حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب البول عند سباطة قوم

( باب البول عند سباطة قوم )

89 - حدثنا محمد بن عرعرة ، قال : حدثنا شعبة ، عن منصور ، عن أبي وائل ، قال : كان أبو موسى الأشعري يشدد في البول ، ويقول : إن بني إسرائيل كان إذا أصاب ثوب أحدهم قرضه ، فقال حذيفة : ليته أمسك ، أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم سباطة قوم فبال قائما . مطابقته للترجمة ظاهرة ، قيل : إتيان حديث واحد من شخص واحد في ثلاثة أبواب ليس له زيادة فائدة ، قلت : فائدته تنادي بأعلى صوته ، ولكن قاصر الفهم بمعزل من هذه الفائدة .

( بيان رجاله ) : وهم ستة كلهم قد تقدموا ، وتقدم ذكر أبي ج٣ / ص١٣٨موسى الأشعري في باب أي الإسلام أفضل ؟ واسمه عبد الله بن قيس ، وأبو وائل شقيق . ( بيان لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضعين ، وفيه العنعنة في موضعين ، ورواته ما بين شامي ومصري وكوفي . وتعدد موضعه ، ومن أخرجه غيره قد تقدم في باب البول قائما .

( بيان لغته وإعرابه ) : قوله : " يشدد " ، جملة في محل النصب على أنه خبر كان ، ومعناه : كان يحتاط عظيما في الاحتراز عن رشاشاته حتى كان يبول في القارورة خوفا أن يصيبه من رشاشاته شيء ، وأخرج ابن المنذر من طريق عبد الرحمن بن الأسود ، عن أبيه أنه سمع أبا موسى ، ورأى رجلا يبول قائما قال : ويحك ، أفلا قاعدا ، ثم ذكر قصة بني إسرائيل ، وبنو إسرائيل بنو يعقوب عليه الصلاة والسلام وإسرائيل لقبه ، قوله : " كان إذا أصاب ثوب أحدهم " الضمير في " كان " ضمير الشأن ، والجملة الشرطية خبره ، وبهذا لا يرد سؤال الكرماني بقوله : فإن قلت : " بنو " جمع فلم أفرد ضمير كان الراجع إليه وبنو إسرائيل أصله بنون لإسرائيل ، فلما أضيف إلى إسرائيل سقطت نون الجمع . فإن قلت : ما وجه تلقيب يعقوب بن إسحاق بن إبراهيم الخليل عليهم السلام بإسرائيل ؟ قلت : كان يعقوب وعيصو أخوين ، كانا في بطن أمهما معا ، فلما جاء وقت وضعهما اقتتلا في بطنها لأجل الخروج أولا ، فقال عيصو : والله لئن خرجت قبلي لأعترض في بطن أمي لأقتلها ، فتأخر يعقوب ، وخرج عيصو قبله ، فسمي عيصو لأنه عصى ، وسمي يعقوب لأنه خرج آخذا بعقب عيصو ، وكان يعقوب أكبرهما في البطن ، وكان أحبهما إلى أمه ، وكان عيصو أحبهما إلى أبيه ، وكان صاحب صيد ، فلما كبر أبوهما إسحاق وعمي قال لعيصو : يا بني ، أطعمني لحم صيد أدع لك بدعاء كان أبي دعا لي به ، وكان أشعر ، وكان يعقوب أجرد ، فخرج عيصو إلى الصيد ، وقالت أمه ليعقوب : خذ شاة واشوها والبس جلدها وقدمها إلى أبيك ، وقل له : أنا ابنك عيصو ، ففعل ، فمسه إسحاق فقال : المس مس عيصو والريح ريح يعقوب فقالت أمه : ابنك عيصو فادع له ، فأكل منها ، ودعا له بأن الله يجعل في ذريته الأنبياء والملوك ، ثم جاء عيصو بالصيد فقال إسحاق : يا بني قد سبقك أخوك ، فغضب وقال : والله لأقتلنه ، فقال إسحاق : يا بني ، قد بقيت دعوة ، فدعا له بأن تكون ذريته عدد التراب ، ولا