باب هل يمضمض من اللبن
( باب هل يمضمض من اللبن ؟ ) 74 - حدثنا يَحْيَى بْنُ بُكَيْرٍ وَقُتَيْبَةُ قَالَا: حَدَّثَنَا اللَّيْثُ، عَنْ عُقَيْلٍ، عَنْ ابْنِ شِهَابٍ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ، عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ: أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم شَرِبَ لَبَنًا فَمَضْمَضَ وَقَالَ: " إِنَّ لَهُ دَسَمًا " .
مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة . بيان رجاله : وهم سبعة تقدم ذكرهم ، وبكير بضم الباء ، وعقيل بضم العين ، وابن شهاب محمد بن مسلم الزهري ، وعبيد الله بن عبد الله بتصغير الابن وتكبير الأب ، وعتبة بضم العين وسكون الثاء المثناة من فوق . بيان لطائف إسناده : منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع ، والعنعنة .
ومنها : أن فيه شيخين للبخاري ، وهما ابن بكير وقتيبة بن سعيد ، كلاهما يرويان عن الليث بن سعد ، وهذا أحد الأحاديث التي أخرجها الأئمة الستة غير ابن ماجه عن شيخ واحد ، وهو قتيبة . ومنها : أن رواته ما بين مصري : وهو يحيى بن عبد الله بن بكير ، والليث ، وعقيل ، وبلخي : وهو قتيبة ، ومدني : وهو ابن شهاب ، وعبيد الله . بيان من أخرجه غيره : أخرجه مسلم ، وأبو داود ، والترمذي ، والنسائي في الطهارة ، عن قتيبة به .
وأخرجه مسلم أيضا ، عن زهير بن حرب ، وعن حرملة بن يحيى ، وعن أحمد بن عيسى . وأخرجه ابن ماجه فيه ، عن دحيم ، ج٣ / ص١٠٨عن الوليد بن مسلم ، عن الأوزاعي به . بيان المعنى ، والحكم : قوله ( دسما ) منصوب ؛ لأنه اسم إن ، وقدم عليه خبره ، والدسم بفتحتين : الشيء الذي يظهر على اللبن من الدهن .
وقال الزمخشري : هو من دسم المطر الأرض ، إذا لم يبلغ أن يبل الثرى ، والدسم بضم الدال وسكون السين : الشيء القليل . وأما الحكم ففيه دلالة على استحباب تنظيف الفم من أثر اللبن ونحوه ، ويستنبط منه أيضا استحباب تنظيف اليدين . ( تابعه يونس ، وصالح بن كيسان ، عن الزهري ) أي تابع عقيلا يونس بن يزيد ، وقوله ( يونس ) فاعل "تابع" ، والضمير يرجع إلى عقيل رضي الله تعالى عنه ؛ لأنه هو الذي يرويه عن محمد بن مسلم الزهري ، ووصله مسلم عن حرملة ، عن ابن وهب ، حدثنا يونس ، عن ابن شهاب به .
قوله ( وصالح بن كيسان ) أي تابع عقيلا أيضا صالح بن كيسان ، ووصله أبو العباس السراج في ( مسنده ) ، وتابعه أيضا الأوزاعي ، أخرجه البخاري في الأطعمة ، عن أبي عاصم عنه بلفظ حديث الباب . ورواه ابن ماجه من طريق الوليد بن مسلم قال : حدثنا الأوزاعي ، فذكره بصيغة الأمر : مضمضوا من اللبن . . الحديث ، وكذا رواه الطبراني من طريق أخرى ، عن الليث بالإسناد المذكور ، وأخرج ابن ماجه من حديث أم سلمة ، وسهل بن سعد مثله ، وإسناد كل منهما حسن .
وفي ( التهذيب ) لابن جرير الطبري : هذا خبر عندنا صحيح ، وإن كان عند غيرنا فيه نظر لاضطراب ناقليه في سنده ، فمن قائل : عن الزهري ، عن ابن عباس ، من غير إدخال عبيد الله بينهما ، ومن قائل : عن الزهري ، عن عبيد الله أن النبي عليه الصلاة والسلام ، من غير ذكر ابن عباس . وبعد ، فليس في مضمضته عليه الصلاة والسلام وجوب مضمضة ، ولا وضوء على من شربه ، إذا كانت أفعاله غير لازمة العمل بها لأمته إذا لم تكن بيانا عن حكم فرض في التنزيل . وقال صاحب ( التلويح ) : وفيه نظر من حيث إن ابن ماجه رواه عن عبد الرحمن بن إبراهيم ، حدثنا الوليد بن مسلم ، الحديث ذكرناه الآن ، وفي حديث موسى بن يعقوب عنده أيضا، وهو بسند صحيح ، قال : حدثني أبو عبيدة بن عبد الله بن زمعة ، عن أبيه ، عن أم سلمة مرفوعا : إذا شربتم اللبن فمضمضوا فإن له دسما .
وعنده أيضا من حديث عبد المهيمن بن عباس بن سهل بن سعد ، عن أبيه ، عن جده ، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : مضمضوا من اللبن فإن له دسما . وعند ابن أبي حاتم في ( كتاب العلل ) من حديث أنس : هاتوا ماء ، فمضمض به . وفي حديث جابر رضي الله عنه من عند ابن شاهين : فمضمض من دسمه .
وقال الشيخ أبو جعفر البغدادي الذي رواه أبو داود بسند لا بأس به ، عن عثمان بن أبي شيبة ، عن زيد بن حباب ، عن مطيع بن راشد ، عن توبة العنبري ، سمع أنس بن مالك : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شرب لبنا ، فلم يمضمض ولم يتوضأ وصلى . يدل على نسخ المضمضة . وقال صاحب ( التلويح ) : يخدش فيه ما رواه أحمد بن منيع في ( مسنده ) بسند صحيح ، حدثنا إسماعيل ، حدثنا أيوب ، عن ابن سيرين ، عن أنس رضي الله تعالى عنه أنه كان يمضمض من اللبن ثلاثا.
فلو كان منسوخا لما فعله بعد النبي عليه الصلاة والسلام . قلت : لا يلزم من فعله هذا ، والصواب في هذا أن الأحاديث التي فيها الأمر بالمضمضة أمر استحباب لا وجوب ، والدليل على ذلك ما رواه أبو داود المذكور آنفا ،
وما رواه الشافعي رحمه الله تعالى بإسناد حسن ، عن أنس : أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم شرب لبنا ، فلم يتمضمض ولم يتوضأ .فإن قلت : ادعى ابن شاهين أن حديث أنس ناسخ لحديث ابن عباس .
قلت : لم يقل به أحد ، ومن قال فيه بالوجوب حتى يحتاج إلى دعوى النسخ .