باب ما يقع من النجاسات في السمن والماء
ج٣ / ص١٥٨( باب ما يقع من النجاسات في السمن والماء ) ( وقال الزهري : لا بأس بالماء ما لم يغيره طعم أو ريح أو لون ) .
الزهري هو محمد بن مسلم بن شهاب الفقيه المدني نزيل الشام ، ثم الكلام فيه على أنواع ، الأول أن هذا تعليق من البخاري ، ولكنه موصول عن عبد الله بن وهب في مسنده ، حدثنا يونس عن ابن شهاب أنه قال : كل ما فضل مما يصيبه من الأذى حتى لا يغير ذلك طعمه ، ولا لونه ، ولا ريحه ، فلا بأس أن يتوضأ به ،
وورد في هذا المعنى حديث عن أبي أمامة الباهلي قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : إن الماء لا ينجسه شيء إلا ما غلب على ريحه ، وطعمه ، ولونه ، رواه ابن ماجه ، حدثنا محمود بن خالد ، والعباس بن الوليد الدمشقيان ، قال : حدثنا مروان بن محمد ، حدثنا رشدين ، أخبرنا معاوية بن صالح ، عن راشد بن سعد ، عن أبي أمامة رضي الله عنه ، وقال الدراقطني : إنما يصح هذا من قول راشد بن سعد ، ولم يرفعه غير رشدين ، قلت : وفيه نظر ؛ لأن أبا أحمد بن عدي رواه في ( الكامل ) من طريق أحمد بن عمر ، عن حفص بن عمر ، حدثنا ثور بن يزيد ، عن راشد بن سعد ، عن أبي أمامة ، فرفعه ، وقال : لم يروه عن ثور إلا حفص ، قلت : وفيه نظر أيضا ؛ لأن البيهقي رواه من حديث أبي الوليد ، عن الساماني ، عن عطية بن بقية بن الوليد ، عن أبيه ، عن ثور ، وقال البيهقي : والحديث غير قويإلا أنا لا نعلم في نجاسة الماء إذا تغير بالنجاسة خلافا . النوع الثاني في معناه قوله : " لا بأس " أي : لا حرج في استعمال ماء مطلقا ما لم يغيره طعم ، أو ريح ، أو لون ، وقوله : " لم يغيره " جملة من الفعل والمفعول ، وقوله : " طعم " بالرفع فاعله ، وحاصل المعنى : كل ماء طاهر في نفسه ، ولا يتنجس بإصابة الأذى ، أي : النجاسة إلا إذا تغير أحد الأشياء الثلاثة منه ، وهي الطعم ، والريح ، واللون ، فإن قلت : الطعم ، أو الريح ، أو اللون هو المغير بفتح الياء آخر الحروف المشددة لا المغير على صيغة الفاعل ، والمغير بالكسر هو الشيء النجس الذي يخالطه ، فكيف يجعل الطعم ، أو الريح ، أو اللون مغيرا على صيغة الفاعل على ما وقع في رواية البخاري ؟ وأما الذي في عبارة عبد الله بن وهب ، فهو على الأصل ، قلت : المغير في الحقيقة هو الماء ، ولكن تغييره لما كان لم يعلم إلا من جهة الطعم ، أو الريح ، أو اللون ، فكأنه صار هو المغير ، وهو من قبيل ذكر السبب ، وإرادة المسبب ، وقال الكرماني : لا بأس أي لا يتنجس الماء بوصول النجس إليه قليلا ، أو كثيرا ، بل لا بد من تغير أحد الأوصاف الثلاثة في تنجسه ، والمراد من لفظ : " ما لم يغيره طعمه " : ما لم يتغير طعمه ، فنقول : لا يخلو إما أن يراد بالطعم المذكور في لفظ الزهري طعم الماء ، أو طعم الشيء المنجس ، فعلى الأول معناه : ما لم يغير الماء عن حاله التي خلق عليها طعمه ، وتغيره طعمه لا بد أن يكون بشيء نجس إذ البحث فيه ، وعلى الثاني معناه : ما لم يغير الماء طعم النجس ، ويلزم منه تغير طعم الماء إذ لا شك أن الطعم هو المغير للطعم ، واللون للون ، والريح للريح ، إذ الغالب أن الشيء يؤثر في الملاقي بالنسبة ، وجعل الشيء متصفا بوصف نفسه ، ولهذا يقال : لا يسخن إلا الحار ، ولا يبرد إلا البارد ، فكأنه قال : ما لم يغير طعم الماء طعم الملاقي النجس ، أو لا بأس ، معناه : لا يزول طهوريته ما لم يغيره طعم من الطعوم الطاهرة ، أو النجسة ، نعم ، إن كان المغير طعما نجسا ينجسه ، وإن كان طاهرا يزيل طهوريته لا طهارته ، ففي الجملة في اللفظ تعقيد انتهى . قلت : تفسيره هكذا ، هو عين التعقيد ، لأنه فسر قوله : " لا بأس " بمعنيين أحدهما بقوله : " أي لا يتنجس " إلى آخره ، والآخر بقوله : " لا يزول طهوريته " ، وكلا المعنيين لا يساعدهما اللفظ ، بل هو خارج عنه ، وقوله : " المغير للطعم هو الطعم " غير سديد ج٣ / ص١٥٩لأن المغير للطعم غير الطعم ، وهو الشيء الملاقي له ، وكذلك اللون ، والريح ، وكذلك قوله : " والمراد " من لفظ ما لم يغيره طعمه ما لم يتغير طعمه غير موجه ، لأنه تفسير للفعل المتعدي بالفعل اللازم من غير وجه ، وكذلك ترديده بقوله : لا يخلو إما أن يراد بالطعم المذكور إلى آخره غير موجه ؛ لأن الضمير المنصوب في " لم يغيره " يرجع إلى الماء ، فيكون المعنى على هذا : لا بأس بالماء ما لم يغيره طعم الماء ، وطعم الماء ذاتي ، فكيف يغير ذات الماء ، وإنما يغيره طعم الشيء الملاقي ، والفرق بين الطعمين ظاهر .
( النوع الثالث في استنباط الحكم منه ) استنبط منه أن مذهب الزهري في الماء الذي يخالطه شيء نجس الاعتبار بتغيره بذلك من غير فرق بين القليل والكثير ، وهو مذهب جماعة من العلماء ، وشنع أبو عبيد في ( كتاب الطهور ) على من ذهب إلى هذا بأنه يلزم منه أن من بال في إبريق ، ولم يغير للماء وصفا أنه يجوز له التطهر به ، وهو مستشنع ، قال بعضهم : ولهذا نصر قول التفريق بالقلتين ،
قلت : كيف ينصر هذا ؟ وقد قال ابن العربي : مداره على علته ، أو مضطرب في الرواية ، أو موقوف ، وحسبك أن الشافعي رواه عن الوليد بن كثير ، وهو إباضي ، واختلفت روايته ، فقيل : قلتين ، وقيل : قلتين ، أو ثلاثا ، وروي أربعون قلة ، وروي أربعون فرقا ، ووقف على أبي هريرة ، وعبيد الله بن عمرو ، قال اليعمري : حكم ابن منده بصحته على شرط مسلم من جهة الرواة ، ولكنه أعرض عن جهة الرواية بكثرة الاختلاف فيها ، والاضطراب ، ولعل مسلما تركه لذلك ، قلت : وكذلك لم يخرجه البخاري لاختلاف وقع في إسناده ، وقال أبو عمر في ( التمهيد ) : ما ذهب إليه الشافعي من حديث القلتين مذهب ضعيف من جهة النظر غير ثابت في الأثر لأنه قد تكلم فيه جماعة من أهل العلم بالنقل ، وقال الدبوسي في كتاب ( الأسرار ) : هو خبر ضعيف ، ومنهم من لم يقبله ؛ لأن الصحابة ، والتابعين لم يعملوا به، وقال ابن بطال : ومذهب الزهري هو قول الحسن ، والنخعي ، والأوزاعي ، ومذهب أهل المدينة ، وهي رواية أبي مصعب ، عن مالك ، وروى عنه ابن القاسم أن قليل الماء ينجس بقليل النجاسة ، وإن لم يظهر فيه ، وهو قول الشافعي ، وروي هذا المعنى عن عبد الله بن عباس ، وابن مسعود ، وسعيد بن المسيب على اختلاف عنه ، وسعيد بن جبير ، وهو قول الليث ، وابن صالح بن حي ، وداود بن علي ، ومن تبعه ، وهو مذهب أهل البصرة ، وقد قال بعض أصحابنا : هو الصحيح في النظر ، وثابت بالأثر من ذلك صب الماء على بول الأعرابي ، وحديث بئر بضاعة ، وحديث ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : " الماء لا ينجسه شيء " ، ومذهب أصحابنا الماء إما جار ، أو راكد ، قليل ، أو كثير ، فالجاري إذا وقعت فيه النجاسة ، وكانت غير مرئية كالبول ، والخمر ، ونحوهما ، فإنه لا ينجس ما لم يتغير لونه ، أو طعمه ، أو ريحه ، وإن كانت مرئية كالجيفة ، ونحوها ، فإنه لا ينجس ، فإن كان يجري عليها جميع الماء لا يجوز التوضؤ به من أسفلها ، وإن كان يجري أكثرها عليها ، فكذلك اعتبارا للغالب ، وإن كان أقله يجري عليها يجوز التوضؤ به من أسفلها ، وإن كان يجري عليها النصف دون النصف ، فالقياس جواز التوضؤ ، وفي الاستحسان لا يجوز احتياطا ، والراكد اختلفوا فيه ، فقالت الظاهرية : لا ينجس أصلا ، وقالت عامة العلماء : إن كان الماء قليلا ينجس ، وإن كثيرا لا ينجس لكنهم اختلفوا في الحد الفاصل بينهما ، فعندنا بالخلوص ، فإن كان يخلص بعضه إلى بعض ، فهو قليل ، وإلا فهو كثير ، واختلف أصحابنا في تفسير الخلوص بعد أن اتفقوا أنه يعتبر الخلوص بالتحريك ، وهو أن يكون بحال لو حرك طرف منه يتحرك الطرف الآخر ، فهو مما يخلص ، وإلا فهو مما لا يخلص ، واختلفوا في جهة التحريك ، فعن أبي يوسف ، عن أبي حنيفة أنه يعتبر التحريك بالاغتسال من غير عنف ، وعن محمد أنه يعتبر بالوضوء ، وروي أنه باليد من غير اغتسال ، ولا وضوء ، وأما اعتبارهم في تفسير الخلوص ، فعن أبي حفص الكبير أنه اعتبره بالصبغ ، وعن أبي نصر محمد بن سلام أنه اعتبره بالتكدير ، وعن أبي سليمان الجوزجاني أنه اعتبره بالمساحة ، فقال : إن كان عشرا في عشر فهو مما لا يخلص ، وإن كان دونه ، فهو مما يخلص ، وعن ابن المبارك أنه اعتبره بالعشرة أولا ، ثم بخمسة عشر ، وإليه ذهب أبو مطيع البلخي ، فقال : إن كان خمسة عشر في خمسة عشر أرجو أن يجوز ، وإن كان عشرين في عشرين لا أجد في قلبي شيئا ، وعن محمد أنه قدره بمسجده ، وكان ثمانيا في ثمان ، وبه أخذ محمد بن سلمة ، وقيل : كان مسجده عشرا في عشر ، وقيل : كان داخله ثمانيا في ثمان ، وخارجه عشرا في عشر ، وعن الكرخي : لا عبرة للتقدير ، وإنما المعتبر هو التحري ، فلو كان أكثر رأيه أن النجاسة خلصت إلى الموضع ج٣ / ص١٦٠الذي يتوضأ منه لا يجوز ، وإن كان أكثر رأيه أنها لم تصل إليه يجوز ، وقد استقصينا الكلام فيه في ( شرحنا لمعاني الآثار ) للطحاوي رحمه الله تعالى .