باب البول قائما وقاعدا
( باب البول قائما وقاعدا ) 87 - حدثنا آدم ، قال : حدثنا شعبة ، عن الأعمش ، عن أبي وائل ، عن حذيفة قال : أتى النبي صلى الله عليه وسلم سباطة قوم ، فبال قائما ، ثم دعا بماء ، فجئته بماء فتوضأ .
مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة لا يقال : الترجمة أعم لأنا ذكرنا فيما مضى ما يكفي في رده . ( بيان رجاله ) : وهم خمسة تقدموا كلهم ، وآدم هو ابن أبي إياس ، والأعمش هو سليمان بن مهران ، وأبو وائل هو شقيق الكوفي ، وحذيفة هو ابن اليمان . ( بيان لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في ثلاثة مواضع ، ورواته ما بين خراساني وكوفي ، وفيه : عن أبي وائل ، ولأبي داود الطيالسي في مسنده عن شعبة ، عن الأعمش أنه سمع أبا وائل ، ولأحمد عن يحيى القطان عن الأعمش حدثني أبو وائل .
( بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) : أخرجه البخاري هاهنا عن آدم ، عن شعبة ، وأخرجه أيضا في الطهارة عن سليمان بن حرب مختصرا كما هاهنا ، وفي الطهارة أيضا عن محمد بن عرعرة كلاهما عن شعبة ، وعن عثمان بن أبي شيبة عن جرير ، وأول حديث محمد بن عرعرة : كان أبو موسى يشدد على البول ، على ما سيأتي عن قريب ، وأخرجه مسلم في الطهارة عن يحيى بن يحيى ، عن أبي خيثمة زهير بن معاوية ، عن الأعمش به ، وفيه ذكر المسح ، وعن يحيى بن يحيى ، عن جرير نحو حديث محمد بن عرعرة ، وأخرجه أبو داود فيه عن حفص بن عمر ، ومسلم ابن إبراهيم كلاهما عن شعبة ، وعن مسدد ، عن أبي عوانة ، وأخرجه الترمذي فيه عن هناد ، عن وكيع ، عن الأعمش به ، وأخرجه النسائي فيه عن إسحاق بن إبراهيم ، عن يحيى بن يونس ، وعن المؤمل بن هشام ، عن ابن علية ، عن شعبة كلاهما عن الأعمش به ، وعن ابن بشار ، عن غندر ، عن شعبة ، عن منصور به ، وعن سليمان بن عبد الله الغيلاني ، عن بهز ، عن شعبة ، عن الأعمش ومنصور به ، وليس فيه ذكر المسح إلا في حديث عيسى بن يونس ، وفي حديث بهز ، وأخرجه ابن ماجه عن أبي بكر بن أبي شيبة ، عن شريك ، وهشيم ، ووكيع ثلاثتهم عن الأعمش به من غير ذكر المسح . ( بيان لغته وإعرابه ) : قوله : " سباطة قوم " السباطة : على وزن فعالة بالضم ، وهو الموضع الذي يرمى فيه التراب بالأفنية مرفعا ، وقيل : السباطة الكناسة نفسها ، وكانت بالمدينة ، ذكره محمد بن طلحة بن مصرف ، عن الأعمش ، قوله : " قائما " نصب على الحال من الضمير الذي في " فبال " . ( بيان المعنى ) : إضافة السباطة إلى القوم إضافة اختصاص لا ملك لأنها كانت بفناء دورهم للناس كلهم فأضيف إليهم لقربها منهم ، ولهذا بال صلى الله تعالى عليه وآله وسلم عليها ، وبهذا يندفع إشكال من قال : إن البول يوهن الجدار ، وفيه ضرر ، فكيف هذا من النبي عليه الصلاة والسلام ؟ وقد يقال : إنما بال فوق ج٣ / ص١٣٥السباطة لا في أصل الجدار ، وقد صرح به في رواية أبي عوانة في ( صحيحه ) ، وقيل : يحتمل أن يكون علم إذنهم في الجدار بالتصريح أو غيره ، أو لكونه مما سامح الناس به ، أو لعلمه صلى الله عليه وسلم بإيثارهم إياه ، بذلك يجوز له التصرف في مال أمته دون غيره ، ولأنه أولى بالمؤمنين من أنفسهم وأموالهم ، قلت : هذا كله على تقدير أن تكون السباطة ملكا لأحد أو لجماعة معينين ، وقال الكرماني : وأظهر الوجوه أنهم كانوا يؤثرون ذلك ، ولا يكرهونه ، بل يفرحون به ، ومن كان هذا حاله جاز البول في أرضه ، والأكل من طعامه ، قلت : هذا أيضا على تقدير أن تكون السباطة ملكا لقوم ، فإن قلت : كان من عادته صلى الله عليه وسلم التباعد في المذهب ، وقد روى أبو داود عن المغيرة بن شعبة : " أن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا ذهب المذهب أبعد " ، والمذهب بالفتح الموضع الذي يتغوط فيه ، وأخرجه بقية الأربعة أيضا ، قلت : يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم كان مشغولا في ذلك الوقت بأمور المسلمين ، والنظر في مصالحهم ، فلعله طال عليه الأمر فأتى السباطة حين لم يمكنه التباعد ، وأنه لو أبعد لكان تضرر ، فإن قلت : روى أبو داود من حديث أبي موسى الأشعري أنه قال : " كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم ، فأراد أن يبول ، فأتى دمثا في أصل جدار فبال " الحديث ، فهذا يخالف ما ذكرت فيما مضى عن قريب ، قلت : يجوز أن يكون الجدار هاهنا عاديا غير مملوك لأحد ، أو يكون قعوده متراخيا عن جرمه فلا يصيبه البول ، قوله : " ثم دعا بماء " ، زاد مسلم وغيره من طرق الأعمش : " فتنحيت فقال : ادنه ، فدنوت حتى قمت عند عقبه " ، وفي رواية أحمد ، عن يحيى القطان : " أتى سباطة قوم ، فتباعدت منه ، فأدناني حتى صرت قريبا من عقبه ، فبال قائما ، ودعا بماء ، فتوضأ به ، ومسح على خفيه " .
