باب إسباغ الوضوء
حدثنا عبد الله بن مسلمة عن مالك عن موسى بن عقبة عن كريب مولى ابن عباس عن أسامة بن زيد رضي الله عنهما ، أنه سمعه يقول : دفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عرفة حتى إذا كان بالشعب نزل فبال ، ثم توضأ ، ولم يسبغ الوضوء ، فقلت : الصلاة يا رسول الله ، فقال : الصلاة أمامك ، فركب ، فلما جاء المزدلفة نزل فتوضأ فأسبغ الوضوء ، ثم أقيمت الصلاة ، فصلى المغرب ، ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله ، ثم أقيمت العشاء فصلى ، ولم يصل بينهما . مطابقة الحديث للترجمة في قوله : « فتوضأ وأسبغ الوضوء » . فإن قلت : المذكور فيه شيئان الإسباغ وتركه ، فما المرجح في تبويب الترجمة على الإسباغ .
قلت : لأنه بوب الباب السابق في تخفيف الوضوء ، فتعين أن يكون الباب الذي يتلوه في الإسباغ . ( بيان رجاله ) وهم خمسة : الأول : عبد الله بن مسلمة ، بفتح الميمين وسكون السين المهملة ، القعنبي ، وقد مر . الثاني : الإمام مالك رحمه الله .
الثالث : موسى بن عقبة بن أبي عياش ، أبو محمد المدني ، مولى الزبير بن العوام ، ويقال : مولى أم خالد زوجة الزبير القريشي أخو محمد وإبراهيم ، وكان إبراهيم أكبر من موسى روى عن كريب وأم خالد الصحابية وغيرهما ، وعنه مالك والسفيانان وغيرهم ، وكان من المفتين الثقات ، مات سنة إحدى وأربعين ومائة ، ومغازيه أصح المغازي ، كما قاله مالك وغيره ، وليس في الكتب الستة من اسمه موسى بن عقبة غيره . الرابع : كريب ، وقد تقدم عن قريب . الخامس : أسامة ، بضم الهمزة ابن زيد بن حارثة بن شراحيل الكلبي المدني الحب ابن الحب ، وكان نقش خاتمه : حب رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وكان مولى النبي عليه الصلاة والسلام وابن حاضنته ، ومولاته أم أيمن ، استعمله رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ، وهو ابن ثماني عشرة سنة ، وقبض النبي عليه الصلاة والسلام وهو ابن عشرين ، روي له مائة حديث وثمانية وعشرون حديثا ، اتفقا على خمسة عشر حديثا ، وانفرد البخاري بحديثين ، ومسلم بحديثين ، مات بوادي القرى ، سنة أربع وخمسين على الأصح ، وهو ابن خمس وخمسين ، وذكر الله أباه زيدا في القرآن باسمه ، وأسامة بن زيد ستة أحدهم هذا ، وليس في الصحابة من اسمه أسامة بن زيد سواه ، وإن كان فيهم من اسمه أسامة ، الثاني تنوخي روى عن زيد بن أسلم وغيره ، الثالث : ليثي روى عن نافع وغيره ، الرابع : مدني مولى عمر بن الخطاب ضعيف ، الخامس : كلبي روى عن زهير بن معاوية وغيره ، السادس : شيرازي روى عن أبي حامد الفضلي .
( بيان لطائف إسناده ) منها أن فيه التحديث والعنعنة والسماع ، ومنها أن رجاله كلهم مدنيون ، ومنها أن فيه رواية تابعي عن تابعي ؛ موسى عن كريب ، ومنها أن رجاله كلهم من رجال الكتب الستة إلا عبد الله بن مسلمة ؛ فإن ابن ماجه لم يخرج له . ( بيان تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في الحج عن عبد الله بن يوسف عن مالك به ، وعن مسدد ، عن حماد بن زيد ، عن يحيى بن سعيد ، عن موسى بن عقبة ، عن كريب ، وفي الطهارة أيضا عن محمد بن سلام ، عن يزيد بن هارون ، عن يحيى بن سعيد به ، وأخرجه مسلم في الحج عن يحيى بن يحيى ، عن مالك به ، وعن محمد بن رمح ، عن ليث بن سعد ، عن يحيى بن سعيد به ، وعن أبي بكر بن أبي شيبة وأبي كريب كلاهما عن ابن المبارك ، وعن إسحاق عن يحيى بن آدم ، عن زهير كلاهما عن إبراهيم بن عقبة ، وعن إسحاق ، عن وكيع ، عن سفيان ، عن محمد بن عقبة ، كلاهما عن كريب به ، وأخرجه أبو داود في الحج عن القعنبي به ، وأخرجه النسائي في الحج عن محمود بن غيلان عن وكيع عن سفيان ، عن إبراهيم بن عقبة به ، وعن أحمد بن سليمان عن يزيد بن هارون به ، وعن قتيبة عن مالك به ، وعن قتيبة عن حماد بن زيد عن إبراهيم بن عقبة به مختصرا . ( بيان اللغات ) قوله : « دفع من عرفة » أي : أفاض منها ، يقال : دفع السيل من الجبل إذا انصب منه ، ودفعت إليه شيئا أدفعه دفعا ، ودفعت الرجل ، قال الله تعالى وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ ودفعت عنه الأذى واندفعوا في الحديث أو الإنشاد أفاضوا فيه ، والاندفاع مطاوع الدفع ، وتدافع القوم في الحرب ، أي : دفع بعضهم بعضا ، قال الصغاني : التركيب يدل على تنحية الشيء .
