باب بول الصبيان
حدثنا عبد الله بن يوسف ، قال : أخبرنا مالك ، عن ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة ، عن أم قيس بنت محصن أنها أتت بابن لها صغير لم يأكل الطعام إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأجلسه رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجره ، فبال على ثوبه ، فدعا بماء ، فنضحه ، ولم يغسله . مطابقته للترجمة ظاهرة . ( بيان رجاله ) : وهم خمسة تقدموا كلهم ، وابن شهاب محمد بن مسلم الزهري ، وأم قيس بفتح القاف وسكون الياء آخر الحروف ، ومحصن بكسر الميم وسكون الحاء المهملة وفتح الصاد المهملة وفي آخره نون وهي أخت عكاشة بن محصن ، أسلمت بمكة قديما وبايعت النبي صلى الله عليه وسلم ، وهاجرت إلى مدينة النبي صلى الله عليه وسلم روي لها أربعة وعشرون حديثا في الصحيحين منها اثنان ، وهي من المعمرات ، وقال ابن عبد البر اسمها جذامة بالجيم والذال المعجمة ، وقال السهيلي اسمها آمنة ، وذكرها الحافظ الذهبي في ( تجريد الصحابة ) في الكنى ، ولم يذكر لها اسما .
( بيان لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع ، والإخبار بصيغة الجمع في موضع ، والعنعنة في ثلاث مواضع ، ورواته ما بين تنيسي ومدني . ( بيان من أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري هنا فقط ، وأخرجه بقية الجماعة ، فمسلم في الطب عن ابن أبي عمر ، وفيه : وفي الطهارة عن يحيى بن يحيى ، وأبي بكر بن أبي شيبة ، وعمرو الناقد ، وأبي خيثمة زهير بن حرب خمستهم عن سفيان بن عيينة ، وفي الطهارة أيضا عن محمد بن رمح ، عن الليث بن سعد ، وعن حرملة بن يحيى ، عن ابن وهب ، عن يونس ثلاثتهم عن الزهري به ، وخرجه أبو داود في الطهارة ، عن القعنبي ، عن مالك به والترمذي فيه ، عن قتيبة ، وأحمد بن منيع كلاهما عن سفيان بن عيينة به ، والنسائي فيه عن قتيبة ، عن مالك ، وابن ماجه ، عن أبي بكر بن أبي شيبة ، ومحمد بن الصباح كلاهما عن سفيان به . ( بيان لغته وإعرابه ) : قوله : بابن لها ، الابن لا يطلق إلا على الذكر بخلاف الولد ، قوله : صغير ، هو ضد الكبير ، ولكن المراد منه الرضيع لأنه فسره بقوله : لم يأكل الطعام ، فإذا أكل يسمى فطيما ، وغلاما أيضا إلى سبع سنين ، وقال الزمخشري : الغلام هو الصغير إلى حد الالتحاء ، وقال بعضهم من أهل اللغة : ما دام الولد في بطن أمه فهو جنين ، فإذا ولدته يسمى صبيا ما دام رضيعا ، فإذا فطم يسمى غلاما إلى سبع سنين ، فمن هذا عرفت أن الصغير يطلق إلى حد الالتحاء من حين يولد ، فلذلك قيد في الحديث بقوله : لم يأكل الطعام ، والطعام في اللغة ما يؤكل ، وربما خص الطعام بالبر ، وفي حديث أبي سعيد : كنا نخرج صدقة الفطر على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم صاعا من طعام أو صاعا من شعير ، والطعم بالفتح ما يؤديه الذوق ، يقال : طعمه مر ، والطعم بالضم الطعام ، وقد طعم يطعم طعما فهو طاعم إذا أكل وذاق ، مثل : غنم يغنم غنما فهو غانم ، قال تعالى : فَإِذَا طَعِمْتُمْ فَانْتَشِرُوا وقال تعالى : وَمَنْ لَمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي أي من لم يذقه ، قاله الجوهري ، وقال الزمخشري أيضا : ومن لم يطعمه : ومن لم يذقه من طعم الشيء إذا ذاقه ، ومنه طعم الشيء لمذاقه قال : ( وإن شئت لم أطعم نقاخا ولا بردا ) .