( بيان استنباط الأحكام ) : الأول : فيه جواز البول قائما ، فقاعدا أجوز ، لأنه أمكن ، وقد اختلف العلماء في هذا ، فأباحه قوم ، وقال ابن المنذر ثبت أن عمر ، وابنه ، وزيد بن ثابت ، وسهل بن سعد أنهم بالوا قياما ، وأباحه سعيد بن المسيب ، وعروة ، ومحمد بن سيرين ، وزيد بن الأصم ، وعبيدة السلماني ، والنخعي ، والحكم ، والشعبي ، وأحمد ، وآخرون ، وقال مالك : إن كان في مكان لا يتطاير عليه منه شيء فلا بأس به ، وإلا فمكروه ، وقالت عامة العلماء : البول قائما مكروه إلا لعذر ، وهي كراهة تنزيه لا تحريم ، وكذلك روي البول قائما عن أنس ، وعلي بن أبي طالب ، وأبي هريرة رضي الله عنهم ، وكرهه ابن مسعود ، وإبراهيم بن سعد ، وكان إبراهيم لا يجيز شهادة من بال قائما ، وقال ابن المنذر : البول جالسا أحب إلي ، وقائما مباح ، وكل ذلك ثابت عن النبي صلى الله عليه وسلم . فإن قلت : رويت أحاديث ظاهرها يعارض حديث الباب ، منها
حديث المقداد عن أبيه ، عن عائشة رضي الله تعالى عنها : " من حدثك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بال قائما فلا تصدقه ، أنا رأيته يبول قاعدا " ، أخرجه البستي في ( صحيحه ) ، ورواه الترمذي ، وقال : حديث عائشة أحسن شيء في هذا الباب ، وأصح، وأخرج أبو عوانة الإسفرائيني في ( صحيحه ) بلفظ : " ما بال قائما منذ أنزل عليه القرآن " ، ومنها حديث بريدة رواه البزار بسند صحيح ، حدثنا نصر بن علي ، حدثنا عبد الله بن داود ، حدثنا سعيد بن عبيد الله ، حدثنا عبد الله بن بريدة ، عن أبيه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ثلاث من الجفاء : أن يبول الرجل قائما " الحديث ، وقال : لا أعلم رواه عن ابن بريدة إلا سعيد بن عبد الله ، وقال الترمذي : وحديث بريدة في هذا غير محفوظ ، وقول الترمذي يرد به . ومنها حديث عمر رضي الله تعالى عنه ، وأخرجه البيهقي من حديث ابن جريج ، أخبرنا عبد الكريم بن أبي المخارق ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : قال عمر رضي الله تعالى عنه : " رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم أبول قائما فقال : يا عمر ، لا تبل قائما ، قال : فما بلت قائما بعد " ، ومنها حديث جابر رضي الله تعالى عنه ، أخرجه البيهقي أيضا من حديث عدي بن الفضل ، عن علي بن الحكم ، عن أبي نضرة ، عن جابر : " نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يبول الرجل قائما " .