قوله : « من عرفة » على وزن فعلة اسم للزمان ، وهو اليوم التاسع من ذي الحجة ، وهذا هو الصحيح ، وقيل : عرفة وعرفات ، كلاهما اسمان للمكان المخصوص ، وقال الصغاني : ويوم عرفة التاسع من ذي الحجة ، وتقول : هذا يوم عرفة ، غير منون ، ولا تدخلها الألف واللام ، وعرفات الموضع الذي يقف الحاج به يوم عرفة ، قال الله تعالى فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ وهي اسم في لفظ الجمع فلا تجمع ، قال الفراء : لا واحد لها ، وقول الناس : نزلنا عرفة ، شبيه بمولد ، وليس بعربي محض ، سميت به لأن آدم عرف حواء بها ؛ فإن الله تعالى أهبط آدم بالهند وحواء بجدة فتعارفا في الموقف أو لأن جبريل عليه الصلاة والسلام عرف إبراهيم عليه الصلاة والسلام المناسك هناك ، أو للجبال التي فيها والجبال التي هي الأعراف ، وكل باب فهو عرف ، ومنه عرف الديك ، أو لأن الناس يعترفون فيها بذنوبهم ويسألون غفرانها ، وقيل : لأنها مكان مقدس معظم كأنه قد عرف ، أي : طيب ، قوله : « بالشعب » بكسر الشين المعجمة وسكون العين المهملة ، وهو الطريق في الجبل ، والمراد به الشعب المعهود للحجاج . قوله : « المزدلفة » هي موضع مخصوص بين عرفات ومنى ، وقيل : سميت بها ؛ لأن الحجاج يزدلفون فيها إلى الله تعالى ، أي : يتقربون بالوقوف فيها إليه ، ويسمى أيضا جمعا ؛ لأن آدم اجتمع فيها مع حواء عليهما السلام وازدلف إليها ، أي : دنا ؛ فلذلك سميت مزدلفة أيضا ، وعن قتادة ؛ لأنه يجمع فيها بين الصلاتين . قلت : المزدلفة ، بضم الميم من الازدلاف ، وهو التقرب أو الاجتماع ، فمن الأول قوله تعالى ﴿وَأُزْلِفَتِ الْجَنَّةُ لِلْمُتَّقِينَ ﴾أي : قربت ، ومن الثاني قوله تعالى ﴿وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الآخَرِينَ ﴾أي : جمعناهم ، ولذلك قيل لها : جمع .