يملكهم أحد ، وقالت أم يعقوب : الحق بخالك فكن عنده خشية أن يقتله عيصو ، فانطلق يعقوب إلى خاله لابان وكان ببابل ، وقيل : بحران ، فكان يسير بالليل ويكمن بالنهار ، فلذلك سمي إسرائيل ، فأخذ من السرى والليل : قاله السدي ، وقال غيره : معناه عبد الله ؛ لأن إيل اسم من أسماء الله تعالى بالسريانية كما يقال : جبرائيل ، وميكائيل . قوله : " إذا أصاب " ، أي البول ، وثوب أحدهم بالنصب مفعوله ، ووقع في رواية مسلم : " إذا أصاب جلد أحدهم " ، وقال القرطبي : مراده بالجلد واحد الجلود التي كانوا يلبسونها ، وحمله بعضهم على ظاهره ، وزعم أنه من الإصر الذي حملوه ، ويؤيده رواية أبي داود حيث قال : حدثنا مسدد ، قال : حدثنا عبد الواحد بن زياد ، قال : حدثنا الأعمش ، عن زيد بن وهب ، عن عبد الرحمن بن حسنة قال : انطلقت أنا وعمرو بن العاصي إلى النبي صلى الله عليه وسلم فخرج ، ومعه دورقة ، ثم استتر بها ، ثم بال فقلنا : انظروا إليه يبول كما تبول المرأة ، فسمع ذلك ، فقال : ألم تعلموا ما لقي صاحب بني إسرائيل ، كانوا إذا أصابهم البول قطعوا ما أصابه البول منهم ، فنهاهم ، فعذب في قبره ، قال منصور عن أبي وائل ، عن أبي موسى : جلد أحدهم ، وقال عاصم : عن أبي وائل ، عن أبي موسى جسد أحدهم ، قوله : " انظروا إليه يبول كما تبول المرأة " وهذا القول منهما وقع من غير قصد أو وقع بطريق التعجب أو بطريق الاستفسار عن هذا الفعل ، فلذلك قال عليه الصلاة والسلام بقوله : " ألم تعلموا " ، إلخ ، ولم يقولون هذا القول بطريق الاستهزاء والاستخفاف ؛ لأن الصحابة براء من هذا الكلام ، وأراد بصاحب بني إسرائيل موسى عليه الصلاة والسلام ، فإن قلت : كيف يترتب قوله : " فعذب " ، على قوله : " فنهاهم " ، قلت : فيه حذف تقديره : فنهاهم عن إصابة البول ولم ينتهوا فعذب الله تعالى ، والفاء في : فعذب ، فاء السببية نحو قوله تعالى : فَوَكَزَهُ مُوسَى فَقَضَى عَلَيْهِ قوله : " قرضه " ، بالقاف أي قطعه ، وفي رواية الأصيلي : " قرضه بالمقراض " ، وهذه الرواية ترد قول من يقول : المراد بالقرض الغسل بالماء ، قوله : " ليته أمسك " ، قول حذيفة أي : ليت أبا موسى أمسك نفسه عن هذا التشديد أو لسانه عن هذا القول ، أو كليهما عن كليهما ، ومقصوده أن هذا التشديد خلاف السنة ، فإن النبي عليه الصلاة والسلام بال قائما ، ولا شك في كون القائم معرضا للرشاش ، ولم يلتفت عليه الصلاة والسلام إلى هذا الاحتمال ، ولم يتكلف البول في القارورة ، وقال ابن بطال : وهو حجة لمن رخص في يسير البول ؛ لأن المعهود ممن بال قائما أن ج٣ / ص١٣٩يتطاير إليه مثل رؤوس الإبر ، وفيه يسر وسماحة على هذه الأمة حيث لم يوجب القرض كما أوجب على بني إسرائيل ، واختلفوا في مقدار رؤوس الإبر من البول ، فقال مالك : يغسلها استحبابا وتنزها ، والشافعي : يغسلها وجوبا ، وأبو حنيفة سهل فيها كما في يسير كل النجاسات ، وقال الثوري : كانوا يرخصون في القليل من البول .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث