجيل ، وادعوا أنه المشهور من قول العلماء ، واحتجوا بقوله
صلى الله عليه وسلم : " هذا وضوئي ووضوء الأنبياء قبلي " وأجاب الأولون عن هذا بوجهين : أحدهما : أنه حديث ضعيف. والآخر : أنه لو صح لاحتمل اختصاص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في هذه الخصوصية وامتازت بالغرة والتحجيل ، ولكن ورد في حديث جريج كما سيأتي في موضعه أنه قام فتوضأ وصلى ، ثم كلم الغلام ، وثبت أيضا عند البخاري في قصة سارة عليها السلام مع الملك الذي أعطاها هاجر أن سارة لما هم الملك بالدنو منها قامت تتوضأ وتصلي ، وفيهما دلالة على أن الوضوء كان مشروعا لهم ، وعلى هذا فيكون خاصة هذه الأمة الغرة والتحجيل الناشئين عن الوضوء لا أصل الوضوء ، ونقل الزناتي المالكي شارح الرسالة عن العلماء : أن الغرة والتحجيل حكم ثابت لهذه الأمة من توضأ منهم ومن لم يتوضأ ، كما قالوا : لا يكفر أحد من أهل القبلة كل من آمن به من أمته سواء صلى أو لم يصل ، وهذا نقل غريب ، وظاهر الأحاديث يقتضي خصوصية ذلك لمن توضأ منهم ، وفي صحيح ابن حبان " يا رسول الله كيف تعرف من لم يرك من أمتك ؟ قال : غر محجلون ، بلق من آثار الوضوء .