( بيان الإعراب ) قوله : « سمعه » جملة في محل الرفع ؛ لأنها خبر أن ، قوله : « يقول » جملة في محل النصب على الحال ، قوله : « دفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - » مقول القول ، قوله : « حتى إذا كان بالشعب » كلمة حتى هذه ابتدائية ، أعني حرفا يبتدأ بعده الجملة سواء كانت اسمية أو فعلية ، ويجوز أن تكون جارة على ما نقل عن الأخفش في قوله تعالى حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ فعلى هذا ، قوله : « إذا » في محل الجر بها ، وعلى الأول يكون موضعها النصب ، والعامل فيه قوله : « نزل » والباء في بالشعب ظرفية ، قوله : « فبال » عطف على نزل ، قوله : « فقلت : الصلاة » بالنصب ، واختلفوا في الناصب ؛ فقال القاضي : على الإغراء ، وقيل : على تقدير : أتريد الصلاة ، ويؤيده قوله في رواية تأتي فقلت : أتصلي يا رسول الله يعني : أتريد الصلاة . قلت : الأولى أن يقدر نصلي الصلاة يا رسول الله ، ويجوز فيه الرفع على تقدير : حانت الصلاة أو حضرت ، قوله : « الصلاة أمامك » برفع الصلاة على الابتداء ، وخبره أمامك ، قوله : « المزدلفة » بالنصب ؛ لأنه مفعول جاء ، وفي الأصل : جاء إلى المزدلفة ، وقوله نزل جواب لما . ( بيان المعاني ) قوله : « دفع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - من عرفة » أي : رجع من وقوف عرفة بعرفات ؛ لأنا قلنا أن عرفة اسم اليوم التاسع من ذي الحجة ، فحينئذ يكون المضاف فيه محذوفا ، وعلى قول من يقول أن عرفة اسم للمكان أيضا لا حاجة إلى التقدير ، وقد مر أنه لغة بلدية ، قوله : « ولم يسبغ الوضوء » أي : خففه ، ويؤيده ما جاء في رواية مسلم فتوضأ وضوءا خفيفا ويقال : معناه لم يكمله ، يعني : توضأ مرة مرة ؛ لكن بالإسباغ ، وقيل : معناه خفف استعمال الماء بالنسبة إلى غالب عاداته ، وقيل : المراد به الوضوء اللغوي ، أي : اقتصر على بعض الأعضاء ، وهو بعيد وأبعد منه ما قيل : إن المراد به الاستنجاء ، كما قال عيسى بن دينار وجماعة ، ومما يوهنه رواية البخاري الآتية في باب الرجل يوضئ صاحبه أنه عليه الصلاة والسلام عدل إلى الشعب فقضى حاجته ، فجعلت أصب الماء عليه ويتوضأ ، ولا يجوز أن يصب أسامة عليه إلا وضوء الصلاة ؛ لأنه كان لا يقرب منه أحد ، وهو على حاجته ، وأيضا فقد قال أسامة عقيب ذلك : الصلاة يا رسول الله ، ومحال أن يقول له الصلاة ، ولم يتوضأ وضوء الصلاة ، وأبعد من قال : إنما لم يسبغه ؛ لأنه لم يرد أن يصلي به ، ففعله ليكون مستصحبا للطهارة في مسيره ؛ فإنه كان في عامة أحواله على طهر ، وقال أبو الزناد : إنما لم يسبغه ليذكر الله ؛ لأنهم يكثرون منه عشية الدفع من عرفة ، وقال غيره : إنما فعله لإعجاله الدفع إلى المزدلفة ، فأراد أن يتوضأ وضوءا يرفع به الحدث ؛ لأنه عليه الصلاة والسلام كان لا يبقى بغير طهارة ، وكذا قال الخطابي : إنما ترك إسباغه حتى نزل الشعب ؛ ليكون مستصحبا للطهارة في طريقه ، ويجوز فيه ؛ لأنه لم يرد أن يصلي به ، فلما نزل وأرادها أسبغه .
قوله : « الصلاة أمامك » بفتح الهمزة ، أي : قدامك ، وقال الخطابي : يريد أن موضع هذه الصلاة المزدلفة ، وهي أمامك ، وهذا تخصيص لعموم الأوقات المؤقتة للصلوات الخمس لبيان فعل النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وفيه دليل على أنه لا يصليها الحاج إذا أفاض من عرفة حتى يبلغها ، وأن عليه أن يجمع بينها وبين العشاء بجمع على ما سنه الرسول عليه الصلاة والسلام بفعله ، وبينه بقوله ولو أجزأته في غير المكان لما أخرها عن وقتها المؤقت لها في سائر الأيام ، وقال الكرماني : ليس فيه دليل على أنه لا يجوز ؛ إذ فعله المجرد لا يدل إلا على الندب وملازمة الشرطية في قوله لما أخرها ممنوعة ؛ لأن ذلك لبيان جواز تأخيرها أو بيان ندبية التأخير ؛ إذ الأصل عدم الجواز . قلت : لا نسلم نفي الدليل على عدم الجواز ؛ لأن فعله قارنه قوله فدل على عدم الجواز ، وإنما يمشي كلامه أن لو كان أسامة عالما بالسنة ، ولم يكن يعلم ذلك ؛ لأنه عليه الصلاة والسلام أول من سنها في حجة الوداع ، والموضع موضع الحاجة إلى البيان فقران فعله بقوله دليل على عدم الجواز ووجوب تأخيرها إلى غير وقتها المعهود . والله أعلم .