ألا ترى كيف عطف عليه البرد وهو النوم ، قلت : أول البيت : ( وإن شئت حرمت النساء سواكم ) . والنقاخ بضم النون وبالقاف والخاء المعجمة الماء العذب ، وقال بعضهم : وقد أخذه من كلام النووي المراد من الطعام ما عدا اللبن الذي يرتضعه ، والتمر الذي يحنك به ، والعسل الذي يلعقه للمداواة ، وغيرها ، قلت : لا يحتاج إلى هذه التقديرات ؛ لأن المراد من قوله : لم يأكل الطعام لم يقدر على مضغ الطعام ، ولا على دفعه إلى باطنه لأنه رضيع لا يقدر على ذلك ، أما اللبن فإنه مشروب غير مأكول ، فلا يحتاج إلى استثنائه ، لأنه لم يدخل في قوله : لم يأكل الطعام ، حتى يستثنى منه ، وأما التمر الذي يحنك به أو العسل الذي يلعقه ، فليس باختياره بل بعنف من فاعله قصدا للتبرك أو المداواة ، فلا حاجة أيضا لاستثنائهما ، فعلم مما ذكرنا أن المراد من قوله : لم يأكل الطعام أي قصدا أو استقلالا أو تقويا ، فهذا شأن الصغير الرضيع ، وقد علمت من هذا أن الذي نقله القائل المذكور من النووي ، ومن نكت التنبيه صادر من غير روية ، ولا تحقيق ، وكذلك لا يحتاج إلى سؤال الكرماني وجوابه هاهنا بقوله : فإن قلت اللبن طعام ، فهل يخص الطعام بغير اللبن أم لا ؟ قلت : الطعام هو ما يؤكل ، واللبن مشروب لا مأكول ، فلا يخصص قوله : فأجلسه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم الضمير المنصوب فيه يرجع إلى الابن . قال بعضهم : أي وضعه إن قلنا : إنه كان كما ولد ، ويحتمل أن يكون الجلوس حصل منه على العادة ، إن قلنا : إنه كان في سن من يحبو ، قلت : ليس المعنى كذلك ؛ لأن الجلوس يكون عن نوم أو اضطجاع ، وإذا كان قائما كانت الحال التي يخالفها القعود ، والمعنى هاهنا أقامه عن مضجعه ؛ لأن الظاهر أن أم قيس أتت به وهو في قماطة مضطجع ، فأجلسه النبي صلى الله عليه وسلم أي أقام في حجره ، وإن كانت أتت به وهو في يدها بأن كان عمره مقدار سنة أو جاوزها قليلا ، والحال أنه رضيع يكون المعنى : تناوله منها وأجلسه في حجره ، وهو يمسكه لعدم مسكته ؛ لأن أصل تركيب هذه المادة يدل على ارتفاع في الشيء ، والحجر بكسر الحاء وفتحها وسكون الجيم لغتان مشهورتان ، قوله : فبال على ثوبه ، الظاهر أن الضمير في ثوبه يرجع إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وقد قيل : إنه يرجع إلى الابن ، أي بال الابن على ثوب نفسه وهو في حجره صلى الله عليه وسلم ، فنضح عليه الماء خوفا أن يكون طار على ثوبه منه شيء ، قلت : هذا مما يؤيد قول الحنفية ، وقد نسب هذا القول إلى ابن شعبان ، قوله : فنضحه قد ذكرنا أن النضح هو الرش ، وقال ابن سيده : نضح الماء عليه ينضحه نضحا إذا ضربه بشيء ، فأصابه منه رشاش ، ونضح عليه الماء رش ، وقال ابن الأعرابي : النضح ما كان على اعتماد ، والنضخ ما كان على غير اعتماد ، وقيل : هما لغتان بمعنى ، وكله رش ، قلت : الأول بالحاء المهملة ، والثاني بالخاء المعجمة ، وفي ( الواعي ) لأبي محمد ، ( والصحاح ) لأبي نصر ، ( والمجمل ) لابن فارس ، ( والجمهرة ) لابن دريد ، وابن القطوية ، وابن القطاع ، وابن طريف في ( الأفعال ) ، والفارابي في ( ديوان الأدب ) ، وكراع في ( المنتخب ) ، وغيرهم : النضح : الرش ، وقد استقصينا الكلام به في الحديث السابق مستقصى ، قوله : ولم يغسله ، ولمسلم من طريق الليث عن ابن شهاب : فلم يزد على أن نضح بالماء ، وله من طريق ابن عيينة ، عن ابن شهاب : فرشه ، وقال بعضهم : ولا تخالف بين الروايتين بين نضح ورش ؛ لأن المراد به : أن الابتداء كان بالرش ، وهو بتنقيط الماء ، فانتهى إلى النضح ، وهو صب الماء ، ويؤيده رواية مسلم في حديث عائشة من طريق جرير ، عن هشام : فدعا بماء فصبه عليه ، ولأبي عوانة : فصبه على البول يتبعه إياه ، قلت : عدم التخالف بين الروايتين ليس من الوجه الذي ذكره بل باعتبار أن النضح والرش بمعنى كما ذكرنا عن الكتب المذكورة ، والوجه الذي ذكره ليس بوجه على ما لا يخفى ، وأما رواية مسلم فإنها تثبت أن النضح بمعنى الصب ؛ لأن الأحاديث المذكورة في هذا الباب باختلاف ألفاظها تنتهي إلى معنى واحد دفعا للتضاد ، ألا ترى أن أم الفضل لبابة بنت الحارث قد روي على الصب دفعا للتضاد عنها حديثان أحدهما فيه النضح ، والثاني فيه الصب ، فحمل النضح ، وعملا بالحديثين على أن الأحاديث الواردة في حكم واحد باختلاف ألفاظها يفسر بعضها بعضا ، ومن الدليل على أن النضح هو صب الماء والغسل من غير عرك قول العرب : غسلني السماء ، وإنما يقولون ذلك عند انصباب المطر عليهم ، وكذلك يقال : غسلني التراب إذا انصب عليه ، فإن قلت : يعكر على هذا قوله : فنضحه ولم يغسله ، قلت : قد مر جوابه في تفسير الحديث السابق على أن الأصيلي ادعى أن قوله : ولم يغسله من كلام ابن شهاب راوي الحديث ، وأن المرفوع انتهى عند قوله : فنضحه ، قال : وكذلك رواه معمر عن ابن شهاب ، وكذا أخرجه ابن أبي شيبة قال : فرشه ولم يزد على ذلك .
( وأما الإعراب ) : فقوله : لها جملة في محل الجر ، لأنها صفة لابن ، وكذلك قوله : صغير بالجر صفة ابن ، وكذلك قوله : لم يأكل الطعام ، وقوله : إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، كلمة : إلى تتعلق بقوله : أتت ، والفاآت الأربعة للعطف بين الكلام بمعنى التعقيب . ( بيان استنباط الأحكام ) : منها حكم بول الغلام الرضيع ، وقد مر الكلام فيه مستقصى ، ومنها الرفق بالصغار والشفقة عليهم ، ألا ترى أن سيد الأولين والآخرين كيف كان يأخذهم في حجره ويتلطف بهم حتى إن منهم من يبول على ثوبه فلا يؤثر فيه ذلك ، ولا يتغير ، ولهذا كان يخفف الصلاة عند سماعه بكاء الصبي وأمه وراءه ، وروي عنه أنه قال : من لم يرحم صغيرنا فليس منا ، ومنها حمل الأطفال إلى أهل الفضل والصلاح ليدعوا لهم سواء كان عقيب الولادة أو بعدها ، وقال بعضهم : حمل الأطفال حال الولادة ، قلت : حملهم حال الولادة غير متصور ، فهذا كلام صادر عن غير ترو ، وأيضا قال هذا القائل : في هذا الحديث من الفوائد كذا وكذا ، وعد منها تحنيك المولود ، وليس في الحديث ما يدل على ذلك صريحا ، وإن كان جاء هذا في أحاديث أخر ؛ لأن ظاهر الحديث يدل على أن أم قيس إنما أتت به إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأجل التبرك ، ولدعائه له ؛ لأن من دعا له هذا النبي الكريم يسعد في الدنيا والآخرة ، وإن كان فيه احتمال التحنيك .