قلت : أما الجواب عن حديث عائشة أنه مستند إلى علمها ، فيحمل على ما وقع منه في البيوت ، وأما في غير البيوت فلا تطلع هي عليه ، وقد حفظه حذيفة رضي الله عنه ، وهو من كبار الصحابة ، وأيضا يمكن أن يكون قول عائشة : " ما بال قائما " ، يعني في منزله ، ولا اطلاع لها على ما في الخارج ، فإن قلت : قال أبو عوانة في ( صحيحه ) ، وابن شاهين : إن حديث حذيفة منسوخ بحديث عائشة رضي الله عنها ، قلت : الصواب أنه لا يقال : إنه منسوخ ؛ لأن كلا من عائشة ، وحذيفة أخبر بما شاهده ، فدل على أن البول قائما وقاعدا يجوز ، ولكن كرهه العلماء قائما لوجود أحاديث النهي ، وإن كان أكثرها غير ثابت ، وأما حديث بريدة في هذا غير محفوظ ، ولكن فيه نظر ؛ لأن البزار أخرجه بسند صحيح كما ذكرنا ، وأما ج٣ / ص١٣٦حديث عمر فقال الترمذي : فحديث ضعيف ؛ لأن ابن جريج رواه عن عبد الكريم بن المخارق أبو أمية ، وهو ضعيف ، وقال الترمذي : إنما رفعه عبد الكريم ، وقد ضعفه أيوب ، وتكلم فيه ، وروى عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر قال : قال عمر : ما بلت قائما منذ أسلمت ، هذا أصح من حديث عبد الكريم ، وأما حديث جابر ففي رواته عدي بن الفضل ، وهو ضعيف ، فإن قلت :
قال أبو القاسم عبد الله بن أحمد بن محمود البلخي في كتابه المسمى بقبول الأخبار ومعرفة الرجال : حديث حذيفة ، يعني هذا حديث فاحش منكر لا نراه إلا من قبل بعض الزنادقة ، قلت : هذا كلام سوء لا يساوي سماعه ، وهو في غاية الصحة ، فإن قلت : روي عن ابن ماجه من طريق شعبة أن عاصما روى له عن أبي وائل عن المغيرة : " أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتى سباطة قوم فبال قائما " ، قال عاصم ، وهذا الأعمش يرويه عن أبي وائل ، عن حذيفة ، قلت : قال الترمذي : حديث أبي وائل عن حذيفة أصح يعني من حديثه عن المغيرة ، وأيضا لا يبعد أن يكون أبو وائل رواه عن رجلين ، والرجلان شاهدا ذلك من فعله صلى الله عليه وسلم ، وأن أبا وائل أدى الحديثين عنهما ، فسمعه منه جماعة ، فأدى كل ما سمع ، ودليله أن غيرهما حكى ذلك عنه صلى الله عليه وسلم أيضا منهم سهل بن سعد رضي الله عنه وحديثه في ( صحيح ابن خزيمة ) وأبو هريرة رضي الله تعالى عنه،
وأخرج حديثه الحاكم ثم البيهقي عن حماد بن غسان الجعفي ، حدثنا معن ، عن مالك ، عن أبي الزناد ، عن الأعرج ، عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه : " أن النبي صلى الله عليه وسلم بال قائما من جرح كان بمآبضه " ، وقال الذهبي : هذا منكر ، وضعفه الدارقطني ، والبيهقي ، وابن عساكر في كتابه ( مجموع الرغائب في ذكر أحاديث مالك الغرائب ). ثم إن العلماء تكلموا في سبب بوله صلى الله تعالى عليه وسلم قائما ، فقال الشافعي لما سأله حفص الفرد عن الفائدة في بوله قائما : العرب تستشفي لوجع الصلب بالبول قائما ، فنرى أنه كان به إذ ذاك ، قلت : يوضح ذلك حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه المذكور آنفا . والمآبض جمع مأبض بسكون الهمزة بعدها باء موحدة ثم ضاد معجمة ، وهو باطن الركبة ، وقال القاضي عياض : إنما فعله لشغله بأمور المسلمين ، فلعله طال عليه المجلس حتى حصره البول ، ولم يمكن التباعد كعادته ، وأراد السباطة لدمثها ، وأقام حذيفة يستره عن الناس ، وقال المازري في ( العلم ) : فعل ذلك لأنها حالة يؤمن فيها خروج الحدث من السبيل الآخر بخلاف القعود ، ومنه قول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه : البول قائما أحصن للدبر ، وقال بعضهم لأنه صلى الله عليه وسلم لم يجد مكانا للقعود ، فاضطر إلى القيام لكون الطرف الذي يليه السباطة عليها مرتفعا ، وقال المنذري : لعله كانت في السباطة نجاسات رطبة ، وهي رخوة فخشي أن يتطاير عليه ، قيل : فيه نظر ؛ لأن القائم أجدر بهذه الخشية من القاعد ، وقال الطحاوي : لكون ذلك سهلا ينحدر فيه البول فلا يرتد على البائل ، وقال بعضهم : إنه صلى الله عليه وسلم فعل ذلك بيانا للجواز في هذه المرة ، وكانت عادته المستمرة البول قاعدا .
الحكم الثاني : فيه جواز البول بالقرب من الديار . الثالث : فيه دليل على أن مدافعة البول ومصابرته مكروهة لما فيه من الضرر . الرابع : فيه جواز طلب البائل من صاحبه الماء للوضوء .
الخامس : في خدمة المفضول للفاضل والله سبحانه وتعالى أعلم .