فإن قلت : الصلاة أمامك ، قضية حملية ، فكيف يصح هذا الحمل ؛ لأن الصلاة ليست بإمام . قلت : المضاف فيه محذوف تقديره : وقت الصلاة أمامك ؛ إذ نفسها لا توجد قبل إيجادها ، وعند إيجادها لا تكون أمامه ، وقيل : معناه المصلى أمامك ، أي : مكان الصلاة فيكون من قبيل ذكر الحال وإرادة المحل ، وهو أعم من أن يكون مكانا أو زمانا ، قوله : « ثم أناخ كل إنسان بعيره » كأنهم فعلوا ذلك خشية ما يحصل منها من التشويش بقيامها ، قوله : « ثم أقيمت العشاء » بكسر العين وبالمد ، والمراد به صلاة العشاء ، وهي التي وقتها من غروب الشفق إلى طلوع الفجر الصادق ، وهو في اللغة من صلاة المغرب إلى العتمة ، وقيل : من الزوال إلى الطلوع . ( بيان استنباط الأحكام ) الأول : فيه دليل لأبي حنيفة ومحمد بن الحسن فيما ذهبا إليه من وجوب تأخير صلاة المغرب إلى وقت العشاء ، حتى لو صلى المغرب في الطريق لم يجز ، وعليه إعادتها ما لم يطلع الفجر ، وبه قال زفر وجماعة من الكوفيين ، وقال مالك : لا يجوز أن يصليها قبلها إلا من به أو بدابته عذر ، فله أن يصليها قبلها بشرط كونه بعد مغيب الشفق ، وحكى ابن التين عن المدونة أنه يعيد إذا صلى المغرب قبل أن يأتي المزدلفة أو جمع بينها وبين العشاء بعد مغيب الشفق وقبل أن يأتيها ، وعن أشهب المنع إلا أن يكون صلى قبل مغيب الشفق فيعيد العشاء بعدها أبدا ، وبئس ما صنع ، وقيل : يعيد الأخيرة فقط ، وقال في المعونة : إن صلى المغرب بعرفة في وقتها فقد ترك الاختيار والسنة ، ويجزيه خلافا لأبي حنيفة ، وقال أشهب : وإذا أسرع فوصل المزدلفة قبل مغيب الشفق جمع ، وخالفه ابن القاسم فقال : لا يجمع حتى يغيب ، وقالت الشافعية : لو جمع بينهما في وقت المغرب في أرض عرفات أو في الطريق أو في موضع آخر وصلى كل صلاة في وقتها جاز جميع ذلك ، وإن خالف الأفضل ، وبه قال جماعة من الصحابة والتابعين ، وقال به الأوزاعي وأبو يوسف وأشهب وفقهاء أصحاب الحديث .
الثاني : فيه عدم وجوب الموالاة في جمع التأخير ؛ فإنه وقع الفصل بينها بإناخة كل إنسان بعيره في منزله . الثالث : فيه الإقامة لكل من صلاتي الجمع ، وهو مذهب عبد الرحمن بن يزيد والأسود ومالك والشافعي وأحمد ، وقال القاضي عياض : وهو مذهب عمر بن الخطاب وابن مسعود رضي الله عنهما ، وقال ابن القاسم عن مالك : كل صلاة إلى الأئمة فلها أذان وإقامة ، وقال أحمد بن خالد : أعجب من مالك ؛ أخذ في هذا بحديث ابن مسعود ولم يروه ، وترك ما روى ، وقال سعيد بن جبير والثوري وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بأذان واحد وإقامة واحدة لهما ، وهو المروى عن جابر وعبد الله بن عمر وأبي أيوب الأنصاري . قلت : لم يذكر في الحديث المذكور الأذان ، والصحيح عند الشافعية أنه يؤذن للأولى ، وبه قال أحمد وأبو ثور وعبد الملك بن الماجشون المالكي ، وهو مذهب الطحاوي ، وللشافعي وأحمد قول : أنه يصلي كل واحدة بإقامة بلا أذان ، وهو محكي عن القاسم بن محمد وسالم ، وعن كل واحد من مالك والشافعي وأحمد : أنه يصلي بأذانين .
الرابع : فيه تنبيه المفضول الفاضل إذا خاف عليه النسيان لما كان فيه من الشغل ؛ لقول أسامة : الصلاة يا رسول الله . الخامس : في قوله : « فتوضأ فأسبغ الوضوء » إن الوضوء عبادة وإن لم يصل به ، يعني بالأول نبه عليه الخطابي ، وقد قالت جماعة من توضأ ، ثم أراد أن يجدد وضوءه قبل أن يصلي ليس له ذلك ؛ لأنه لم يوقع به عبادة ، ويكون كمن زاد على ثلاث في وضوء واحد ، وهذا هو الأصح عند الشافعية ، قالوا : ولا يسن تجديده إلا إذا صلى بالأولى صلاة فرضا كانت أو نفلا . قلت : استدلال الخطابي بالحديث المذكور على ما ادعاه غير تام لا يخفى ذلك .
السادس : فيه أنهم صلوا قبل حط رحالهم ، وقد جاء مصرحا به في رواية أخرى في الصحيح ، وعن مالك يبدأ بالصلاة قبل حط الرواحل ، وقال أشهب : له أن يحط رحله قبل أن يصلي وبعد المغرب أحب إلى ما لم تكن دابته معقلة ، ولا يتعشى قبل المغرب ، وإن خفف عشاءه ، ولا يتعشى بعدها ، وإن كان عشاؤه خفيفا ، وإن طال فبعد العشاء أحب إلي . السابع : فيه ترك النافلة في السفر ، كذا استنبطه المهلب من قوله : « ولم يصل بينهما » وكذلك قال ابن عمر رضي الله عنهما : لو كنت مسبحا لأتممت ، وقال غيره : لا دلالة فيه ؛ لأن الوقت بين الصلاتين لا يتسع لذلك ، ألا ترى أن بعضها قال : لا يحطون رواحلهم تلك الليلة حتى يجمعوا ، ومنهم من قال : يحط بعد الأولى مع ما في ترك الرواحل ما وقى ما نهى عنه ، ولم يتابع ابن عمر رضي الله عنهما على قوله ، والفقهاء متفقون على اختيار التنفل في السفر ، وقال ابن بطال : وقد تنفل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - راجلا وراكبا . الثامن : استدل به القرطبي على جواز التنفل بين صلاتي الجمع ، قال : وهو قول ابن وهب قال : وخالفه بقية أصحابنا فمنعوه .
قلت : الحديث نص على أنه لم يصل بينهما ، ولعله أخذه من إناخة البعير بينهما ، ومذهب الشافعية أنه جائز في جمع التأخير ممتنع في جمع التقديم ، ومذهب الحنفية المنع من التطوع بينهما ؛ لأنه يخل بالجمع ، ولو تطوع أو تشاغل بشيء أعاد الإقامة لوقوع الفصل نص عليه في الهداية . التاسع : فيه الدفع من عرفة إلى مزدلفة راكبا . العاشر : قال الداودي : فيه الاستنجاء من البول لغير صلاة تنظفا وقطعا لمادته .
قلت : كأنه حمل الوضوء الأول فيه على الاستنجاء ، وقد رددنا عليه ذلك . الحادي عشر : فيه اشتراك وقت المغرب والعشاء في الجمع خاصة ، وكذا وقت الظهر والعصر في عرفة خاصة ، وليس ذلك في غيرهما . فإن قلت : ما السبب في جمع التأخير بمزدلفة .
قلت : السفر عند الشافعية ، ولهذا لا يجمع المزدلفي والنسك عند الحنفية ؛ فلهذا يجمع المزدلفي . والله أعلم . الثاني عشر : استدل به الشافعية على أن الفوائت لا يؤذن لها ؛ لكن يقام .
قلت : هذا الاستدلال غير تام ؛ لأن تأخير المغرب إلى العشاء ليس بقضاء ، وإنما هو أداء ؛ لأن وقته قد تحول إلى وقت العشاء لأجل العذر المرخص ، فكيف يصح القياس عليه فيما ذكره . والله أعلم . الثالث عشر : قال ابن بطال : فيه أن يسير العمل إذا تخلل بين الصلاتين غير قاطع نظام الجمع بينهما ؛ لقوله : « ثم أناخ » ولكنه لا يتكلم .
قلت : ليس فيه ما يدل على عدم جواز التكلم بينهما ، ولا ما يدل على عدم قطع اليسير وعلى قطع الكثير ؛ بل يدل على عدم القطع مطلقا ، يسيرا أو كثيرا .