باب غسل المني وفركه وغسل ما يصيب من المرأة
حدثنا قتيبة ، قال : حدثنا يزيد ، قال : حدثنا عمرو ، عن سليمان بن يسار ، قال : سمعت عائشة ح ، وحدثنا مسدد ، قال : حدثنا عبد الواحد ، قال : حدثنا عمرو بن ميمون ، عن سليمان بن يسار ، قال : سألت عائشة عن المني يصيب الثوب ، فقالت : كنت أغسله من ثوب رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيخرج إلى الصلاة وأثر الغسل في ثوبه بقع الماء . أخرج البخاري هذا الحديث عن خمسة أنفس ، ثلاثة منهم في هذا الباب ، وهم : عبدان ، وقتيبة ، ومسدد ، واثنان منهم في الباب الذي يليه ، وهما : موسى بن إسماعيل ، وعمرو بن خالد ، وقد ذكروا عن قريب ، وذكرنا أيضا من أخرجه غيره . ورجاله هاهنا سبعة : قتيبة بن سعيد ، وقد تقدم في باب السلام من الإسلام ، والثاني : يزيد من الزيادة ، وذكره البخاري غير منسوب مجردا ، واختلف فيه ، فقيل : هو يزيد بن زريع ، وقيل : يزيد بن هارون ، وكلاهما رويا عن عمرو بن ميمون ، ووقع في رواية الفربري : ابن حماد بن شاكر هكذا ، حدثنا يزيد غير منسوب ، ووقع في رواية ابن السكن : أحد الرواة عن الفربري ، حدثنا يزيد يعني ابن زريع ، وكذا أشار إليه الكلاباذي ، ورجح الشيخ قطب الدين الحلبي في شرحه أنه ابن هارون ، قال : لأنه لم يوجد من رواية ابن زريع ، ووجد من رواية ابن هارون ، وقال بعضهم : لا يلزم من عدم الوجدان عدم الوجود ، وقد جزم أبو مسعود بأنه رواه ، فدل على وجدانه ، قلت : ليس كذلك ، فإن أبا مسعود ما جزم به ، وإنما قال : يقال : هو ابن هارون ، لا ابن زريع ، ورواه الإسماعيلي من طريق الدورقي ، وأحمد بن منيع ، ويوسف بن موسى ، قالوا : حدثنا يزيد بن هارون ، ورواه أبو نعيم من حديث الحارث بن أبي أسامة ، أخبرنا يزيد بن هارون ، ورواه أبو نصر السجزي في ( فوائده ) من طريق إبراهيم بن محمد التيمي ، حدثنا يزيد بن هارون ، قال أبو نصر : أخرجه البخاري ، عن قتيبة ، عن يزيد بن هارون ، وقال الجياني : حدثنا أبو عمر النمري ، حدثنا محمد بن عبد الملك ، حدثنا ابن الأعرابي ، أخبرنا محمد بن عبد الملك ، حدثنا يزيد بن هارون ، أخبرنا عمرو ، انتهى .
