حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب ما يقع من النجاسات في السمن والماء

( وقال حماد : لا بأس بريش الميتة ) .

( وقال الزهري في عظام الموتى نحو الفيل وغيره : أدركت ناسا من سلف العلماء يمتشطون بها ، ويدهنون فيها لا يرون به بأسا ) .

( وقال ابن سيرين ، وإبراهيم : لا بأس بتجارة العاج ) . ابن سيرين : هو محمد ، تقدم في باب اتباع الجنائز من الإيمان ، وإبراهيم : هو النخعي ، تقدم في باب ظلم دون ظلم ، في كتاب الإيمان ، أما التعليق عن ابن سيرين ، فذكره عبد الرزاق في مصنفه ، عن الثوري ، عن همام ، عن ابن سيرين أنه كان لا يرى بالتجارة بالعاج بأسا ، وأما التعليق عن إبراهيم فلم يذكره السرخسي في روايته ، ولا أكثر الرواة عن الفربري ، والعاج بتخفيف الجيم جمع عاجة ، قال الجوهري : العاج عظم الفيل ، وكذا قال في العباب ، ثم قال : والعاج أيضا الذبل ، وهو ظهر السلحفاة البحرية ، يتخذ منه السوار ، والخاتم ، وغيرهما ، قال جرير : ترى العيس الحولي جريا بكرعها لها مسكا من غير عاج ولا ذبل فهذا يدل على أن العاج غير الذبل ، وفي ( المحكم ) : والعاج أنياب الفيلة ، ولا يسمى غير الناب عاجا ، وقد أنكر الخليل أن يسمى عاجا سوى أنياب الفيلة ، وذكر غيره أن الذبل يسمى عاجا ، وكذا قاله الخطابي ، وأنكروا عليه ، والذبل بفتح الذال المعجمة ، وسكون الباء الموحدة ، قال الأزهري : الذبل القرون ، فإذا كان من عاج ، فهو مسك ، وعاج ، ووقف ، وإذا كان من ذبل فهو مسك لا غير ، وفي ( العباب ) : الذبل ظهر السلحفاة البحرية كما ذكرنا الآن ، وقال بعضهم : قال القالي : العرب تسمي كل عظم عاجا ، فإن ثبت هذا فلا حجة في الأثر المذكور على طهارة عظم الفيل ، قلت : مع وجود النقل عن الخليل لا يعتبر بنقل القالي مع ما ذكرنا من الدليل على طهارة عظم الميتة مطلقا .

98 - حدثنا إسماعيل ، قال : حدثني مالك ، عن ابن شهاب ، عن عبيد الله بن عبد الله ، عن ابن عباس ، عن ميمونة : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عن فأرة سقطت في سمن ، فقال : ألقوها وما حولها ، فاطرحوه ، وكلوا سمنكم . مطابقة الحديث للترجمة ظاهرة ، ( بيان رجاله ) : وهم ستة : إسماعيل هو ابن أبي أويس تقدم في باب تفاضل أهل الإيمان ، وعبيد الله هو سبط عتبة بن مسعود ، وهو في قصة هرقل ، ومالك هو ابن أنس ، وابن شهاب هو محمد بن مسلم الزهري ، وميمونة أم المؤمنين بنت الحارث خالة ابن عباس رضي الله تعالى عنهم تقدمت في باب السمر بالعلم . ( بيان لطائف إسناده ) منها أن فيه التحديث بصيغة الجمع ، وبصيغة الإفراد ، وفيه العنعنة في أربعة مواضع ، وفيه أن رواته مدنيون ، وفيه القول في موضع واحد ، وفيه رواية الصحابي عن الصحابية .

( بيان ذكر تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في الذبائح عن عبد العزيز بن عبد الله ، عن مالك به ، وعن الحميدي ، عن سفيان ، عن الزهري به ، وهو من أفراده ، عن مسلم ، وأخرجه أبو داود في الأطعمة ، عن مسدد ، عن سفيان به ، وعن أحمد بن صالح ، والحسن بن علي كلاهما عن عبد الرزاق ، عن عبد الرحمن بن بزدويه ، عن معمر ، عن الزهري ، عن سعيد بن المسيب ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمعناه ،

وأخرجه الترمذي فيه عن سعيد بن عبد الرحمن ، وأبي عثمان ج٣ / ص١٦٢وهو الحسين بن حريث ، كلاهما عن سفيان به ، وقال : حسن صحيح
، وأخرجه النسائي في الذبائح عن قتيبة ، عن سفيان به ، وعن يعقوب بن إبراهيم ، ومحمد بن يحيى بن عبد الله النيسابوري ، كلاهما عن عبد الرحمن بن مهدي ، عن مالك به ، وعن خشيش بن أصرم ، عن عبد الرزاق ، عن عبد الرحمن بن بزدويه أن معمرا ذكر عن الزهري به . ( ذكر لغاته ومعناه ) قوله : " فأرة " بهمزة ساكنة وجمعها فأر بالهمز أيضا ، قوله : " سقطت في سمن " ، وفي رواية البخاري أيضا في الذبائح من رواية ابن عيينة ، عن ابن شهاب : " فماتت " ، وزاد النسائي من رواية عبد الرحمن بن مهدي ، عن مالك : " في سمن جامد " ، قوله : " وألقوها " أي : الفأرة ، أي : ارموها ، " وما حولها " أي : وما حول الفأرة من السمن ، ويعلم من هذه الرواية أن السمن كان جامدا كما صرح به في الرواية الأخرى ؛ لأن المائع لا حول له إذ الكل حوله . ( بيان ذكر استنباط الحكم ) يستنبط منه : أن السمن الجامد إذا وقعت فيه فأرة ، أو نحوها تطرح الفأرة ، ويؤخذ ما حولها من السمن ، ويرمى به ، ولكن إذا تحقق أن شيئا منها لم يصل إلى شيء خارج عما حولها ، والباقي يؤكل ، ويقاس على هذا نحو العسل والدبس إذا كان جامدا ، وأما المائع : فقد اختلفوا فيه ، فذهب الجمهور إلى أنه ينجس كله قليلا كان أو كثيرا ، وقد شذ قوم فجعلوا المائع كله كالماء ولا يعتبر ذلك ، وسلك داود بن علي في ذلك مسلكهم إلا في السمن الجامد ، والذائب ، فإنه تبع ظاهر هذا الحديث ، وخالف معناه في العسل ، والخل ، وسائر المائعات ، فجعلها كلها في لحوق النجاسة إياها بما ظهر فيها ، فشذ أيضا ، ويلزمه أن لا يتعدى الفأرة كما لا يتعدى السمن ، قال أبو عمرو : اختلف العلماء في الاستصباح به بعد إجماعهم على نجاسته ، فقالت طائفة من العلماء : لا يستصبح به ، ولا ينتفع بشيء منه ، وممن قال ذلك : الحسن بن صالح ، وأحمد بن حنبل محتجين بالرواية المذكورة ، وإن كان مائعا فلا تقربوه ، وبعموم النهي عن الميتة في الكتاب العزيز ، وقال الآخرون : يجوز الاستصباح به ، والانتفاع في كل شيء إلا الأكل ، والبيع ، وهو قول مالك ، والشافعي ، وأصحابهما ، والثوري ، أما الأكل فمجمع على تحريمه إلا الشذوذ الذي ذكرناه ، وأما الاستصباح ، فروي عن علي ، وابن عمر أنهما أجازا ذلك ، ومن حجتهم في تحريم بيعه قوله صلى الله عليه وسلم : " لعن الله اليهود حرمت عليهم الشحوم ، فباعوها ، وأكلوا ثمنها ، إن الله إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه " ، وقال آخرون : ينتفع به ، ويجوز بيعه ، ولا يؤكل ، وممن قال ذلك : أبو حنيفة ، وأصحابه ، والليث بن سعد ، وقد روي عن أبي موسى الأشعري ، والقاسم ، وسالم محتجين بالرواية الأخرى : وإن كان مائعا ، فاستصبحوا به ، وانتفعوا " ، والبيع من باب الانتفاع ، وأما قوله في حديث عبد الرزاق : " وإن كان مائعا فلا تقربوه " فيحتمل أن يراد به الأكل ، وقد أجرى صلى الله عليه وسلم التحريم في شحوم الميتة من كل وجه ، ومنع الانتفاع بها ، وقد أباح في السمن يقع فيه الميتة الانتفاع به ، فدل على جواز وجوه الانتفاع بشيء منها غير الأكل ، ومن جهة النظر أن شحوم الميتة محرمة العين ، والذات ، وأما الزيت ، ونحوه يقع فيه الميتة ، فإنما ينجس بالمجاورة ، وما ينجس بالمجاورة فبيعه جائز كالثوب تصيبه النجاسة من الدم ، وغيره ، وأما قوله : " إن الله تعالى إذا حرم أكل شيء حرم ثمنه " فإنما خرج على لحوم الميتة التي حرم أكلها ، ولم يبح الانتفاع بشيء منها ، وكذلك الخمر ، وأجاز عبد الله بن نافع غسل الزيت وشبهه تقع فيه الميتة ، وروي عن مالك أيضا ، وصفته أن يعمد إلى ثلاث أواني أو أكثر فيجعل الزيت النجس في واحدة منها حتى يكون نصفها أو نحوه ، ثم يصب عليه الماء حتى يمتلئ ، ثم يؤخذ الزيت من علاء الماء ، ثم يجعل في آخر ، ويعمل به كذلك ، ثم في آخر ، وهو قول ليس لقائله سلف ، ولا تسكن إليه النفس ، قلت : هذا مما لا ينعصر بالعصر ، وفيه خلاف بين أبي يوسف ، ومحمد ، فقال أبو يوسف : يطهر ما لا ينعصر بالعصر بغسله ثلاثا ، وتجفيفه في كل مرة ، وذلك كالحنطة ، والخزفة الجديدة ، والحصير ، والسكين المموه بالماء النجس ، واللحم المغلي بالماء النجس ، فالطريق فيه أن تغسل الحنطة ثلاثا ، وتجفف في كل مرة ، وكذلك الحصير ، ويغسل الخزف حتى لا يبقى له بعد ذلك طعم ، ولا لون ، ولا رائحة ، ويموه السكين بالماء الطاهر ثلاث مرات ، ويطبخ اللحم ثلاث مرات ، ويجفف في كل مرة ، ويبرد من الطبخ ، وأما العسل ، واللبن ، ونحوهما إذا مات فيها الفأرة ، أو نحوها يجعل في الإناء ، ويصب فيه الماء ، ويطبخ حتى يعود إلى ما كان ، وهكذا يفعل ثلاثا ، وقال محمد : ما لا ينعصر بالعصر إذا تنجس لا يطهر أبدا ، وقد روي عن عطاء قوله : " تفرد به " ، روى عبد الرزاق ، عن ابن جريج عنه قال : ذكروا أنه يدهن به ج٣ / ص١٦٣السفن ، ولا يمس ذلك ، ولكن يؤخذ بعود ، فقلت : يدهن به غير السفن ، قال : لا أعلم ، قلت : وأين يدهن به من السفن ، قال : ظهورها ، ولا يدهن بطونها ، قلت : فلا بد أن يمس ، قال : يغسل يديه من مسه ، وقد روي عن جابر المنع من الدهن به ، وعن سحنون أن موتها في الزيت الكثير غير ضار ، وليس الزيت كالماء ، وعن عبد الملك : إذا وقعت فأرة أو دجاجة في زيت ، أو بئر ، فإن لم يتغير طعمه ، ولا ريحه أزيل ذلك منه ، ولم يتنجس ، وإن ماتت فيه تنجس وإن كثر ، ووقع في كلام ابن العربي : أن الفأرة عند مالك طاهرة خلافا لأبي حنيفة والشافعي ، ولا نعلم عندنا خلافا في طهارتها في حال حياتها .

ورد في أحاديث9 أحاديث
هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث