باب الاستنجاء بالحجارة
حدثنا أحمد بن محمد المكي قال : حدثنا عمرو بن يحيى بن سعيد بن عمرو المكي عن جده ، عن أبي هريرة قال : اتبعت النبي - صلى الله عليه وسلم - وخرج لحاجته ، فكان لا يلتفت ، فدنوت منه فقال : أبغني أحجارا أستنفض بها أو نحوه ولا تأتني بعظم ولا روث ، فأتيته بأحجار بطرف ثيابي فوضعتها إلى جنبه وأعرضت عنه ، فلما قضى أتبعه بهن . مطابقة الحديث للترجمة في قوله : « ابغني أحجارا أستنفض بها » لأن معناه أستنجي بها ، كما سيأتي عن قريب إن شاء الله تعالى . ( بيان رجاله ) وهم أربعة : الأول : أحمد بن محمد بن عون بالنون أبو الوليد الغساني الأزرقي المكي ، جد أبي الوليد محمد بن عبد الله صاحب تاريخ مكة ، وفي طبقته أحمد بن محمد المكي أيضا ؛ لكن كنيته أبو محمد ، وجده عون يعرف بالقواس ، وقد وهم من زعم أن البخاري روى عن أبي محمد الذي في طبقته ، وإنما روى عن أبي الوليد وهم أيضا من جعلهما واحدا ، روى أبو الوليد المذكور عن مالك وغيره ، وروى عنه البخاري وحفيده مؤرخ مكة محمد بن عبد الله وأبو جعفر الترمذي وآخرون ، مات سنة اثنتين وعشرين ومائتين .
الثاني : عمرو بن يحيى بن سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاصي أبو أمية القريشي المكي الأموي ، وعمرو بن سعيد هو المعروف بالأشدق الذي ولي إمرة المدينة ، وكان يجهز البعوث إلى مكة ، وكان عمرو هذا قد تغلب على دمشق في زمن عبد الملك بن مروان فقتله عبد الملك وسير أولاده إلى المدينة ، وسكن ولده مكة لما ظهرت دولة بني العباس ، فاستمروا بها ، وعمرو بن يحيى روى عن أبيه وجده ، وعنه سويد وغيره ، روى له البخاري وابن ماجه . الثالث : جده سعيد بن عمرو بن سعيد بن العاصي بن أبي أحيحة التابعي الثقة ، روى عن ابن عباس وغيره ، وعنه ابناه إسحاق وخالد وحفيده عمرو بن يحيى ، روى له الجماعة سوى الترمذي . الرابع : أبو هريرة عبد الرحمن رضي الله تعالى عنه .
( بيان لطائف إسناده ) منها أن فيه التحديث والعنعنة ، ومنها أن فيه مكيين ومدنيين ، ومنها أنه من رباعيات البخاري ، ومنها أن فيه رواية الابن عن الجد . ( بيان تعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره ) . أخرجه البخاري أيضا مطولا في ذكر الجن عن موسى بن إسماعيل ، عن عمرو بن يحيى بن سعيد ، عن جده به ، ولم يخرجه مسلم ولا الأربعة ، وأخرجه رزين عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم – ابغني أحجارا أستنفض بها ، ولا تأتني بعظم ولا بروثة .
قلت : ما بال العظم والروثة ؟ قال : هما من طعام الجن ، وأنه أتاني وفد جن نصيبين ونعم الجن ، فسألوني عن الزاد ، فدعوت الله تعالى لهم أن لا يمروا بعظم ولا بروث إلا وجدوا عليهما طعاما . ( بيان اللغات ) . قوله : « اتبعت النبي - صلى الله عليه وسلم - » بتشديد التاء المثناة من فوق ، أي : سرت وراءه ، وقد أشبعنا الكلام فيه في باب : من حمل الماء لطهوره عن قريب ، قوله : « ابغني » يجوز في همزته الوصل إذا كان من الثلاثي ، معناه اطلب لي ، يقال بغيتك الشيء ، أي : طلبته لك ، والقطع إذا كان من المزيد معناه أعني على الطلب ، يقال : أبغيتك الشيء إذا أعنتك على طلبه ، وكلاهما روايتان ، وقال الجوهري : بغيت الشيء طلبته ، وبغيتك الشيء طلبته لك ، وأبغيته الشيء أعنته على طلبه ، وقال ابن التين : رويناه بالوصل ، قال الخطابي : معناه اطلب لي ، من بغيت الشيء طلبته ، وبغيتك الشيء طلبته لك ، وأبغيتك الشيء جعلتك طالبا له ، قال تعالى يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ أي : يبغونها لكم .
وقال أبو علي الهجري في أماليه : بغيت الخير بغاء . قلت : بكسر الباء ، وقال أبو الحسن اللحياني في نوادره : يقال بغى الرجل الحاجة والعلم والخير وكل شيء يطلب يبغى بغاء . قلت : بضم الباء ، وبغية بكسر الباء وبغى كذلك ، وبغية بالضم وبغى كذلك ، واستبغى القوم فبغوه وبغوا له ، أي : طلبوا له ، وفي المحكم المعروف بغاء .
قلت : بالضم والاسم البغية والبغية ، وقال ثعلب : بغى الخير بغية وبغية فجعلهما مصدرين والبغية والبغية والبغية ما ابتغي ، وأبغاه الشيء طلبه له أو أعانه على طلبه ، والجمع بغاة وبغيان . وابتغى الشيء تيسر وتسهل ، وبغى الشيء بغوا نظر إليه كيف هو ، وفي الجامع للقزاز : ابغني كذا ، أي : أعني عليه واطلبه معي ، وفي الواعي لعبد الحق الإشبيلي : البغاء الطلب . قلت : بالضم ، وفي الصحاح : كل طلبة بغاء بالضم وبالمد وبغاية أيضا ، وابتغيت الشيء وتبغيته إذا طلبته ، قال ساعدة بن جوية الهذلي : سباع تبغى الناس مثنى وموحد قوله : « أستنفض » على وزن أستفعل من النفض بالنون والفاء والضاد المعجمة ، وهو أن يهز الشيء ليطير غباره أو يزول ما عليه ، ومعناه هاهنا أستنظف بها ، أي : أنظف بها نفسي من الحدث ، وفي المطالع : ابغي أحجارا أستنفض بها ، أي : أستنج بها مما هنالك ، ونفاضة كل شيء ما نفضته فسقط منه ، وفي الواعي : أستنفض بها ، أي : أستنجي بها ، وهو أن ينفض عن نفسه أذى الحدث ، فقال : هذا موضع مستنفض ، أي : متبرز ، وفي كتاب ابن طريف : نفضت الأرض تتبعت مغانيها ، ونفضت الشيء نفضا حركته ليسقط عنه ما علق به .
وقال المطرزي : الاستنفاض الاستخراج ، ويكنى به عن الاستنجاء ، وقال : ومن رواه بالقاف والصاد المهملة فقد صحف . قلت : قال الصغاني في العباب : استنفاض الذكر وانتقاصه استبراؤه مما فيه من بقية البول . قلت : الأول بالفاء والضاد المعجمة ، والثاني بالقاف والضاد المعجمة أيضا ، والثالث بالقاف والمهملة ، وذكر أيضا في باب نقص بالقاف والمهملة ، وقال أبو عبيد : انتقاص الماء غسل الذكر بالماء ؛ لأنه إذا غسل بالماء ارتد البول ، ولم ينزل ، وإن لم يغسل نزل منه الشيء بعد الشيء حتى يستبرئ .
( بيان الإعراب ) . قوله : « اتبعت النبي - عليه الصلاة والسلام - » جملة وقعت مقول القول ، قوله : « وخرج لحاجته » جملة وقعت حالا بتقدير قد ، والتقدير : وقد خرج ، وقد علم أن الفعل الماضي إذا وقع حالا فلا بد فيه من قد ، إما ظاهرة أو مقدرة ، ويجوز فيه الواو وتركه ، كما في قوله تعالى أَوْ جَاءُوكُمْ حَصِرَتْ صُدُورُهُمْ والتقدير : قد حصرت ، وقد وقع بدون الواو ، قوله : « فكان لا يلتفت » بفاء العطف في رواية أبي ذر ، وفي رواية غيره وكان بالواو . فإن قلت : ما وجه الواو فيه .
قلت : للحال ، وقول بعضهم : وكان استئنافية ، غير صحيح على ما لا يخفى ، قوله : « فقال ابغني » بوصل الهمزة وقطعها ، كما ذكرناه ، قوله : « أحجارا » نصب على أنه مفعول ثان لابغني ، قوله : « أستنفض » مجزوم ؛ لأنه جواب الأمر ، ويجوز رفعه على الاستئناف ، قوله : « أو نحوه » بالنصب ؛ لأنه مقول القول ، وهو في المعنى جملة ، والتقدير : أو قال نحو قوله : « أستنفض بها » وذلك نحو قوله : « أستنجي بها » وكذا وقع في رواية الإسماعيلي أستنجي بها والتردد فيه من بعض الرواة ، قوله : « بطرف ثيابي » الباء ظرفية . ( بيان المعاني ) . قوله : « فكان لا يلتفت » أي : فكان النبي - صلى الله تعالى عليه وسلم - إذا مشى لا يلتفت وراءه ، وكان هذا عادة مشيه عليه الصلاة والسلام ، قوله : « فدنوت منه » أي : قربت منه لأستأنس به وأقضي حاجته ، وفي رواية الإسماعيلي : أستأنس ، فقال من هذا .
قلت : أبو هريرة ، قوله : « فقال ابغني أحجارا » وفي رواية الإسماعيلي ائتني ، قوله : « ولا تأتني بعظم » كأنه عليه الصلاة والسلام خشي أن يفهم أبو هريرة من قوله : « أستنفض بها » أن كل ما يزيل الأثر وينقي كاف ولا اختصاص لذلك بالأحجار ، فنبه باقتصاره في النهي على العظم والروث على أن ما سواهما يجزئ ، ولو كان ذلك مختصا بالأحجار ، كما يقول أهل الظاهر وبعض الحنابلة لم يكن لتخصيص هذين بالنهي معنى ، قال الخطابي : وفي النهي عنهما دليل على أن أعيان الحجارة غير مختصة بهذا المعنى ، وذلك لأنه لما أمر بالأحجار ، ثم استثنى هذين وخصهما بالنهي دل على أن ما عداهما قد دخل في الإباحة ، ولو كانت الحجارة مخصوصة بذلك لم يكن لتخصيصهما بالذكر معنى ، وإنما جرى ذكر الحجارة وسيق اللفظ إليها ؛ لأنها كانت أكثر الأشياء التي يستنجى بها وجودا وأقربها تناولا . وقال أهل الظاهر : الحجر متعين لا يجزئ غيره ، وقال أصحابنا : الذي يقوم مقام الحجر كل جامد طاهر مزيل للعين ليس له حرمة ، وقال ابن بطال : لما نهى عنهما دل على أن ما عداهما بخلافهما وإلا لم يكن لتخصيصهما فائدة تدبر ؛ فإن قيل : إنما نص عليهما تنبيها على أن ما عداهما في معناهما : . قلنا : هذا لا يجوز ؛ لأن التنبيه إنما يفيد إذا كان في المنبه عليه معنى المنبه له وزيادة كقوله تعالى فَلا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وليس في سائر الطاهرات معناهما فلم يقع التنبيه عليهما انتهى .
قلت : التعليل في العظم والروث إن كان هو كونهما من طعام الجن على ما سيجيء في رواية البخاري في المبعث في هذا الحديث أن أبا هريرة قال للنبي - صلى الله عليه وسلم - لما أن فرغ : ما بال العظم والروث ؟ قال : هما من طعام الجن . فيلحق بهما سائر المطعومات للآدميين بطريق القياس ، وكذا المحترمات كأوراق كتب العلم ، وإن كان هو النجاسة في الروث فيلحق به كل نجس ، وفي العظم هو كونه لزجا فلا يزيل إزالة تامة فيلحق به ما في معناه كالزجاج الأملس ، وقال الخطابي : قيل المعنى في ذلك أن العظم لزج لا يكاد يتماسك فيقلع النجاسة وينشف البلة ، وقيل : إن العظم لا يكاد يعرى من بقية دسم قد علق به ، ونوع العظم قد يتأتى فيه الأكل لبني آدم ؛ لأن الرخو الرقيق منه قد يتمشش في حال الرفاهية ، والغليظ الصلب منه يدق ويستف منه عند المجاعة والشدة ، وقد حرم الاستنجاء بالمطعوم . قلت : هذان وجهان ، والثالث كونه طعام الجن ، وأما الروث فلأنه نجس ، كما ذكرناه ، أو لأنه طعام دواب الجن ، وقال الحافظ أبو نعيم في دلائل النبوة : إن الجن سألوا هدية منه - صلى الله عليه وسلم - فأعطاهم العظم والروث ، فالعظم لهم والروث لدوابهم ؛ فإذا لا يستنجى بهما رأسا .
وأما لأنه طعام للجن أنفسهم روى أبو عبد الله الحاكم في الدلائل أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال لابن مسعود رضي الله تعالى عنه ليلة الجن : أولئك جن نصيبين جاؤوني فسألوني الزاد ، فمتعتهم بالعظم والروث ، فقال له : وما يغني منهم ذلك يا رسول الله ؟ قال : إنهم لا يجدون عظما إلا وجدوا عليه لحمه الذي كان عليه يوم أخذ ، ولا وجدوا روثا إلا وجدوا فيه حبه الذي كان يوم أكل فلا يستنجي أحد ، لا بعظم ولا بروث ، وفي رواية أبي داود أنهم قالوا : يا محمد إنه أمتك لا يستنجوا بعظم ولا بروث أو حممة ؛ فإن الله تعالى جعل لنا رزقا فيها ، فنهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم – عنه . قلت : الحممة ، بضم الحاء المهملة وفتح الميمين ، وهي الفحم وما احترق من الخشب والعظام ونحوها ، وجمعها حمم ، قوله : « بطرف ثيابي » أي : في جانب ثيابي ، أي وفي صحيح الإسماعيلي في طرف ملائي ، وقال الكرماني : والثياب يحتمل أن يراد به الجمع ، وأن يراد به الجنس ، كما يقال : فلان يركب الخيول . قلت : فيه نظر ؛ لأن ما ذكره إنما يمشي في الجمع المحلى بالألف واللام ، كما في المثال المذكور ، قوله : « وأعرضت عنه » كذا في أكثر الروايات ، وفي رواية الكشميهني واعترضت بزيادة التاء المثناة من فوق بعد العين ، قوله : « فلما قضى » أي : رسول الله - صلى الله عليه وسلم - والمفعول محذوف تقديره : فلما قضى حاجته ، قوله : « أتبعه بهن » أي : بالأحجار وهمزة أتبعه همزة قطع ، والضمير المنصوب فيه يرجع إلى القضاء الذي يدل عليه قوله : « فلما قضى » وكنى بذلك عن الاستنجاء .
( بيان استنباط الأحكام ) : الأول : فيه جواز استنجاء بالأحجار ، وفيه الرد على من أنكر ذلك ، كما بيناه مستقصى . الثاني : فيه مشروعية الاستنجاء ، وقد اختلف العلماء فيه ، فمنهم من قال بوجوبه واشتراطه في صحة الصلاة ، وبه قال الشافعي وأحمد وأبو ثور وإسحاق وأبو داود ومالك في رواية ، ومنهم من قال بأنه سنة ، وبه قال أبو حنيفة وأصحابه ومالك في رواية والمزني من أصحاب الشافعي ، واحتجوا في ذلك بما رواه أبو داود : حدثنا إبراهيم بن موسى الرازي قال : أخبرنا عيسى بن يونس ، عن ثور ، عن الحصين الحمراني ، عن أبي سعيد ، عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي - عليه الصلاة والسلام - قال : من اكتحل فليوتر ، من فعل فقد أحسن ، ومن لا فلا حرج ، ومن استجمر فليوتر ، من فعل فقد أحسن ، ومن لا فلا حرج الحديث . وأخرجه أحمد أيضا في مسنده : حدثنا شريح ، حدثنا عيسى بن يونس ، عن ثور ، عن الحصين ، كذا قال عن أبي سعيد الخير ، وكان من أصحاب عمر عن أبي هريرة قال : قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - إلى آخره نحوه .
وأخرجه الطحاوي في الآثار : حدثنا يونس بن عبد الأعلى قال : أخبرنا يحيى بن حسن قال : حدثنا عيسى بن يونس قال : حدثنا ثور بن يزيد ، عن حصين الحمراني ، عن أبي سعيد الخير ، عن أبي هريرة إلى آخره نحوه ، فالحديث صحيح ورجاله ثقات . فإن قلت : قال أبو عمرو بن حزم والبيهقي ليس إسناده بالقائم مجهولان يعنون حصينا فيه الحمراني وأبا سعيد الخير . قلت : هذا كلام ساقط ؛ لأن أبا زرعة الدمشقي قال في حصين : هذا شيخ معروف ، وقال يعقوب بن سفيان في تاريخه : لا أعلم إلا خيرا ، وقال أبو حاتم الرازي : شيخ ، وذكره ابن حبان في الثقات ، وأما أبو سعيد الخير فقد قال أبو داود ويعقوب بن سفيان والعسكري وابن بنت منيع في آخرين : إنه من الصحابة .
والحديث أخرجه ابن حبان أيضا في صحيحه ، وذكر أبا سعيد في كتاب الصحابة وسماه عامرا ، وسماه البغوي عمرا ، وسماه صاحب التهذيب زيادا ، وسماه البخاري سعدا ، وقالوا أيضا : إنه كدم البراغيث ؛ لأنه نجاسة لا تجب إزالة أثرها ، فكذا عينها لا يجب إزالتها بالماء فلا يجب بغيره ، وقال المزني : لأنا أجمعنا على جواز مسحها بالحجر فلم تجب إزالتها كالمني . فإن قلت : استدلالهم بالحديث غير تام ؛ لأن المراد لا حرج في ترك الإيتار ، أي : الزائد على ثلاثة أحجار ، وليس المراد ترك أصل الاستنجاء ، وقال الخطابي : معنى الحديث التمييز بين الماء الذي هو الأصل وبين الأحجار التي هي للترخيص ، لكنه إذا استجمر بالحجارة فليجعل وترا ، وإلا فلا حرج إلى تركه إلى غيره ، وليس معناه ترك التعبد أصلا بدليل حديث سلمان نهانا أن نستنجي بأقل من ثلاثة أحجار . قلت : الشارع نفى الحرج عن تارك الاستنجاء ، فدل على أنه ليس بواجب ، وكذلك ترك الإيتار لا يضر ؛ لأن ترك أصله لما لم يكن مانعا ، فما ظنك بترك وصفه ، فدل الحديث على انتفاء المجموع .
فإن قلت : قال الخطابي : فيه وجه آخر ، وهو رفع الحرج في الزيادة على الثلاث ، وذلك أن مجاوزة الثلاث في الماء عدوان وترك للسنة ، والزيادة في الأحجار ليست بعدوان وإن صارت شفعا . قلت : هذا الوجه لا يفهم من هذا الكلام على ما لا يخفى على الفطن ، وأيضا مجاوزة الثلاث في الماء كيف تكون عدوانا إذا لم تحصل الطهارة بالثلاث ، والزيادة في الأحجار وإن كانت شفعا كيف لا يصير عدوانا ، وقد نص على الإيتار فافهم . وأهل المقالة الأولى احتجوا بظاهر الأوامر الواردة في حديث أبي هريرة وليستنج بثلاثة أحجار ، وفي حديث عائشة الذي أخرجه ابن ماجه وأحمد أن رسول الله - صلى الله تعالى عليه وسلم - قال : إذا ذهب أحدهم إلى الغائط فليذهب معه بثلاثة أحجار يستطيب بهن ، وأحاديث غيرهما ، وأجيب بأن الأمر يحتمل أن يكون على وجه الاستحباب ، والمحتمل لا يصلح حجة إلا بمرجح لأحد المعاني ، وفيما ذكر أهل المقالة الثانية أيضا إعمال الأحاديث كلها ، وفيما قاله هؤلاء إهمال لبعضها ، والعمل بالكل أولى على ما لا يخفى .
الثالث : أن الأحجار لا تتعين للاستنجاء ؛ بل يقوم مقامها كل جامد طاهر قالع غير محترم ، وتنصيصه عليه الصلاة والسلام عليها لكونها الغالب الميسر وجودها بلا مشقة ولا كلفة في تحصيلها ، كما ذكرناه مبسوطا . الرابع : فيه النهي عن الاستنجاء بالعظم والروث ، واختلف العلماء فيه ، فقال الثوري والشافعي وأحمد وإسحاق والظاهرية : لا يجوز الاستنجاء بالعظام ، واحتجوا فيه بظاهر الحديث ، وقال ابن قدامة في المغني : والخشب والخروق وكل ما أنقى به كالأحجار إلا الروث والعظام والطعام مقتاتا أو غير مقتات فلا يجوز الاستنجاء به ولا بالروث والعظام ، طاهرا كان أو غير طاهر ، وبه قال الثوري والشافعي وإسحاق ، وقال ابن حزم في المحلى : وممن قال لا يجزئ بالعظام ولا باليمين الشافعي وأبو سليمان ، وقال القاضي : واختلفت الرواية عن مالك في كراهية هذا ، يعني : الاستنجاء بالعظم ، والمشهور عنه النهي عن الاستنجاء به على ما جاء في الحديث ، وعنه أيضا أنه أجاز ذلك ، وقال : ما سمعت في ذلك بنهي عام ، وذهب بعض البغداديين إلى جواز ذلك إذا وقع بمكان ، وهو قول أبي حنيفة ، وفي البدائع : فإن فعل ذلك ، يعني : الاستنجاء بالعظم يعتد به عندنا ، فيكون مقيما سنة ومرتكبا كراهية . قلت : ذكر ابن جرير الطبري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان له عظم يستنجي به ، ثم يتوضأ ويصلي ، وشذ ابن جرير فأجاز الاستنجاء بكل طاهر ونجس ، ويكره بالذهب والفضة عند أبي حنيفة ، وعند الشافعي في قول لا يكره ، وكره بعض العلماء الاستنجاء بعشرة أشياء : العظم والرجيع والروث والطعام والفحم والزجاج والورق والخرق وورق الشجر والسعتر ، ولو استنجى بها أجزأه مع الكراهة ، وقال بعض الشافعية : يجوز الاستنجاء بالعظم إن كان طاهرا لا زهومة عليه لحصول المقصود ، ولو أحرق العظم الطاهر بالنار وخرج عن حال العظم فوجهان عند الشافعية حكاهما الماوردي ، أحدهما : يجوز الاستنجاء به ؛ لأن النار أحالته ، والثاني : لا ؛ لعموم النهي عن الرمة ، وهي العظم البالي ، ولا فرق بين البلى بالنار أو بمرور الزمان ، وهذا أصح .
الخامس : فيه كراهة الاستنجاء بجميع المطعومات ؛ فإنه عليه الصلاة والسلام نبه بالعظم على ذلك ، ويلتحق بها المحترمات كأجزاء الحيوان وأوراق كتب العلم وغير ذلك . السادس : فيه إعداد الأحجار للاستنجاء كي لا يحتاج إلى طلبها بعد قيامه فلا يأمن التلوث . السابع : فيه جواز اتباع السادات بغير إذنهم .
الثامن : فيه استخدام المتبوعين الأتباع . التاسع : فيه استحباب الإعراض عن قاضي الحاجة . العاشر : فيه جواز الرواية بالمعنى حيث قال أو نحوه .