باب الاستنجاء بالماء
حدثنا أبو الوليد هشام بن عبد الملك قال : حدثنا شعبة عن أبي معاذ ، واسمه عطاء بن أبي ميمونة قال : سمعت أنس بن مالك يقول : كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا خرج لحاجته أجيء أنا وغلام معنا إداوة من ماء ، يعني : يستنجي به . مطابقة الحديث للترجمة في قوله : « يعني يستنجي به » لأن البخاري قصد بهذه الترجمة الرد على من كره الاستنجاء بالماء وعلى من نفى وقوعه من النبي عليه الصلاة والسلام ، وهؤلاء قد ذهبوا في ذلك إلى ما روى ابن أبي شيبة بأسانيد صحيحة عن حذيفة بن اليمان أنه سئل عن الاستنجاء بالماء فقال : إذن لا يزال في يدي نتن ، وعن نافع عن ابن عمر كان لا يستنجي بالماء ، وعن ابن الزبير قال : ما كنا نفعله ، ونقل عن ابن التين عن مالك أنه أنكر أن يكون النبي عليه الصلاة والسلام استنجى بالماء ، وعن ابن حبيب من المالكية أنه منع الاستنجاء بالماء ؛ لأنه مطعوم . فإن قلت : ليس في الحديث ما يطابق الترجمة ؛ لأن الأصيلي زعم فيما ذكره المهلب أن الاستنجاء بالماء ليس بالبين في هذا الحديث ؛ لأن قوله : « فيستنجي به » ليس من قول أنس بن مالك ، إنما هو من قول أبي الوليد ، وقد رواه سليمان بن حرب عن شعبة ، لم يذكر فيستنجي به ، فيحتمل أن يكون الماء لطهوره أو الوضوء به ، وقال السفاقسي مثله زاد ، وقال أبو عبد الملك هو قول ابن معاذ الرازي عن أنس قال : وذلك أنه لم يصح أن النبي - عليه الصلاة والسلام - استنجى بالماء .
قلت : ذكر البخاري فيما يأتي من طريق ابن بشار عن غندر ، عن شعبة بلفظ : يستنجي بالماء ، ثم ذكر من تابعه على لفظة فيستنجي بخلاف لفظ أبي الوليد ، وفي رواية الإسماعيلي من طريق عمرو بن مرزوق عن شعبة فأنطلق أنا وغلام من الأنصار معنا إداوة فيها ماء يستنجي منها النبي - عليه الصلاة والسلام - ، وفي رواية البخاري أيضا من طريق روح بن القاسم عن عطاء بن ميمونة إذا تبرز لحاجته أتيته بماء فيغتسل به ، وفي رواية مسلم من طريق خالد الحذاء عن عطاء عن أنس فخرج علينا وقد استنجى بالماء ، وكذا عند أبي عوانة في صحيحه فيخرج عليها وقد استنجى بالماء ، وتبين بهذه الروايات أن حكاية الاستنجاء من قول أنس راوي الحديث ، وقال بعضهم : ووقع هنا في نكت البدر الزركشي تصحيف ؛ فإنه نسب التعقيب المذكور إلى الإسماعيلي ، وإنما هو للأصيلي ، وأقره فكأنه ارتضاه وليس بمرضي ، وكذا نسبه الكرماني إلى ابن بطال وأقره عليه ، وابن بطال إنما أخذه عن الأصيلي . قلت : مثل هذا لا يسمى تصحيفا ؛ لأن التصحيف الخطأ في الصحيفة بأن يذكر موضع الحاء المهملة مثلا الخاء المعجمة ، وموضع العين المهملة الغين المعجمة ، ونحو ذلك ، وأصل التعقيب المذكور ليس للأصيلي أيضا ، وإنما هو للمهلب ، كما ذكرناه ، وابن بطال وغيره نقلوه هكذا ، ولم يذكروا المقول منه ، فبهذا لا يتوجه عليهم التشنيع . ثم اعلم أن الأحاديث قد تظاهرت بالإخبار عن استنجاء النبي عليه الصلاة والسلام بالماء وبالأمر به ، فمنها ما رواه البخاري من حديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي - عليه الصلاة والسلام - دخل الخلاء فوضعت له وضوءا الحديث ، وقد مر بيانه ، ومنها ما رواه مسلم في صحيحه لما عد الفطرة عشرة ، عد منها انتقاص الماء ، وفسر بالاستنجاء ، ومنها ما رواه ابن خزيمة في صحيحه من حديث إبراهيم بن جرير عن أبيه أن النبي - صلى الله عليه وسلم - دخل الغيضة فقضى حاجته فأتاه جرير بإداوة من ماء فاستنجى منها ومسح يده بالتراب .
ومنها ما رواه ابن حبان في صحيحه عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : ما رأيت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج من غائط قط إلا مس ماء ، ومنها ما رواه الترمذي من حديث أبي عوانة ، عن قتادة ، عن معاذة ، عن عائشة أنها قالت : مرن أزواجكن أن يغسلوا أثر الغائط والبول ؛ فإن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يفعله ، وقال : حسن صحيح . فإن قلت : سأل حرب أبا عبد الله عنه قال لا يصح في الاستنجاء بالماء حديث ، قال : فحديث عائشة قال : لا يصح ؛ لأن غير قتادة لا يرفعه . قلت : فيه نظر ؛ لأن قتادة إمام حافظ إذا انفرد برفع حديث قبل منه إجماعا ، ورفعه غير قتادة أيضا ، وهو ابن شوذب عن يزيد وإبراهيم بن طهمان وأبو زيد عن أيوب ، كذا في العلل لأبي إسحاق الحربي .
فإن قلت : قال الحربي والحديث عندي موقوف لكثرة من أجمع على ذلك . قلت : قد رفعه من ذكرناهم وهم حجة ، ولا سيما فيهم قتادة وبه الكفاية ، وأما قول أحمد بن حنبل : لم يصح في الاستنجاء بالماء حديث مردود بما ذكرنا من الأحاديث ، وبما رواه ابن حبان أيضا في صحيحه من حديث أبي هريرة أن النبي عليه الصلاة والسلام قضى حاجته ، ثم استنجى من تور ، رواه عن إسحاق بن إبراهيم وإسماعيل بن مبشر قالا : حدثنا عبيد بن آدم بن أبي إياس ، حدثنا أبي ثنا شريك عن إبراهيم بن جرير عن أبي زرعة بن عمرو بن جرير عنه . فإن قلت : قال أبو الحسن بن القطان في كتابه الوهم والإيهام : إنه لا يصح لعلتين إحداهما : شريك ؛ فإنه سيء الحفظ مشهور التدليس ، وهو في سوء الحفظ مثل ابن أبي ليلى وقيس بن الربيع ، وكلهم اعتراهم سوء الحفظ لما ولوا القضاء ، الثانية : إبراهيم لا يعرف حاله ، وهو كوفي يروي عن أبيه مرسلا ، ومنهم من يقول حدثني أبي .
قلت : تدليس شريك المخوف زال بحديث آدم عنه المصرح فيه بحدثنا عن إبراهيم ، كما مر ، وتسويته بين شريك وقيس وابن أبي ليلى في سوء الحفظ غير جيد ؛ لأنه ممن قال فيه يحيى : ثقة ، وهو أحب إلي من أبي الأحوص ، وجرير ليس يقاس هؤلاء به ، وقال أحمد : فيه نحو ذلك وزاد ، وهو في أبي إسحاق أثبت من زهير وإسرائيل ، وقال وكيع : لم نر أحدا من الكوفيين مثله ، وقال ابن سعد : ثقة مأمون كثير الحديث ، وثقه وعظمه غير هؤلاء ، فكيف يقاس بمن قيل فيه كثير الخطأ رديء الحفظ كثير المناكير في حديثه ، فاستحق الترك ، تركه أحمد ويحيى وزائدة ، يعني ابن أبي ليلى ، وقال ابن طاهر : أجمعوا على ضعفه ، وقال أحمد في قيس : ترك الناس حديثه ، وأساء الثناء عليهما غير واحد ، وقوله في إبراهيم : لا يعرف حاله ، مردود برواية جماعة عنهم ، منهم أبان بن عبد الله وحميد بن مالك وزياد بن أبي سفيان وقيس بن أسلم وداود بن عبد الجبار وغيرهم ، وقال أبو حاتم الرازي : يكتب حديثه ، وذكره ابن حبان في كتاب الثقات ، وقال ابن عدي : أحاديثه مستقيمة تكتب ، وقوله : « ومنهم من يقول حدثني أبي » وأغضى على ذلك هو لا يستقيم ، وأنى له السماع من أبيه مع قول الآجري والحربي وابن سعد ولد بعد موت أبيه . ومنها ما رواه ابن ماجه عن عائشة من طريق ضعيفة أن النبي - عليه الصلاة والسلام - كان يغسل مقعدته ثلاثا ، وفي لفظ استنجوا بالماء البارد فإنه مصحة للبواسير ، ومنها ما رواه ابن حبيب في شرح الموطأ . حدثنا أسيد بن موسى وغيره عن السري بن يحيى ، عن أبان بن أبي عياش أن النبي - عليه الصلاة والسلام - قال استنجوا بالماء ؛ فإنه أطهر وأطيب وأبان هذا متروك .
( بيان رجاله ) وهم أربعة . الأول : أبو الوليد هشام ، بكسر الهاء ابن عبد الملك الطيالسي البصري مر في كتاب علامة الإيمان حب الأنصار . الثاني : شعبة بن الحجاج ، وقد مر .
الثالث : أبو معاذ ، بضم الميم وبالذال المعجمة ، واسمه عطاء بن ميمونة البصري التابعي مولى أنس ، وقيل : مولى عمران بن حصين ، مات بعد الثلاثين ومائة ، وكان يرى القدر . الرابع : أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه . ( بيان لطائف إسناده ) .
منها أن فيه التحديث والعنعنة والسماع ، ومنها أن رواته كلهم بصريون ، ومنها أنهم كلهم من فرسان الصحيحين ، والأربعة إلا عطاء فإن الترمذي لم يخرج له ، ومنها أنه من رباعيات البخاري . ( بيان تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره ) . أخرجه البخاري أيضا في الطهارة عن سليمان بن حرب وعن بندار عن غندر ، وفي الصلاة أيضا عن محمد بن حاتم بن بزيغ عن أسود بن عامر شاذان ، ثلاثتهم عن شعبة ، وفي الطهارة أيضا عن يعقوب الدورقي عن إسماعيل بن علية عن روح بن القاسم كلاهما عنه به ، وأخرجه مسلم في الطهارة عن أبي بكر بن أبي شيبة عن وكيع وغندر ، وعن أبي موسى محمد بن المثنى عن غندر كلاهما عن شعبة به ، وعن زهير بن حرب وأبي كريب كلاهما عن إسماعيل بن علية به ، وعن يحيى بن يحيى عن خالد بن عبد الله الواسطي عن خالد هو الحذاء عنه به .
وأخرجه أبو داود في الطهارة عن وهب بن بقية عن خالد الواسطي به ، وأخرجه النسائي فيه عن إسحاق بن إبراهيم عن النضر بن شميل عن شعبة به . ( بيان اللغات ) قوله : « وغلام » هو الذي طر شاربه ، وقيل : هو من حين يولد إلى أن يشب ، وزعم الزمخشري أن الغلام هو الصغير إلى حد الالتحاء ، فإن أجري عليه بعد ما صار ملتحيا اسم الغلام فهو مجاز ، ويروى عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه في بعض أراجيزه : أنا الغلام الهاشمي المكي ، وقالت ليلى الأخيلية في الحجاج : غلام إذ هز القناة تباهيا . قال : وقال بعضهم : يستحق هذا الاسم إذا ترعرع وبلغ حد الاحتلام بشهوة النكاح كأنه يشتهي النكاح ذلك الوقت ، ويسمى الغلام قبل ذلك تفاؤلا ، وبعد ذلك مجازا ، وفي المخصص : هو غلام من لدن فطامه إلى سبع سنين ، وعن أبي عبيد : هو المترعرع المتحرك والجمع أغلمة وغلمة وغلمان ، والأنثى غلامة ، وفي الصحاح استغنوا بغلمة عن أغلمة ، وتصغير الغلمة أغيلمة على غير مكبرة ، كأنهم صغروا أغلمة وإن لم يقولوه .
وقال الخليل : الغلومة والغلامية ، والغلام هو الذي طر شاربه ، وفي الموعب لابن التياني : لا يقال للأنثى غلامة إلا في كلام قد ذهب في ألسنه الناس ، وفي الجمهرة غلام رعرع ورعراع ، ولا يكون ذلك إلا مع حسن الشباب . قوله : « إداوة » بكسر الهمزة ، وهي إناء صغير من جلد تتخذ للماء كالسطيحة ونحوها ، والجمع أداوى ، قال الجوهري : الإداوة المطهرة والجمع أداوى . ( بيان الإعراب ) .
قوله : « كان رسول الله - عليه الصلاة والسلام - » ارتفاع رسول الله بكان ، وخبره جملة قد حذف منها العائد ، وهو قوله : « أجيء أنا » تقديره : أجيئه أنا وغلام معي ، ويدل عليه الرواية الآتية كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إذا خرج لحاجته تبعته أنا وغلام منا وكلمة إذا للظرف المحض ، ويحتمل أن يكون فيها معنى الشرط وجوابه . قوله : « أجيء » والجملة تكون في محل نصب على أنها خبر كان ، وقوله : « أنا » ضمير مرفوع أبرز ليصح عطف غلام على ما قبله لئلا يلزم عطف اسم على فعل ، ويجوز وغلاما بالنصب على أن تكون الواو بمعنى مع ، قوله : « إداوة » مرفوع بالابتداء وخبره ، قوله : « معنا » مقدما ، والجملة في محل النصب على الحال بدون الواو ، كما في قوله تعالى اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وكلمة من في قوله : « من ماء » للبيان . ( بيان المعاني ) .
قوله : « كان رسول الله - صلى الله عليه وسلم - » هذه اللفظة مشعرة باستمرار ذلك واعتياده له ، قوله : « لحاجته » أراد بها هاهنا الغائط أو البول ، قوله ( أجيء أنا وغلام ) ، وصرح الإسماعيلي في روايته ( وغلام منا ) ، أي : من الأنصار ، وكذا في الرواية الآتية للبخاري ، وفي رواية مسلم ( وغلام نحوي ) ، أي : مثلي أراد مقارب لي في السن ، قوله : « معنا » أي : في صحبتنا إداوة قال صاحب المحكم : مع اسم معناه الصحبة متحركة وساكنة غير أن المتحركة العين تكون اسما وحرفا ، والساكنة العين تكون حرفا لا غير ، وهاهنا يجوز تسكين العين ، وكذا في معكم ، وعند اجتماعه بالألف واللام تفتح العين وتكسر ، فيقال مع القوم فتحا وكسرا ، وقال الجوهري : مع للمصاحبة ، وقد تسكن وتنون فيقال جاؤوا معا ، قوله : « يعني يستنجي به » من كلام أنس رضي الله تعالى عنه ، وفاعل يستنجي رسول الله - صلى الله عليه وسلم – ، والرواية الثالثة للبخاري الآتية عن قريب تدل على هذا ، وبهذا يرد على عبد الملك البوني في قوله : « هذا مدرج من قول عطاء الراوي عن أنس » فيكون مرسلا فلا حجة فيه ، حكاه عنه ابن التين وإليه ذهب الكرماني أيضا ، وكذا يرد على بعضهم في قوله : « قائل » يعني هو هشام ، أراد به هشام بن عبد الملك الطيالسي شيخ البخاري ، وقد مر تحقيق الكلام فيه عن قريب . ( بيان استنباط الأحكام ) . الأول : فيه خدمة الصالحين وأهل الفضل والتبرك بذلك ، وتفقد حاجاتهم خصوصا المتعلقة بالطهارة .
الثاني : فيه استخدام الرجل الصالح الفاضل بعض أتباعه الأحرار خصوصا إذا أرصدوا لذلك ، والاستعانة في مثل هذا ، فيحصل لهم الشرف بذلك ، وقد صرح الروياني من الشافعية بأنه يجوز أن يعير ولده الصغير ليخدم من يتعلم منه ، وخالف صاحب العدة فقال : ليس للأب أن يعير ولده الصغير لمن يخدمه ؛ لأن ذلك هبة لمنافعه ، فأشبه إعارة ماله ، وأوله النووي في الروضة فقال : هذا محمول على خدمة تقابل بأجرة ، أما ما كان لا يقابل بها ، فالظاهر والذي تقتضيه أفعال السلف أن لا منع منه ، وقال غيره من المتأخرين ينبغي تقييد المنع بما إذا انتفت المصلحة ، أما إذا وجدت كما لو قال لولده الصغير : اخدم هذا الرجل في كذا لتتمرن على التواضع ومكارم الأخلاق ، فلا منع منه ، وهو حسن . الثالث : فيه التباعد لقضاء الحاجة عن الناس ، وقد اشتهر ذلك من فعله صلى الله تعالى عليه وآله وسلم . الرابع : فيه جواز الاستعانة في أسباب الوضوء .
الخامس : فيه اتخاذ آنية الوضوء كالإداوة ونحوها وحمل الماء معه إلى الكنيف . السادس : فيه جواز الاستنجاء بالماء ، ولذلك ترجم البخاري عليه ، وفيه رد على من منع ذلك كما بيناه ، وأجابوا عن قول سعيد بن المسيب ، وقد سئل عن الاستنجاء بالماء أنه وضوء النساء بأنه لعل ذلك في مقابلة غلو من أنكر الاستنجاء بالأحجار ، وبالغ في إنكاره بهذه الصيغة ليمنعه من الغلو ، وحمله ابن قانع على أنه في حق النساء ، وأما الرجال فيجتمعون بينه وبين الأحجار ، حكاه الباجي عنه ، قال القاضي : والعلة عند سعيد في كونه وضوء النساء معناه أن الاستنجاء في حقهن بالحجارة متعذر ، وقال الخطابي : وزعم بعض المتأخرين أن الماء مطعوم ، فلهذا كره الاستنجاء به سعيد وموافقوه ، وهذا قول باطل منابذ للأحاديث الصحيحة . وشذ ابن حبيب فقال : لا يجوز الاستنجاء بالأحجار مع وجود الماء ، وحكاه القاضي أبو الطيب عن الزيدية والشيعة وغيرهما ، والسنة قاضية عليهم استعمل الشارع الأحجار وأبو هريرة معه ومعه إداوة من ماء ، ومذهب جمهور السلف والخلف والذي أجمع عليه أهل الفتوى من أهل الأمصار أن الأفضل أن يجمع بين الماء والحجر فيقدم الحجر أولا ، ثم يستعمل الماء فتخف النجاسة وتقل مباشرتها بيده ، ويكون أبلغ في النظافة ؛ فإن أراد الاقتصار على أحدهما فالماء أفضل لكونه يزيل عين النجاسة وأثرها ، والحجر يزيل العين دون الأثر ، لكنه معفو عنه في حق نفسه ، وتصح الصلاة معه كسائر النجاسات المعفو عنها ، واحتج الطحاوي رحمه الله على الاستنجاء بالماء بقوله تعالى فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ قال الشعبي رحمه الله : لما نزلت هذه الآية قال النبي - صلى الله عليه وسلم - يا أهل قبا ، ما هذا الثناء الذي أثنى الله عليكم ؟ قالوا : ما منا أحد إلا وهو يستنجي بالماء .