ورجح هذا القائل كلامه في كون يزيد هذا ابن زريع ، لا ابن هارون بشيئين لا ينهض كلامه بهما ، أولهما بقوله : وقد خرجه الإسماعيلي وغيره من حديث يزيد بن هارون بلفظ مخالف للسياق الذي أورده البخاري ، وهذا من مرجحات كونه ابن زريع ، قلت : هذا الذي قاله حجة عليه ، ورد لكلامه ؛ لأن مخالفة لفظ من روى هذا الحديث لسياق البخاري ليست مرجحة لكون يزيد هذا هو ابن زريع مع صراحة ذكر ابن هارون في الروايات المذكورة ، والثاني قال : وقتيبة معروف بالرواية عن يزيد بن زريع دون ابن هارون ، قلت : هذا أيضا حجة عليه ، ومردود عليه ؛ لأن كون قتيبة معروفا بالرواية عن يزيد بن زريع لا ينافي روايته عن يزيد بن هارون بعد أن ثبت أن قتيبة روى عنهما جميعا ، ولقد غره في هذا ما قاله المزي : الصحيح أنه يزيد بن زريع ، فإن قتيبة مشهور بالرواية عن ابن زريع ، دون ابن هارون ، انتهى . قالوا : فيه نظر ، ووجهه ما ذكرنا ، وكان قصد هذا القائل توهية كلام الشيخ قطب الدين ، والدليل عليه ذكره إياه بما ذكره ، ولا يخفى ذلك على من له فطانة ، قوله : حدثنا عمرو عن سليمان ، كذا وقع عمرو غير منسوب عند الأكثرين ، ووقع عند أبي ذر يعني ابن ميمون ، وهو عمرو بن ميمون بن مهران ، وقد تقدم قوله : حدثنا عبد الواحد ، هو عبد الواحد بن زياد البصري ، وفي طبقته عبد الواحد بن زيد البصري ، ولم يخرج له البخاري شيئا . ( بيان لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في ستة مواضع ، وفيه العنعنة في موضعين ، وفيه في الإسناد الأول : سمعت ، وفي الثاني : سألت ، إشارة إلى الرد على من زعم أن سليمان بن يسار لم يسمع عائشة رضي الله تعالى عنها ، منهم : أحمد بن حنبل ، والبزار ، وقد صرح البخاري بسماعه منها ، وكذا هو في ( صيحح مسلم ) ، قلت : في سمعت ، وسألت لطيفة أخرى لم تأت صوبها الشراح ، وهي أن كل واحدة من هاتين اللفظتين لا تستلزم الأخرى ؛ لأن السماع لا يستلزم السؤال ، ولا السؤال يستلزم السماع ، فلذلك ذكرهما في الإسنادين ليدل على صحة السؤال ، وصحة السماع ، فافهم ، وفيه أن رواته ما بين بصري ، وواسطي ، ومدني ، وفيه وقعت صورة ( ح ) إشارة إلى التحويل من إسناد قبل ذكر متن الحديث إلى إسناد آخر له ، وفيه في الإسناد الثاني وقع قال حدثنا عمرو يعنى ابن ميمون ، وأشار به إلى أن شيخه لم ينسبه ، وهذا تفسير له من تلقاء نفسه فإن قلت : الاختلاف المذكور في يزيد ، هل هو يزيد ابن زريع ، أو يزيد بن هارون التباس ، وهو يقدح في الحديث ، قلت : لا ؛ لأن أيا كان فهو عدل ضابط بشرط البخاري ، وإنما كان يقدح لو كان أحدهما على غير شرطه .
( بيان إعرابه ) ومعناه : قوله : عن المني ، أي : عن حكم المني ، هل يشرع غسله أم لا ؟ قال بعضهم : فحصل الجواب بأنها كانت تغسله ، وليس في ذلك ما يقتضي إيجابه ، قلت : قد ذكرت فيما مضى أن قوله : كنت يدل على تكرار الغسل منها ، وهو علامة الوجوب مع ورود الأمر فيه بالغسل ، والأمر المجرد عن القرائن يدل على الوجوب ، وهذا القائل يريد تمشية مذهبه من غير دليل نقلي ولا عقلي ، قوله : فيخرج إلى الصلاة ، أي : يخرج من الحجرة إلى المسجد للصلاة ، قوله : بقع الماء ، قد مر تفسير البقع وهو مرفوع على جواب سؤال مقدر ، تقديره أن يقال : ما ذلك الأثر ؟ فأجاب : بقع الماء ، أي هو بقع الماء ، وفي الحقيقة يكون خبرا لمبتدأ محذوف ، وقال بعضهم هو بدل ، وليس بشيء ، ويجوز النصب فيه على الاختصاص ، أي : أعني بقع الماء .