حَـدِيثابحث في الموسوعة — حديث، راوٍ، موضوع…⌘K
عمدة القاري شرح صحيح البخاري

باب ما يقع من النجاسات في السمن والماء

حدثنا أحمد بن محمد ، قال : أخبرنا عبد الله بن المبارك ، قال : أخبرنا معمر ، عن همام بن منبه ، عن أبي هريرة ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، قال : كل كلم يكلمه المسلم في سبيل الله يكون يوم القيامة كهيئتها إذ طعنت ، تفجر دما ، اللون لون الدم ، والعرف عرف المسك . ذكروا في مطابقة هذا الحديث للترجمة أوجها كلها بعيدة ، منها ما قاله الكرماني : وجه مناسبة هذا الحديث للترجمة من جهة المسك ، فإن أصله دم انعقد ، وفضلة نجسة من الغزال ، فيقتضي أن يكون نجسا كسائر الدماء ، وكسائر الفضلات ، فأراد البخاري أن يبين طهارته بمدح الرسول صلى الله عليه وسلم له ، كما بين طهارة عظم الفيل بالأثر ، فظهرت المناسبة غاية الظهور ، وإن استشكله القوم غاية الاستشكال ، انتهى . قلت : لم تظهر المناسبة بهذا الوجه أصلا ، وظهورها غاية الظهور بعيد جدا ، واستشكال القوم باق ، ولهذا قال الإسماعيلي : إيراد المصنف لهذا الحديث في هذا الباب لا وجه له ، لأنه لا مدخل له في طهارة الدم ، ولا نجاسته ، وإنما ورد في فضل المطعون في سبيل الله تعالى ، قال بعضهم : وأجيب بأن مقصود المصنف إيراده تأكيدا لمذهبه في أن الماء لا يتنجس بمجرد الملاقاة ما لم يتغير ، وذلك لأن تبدل الصفة يؤثر في الموصوف ، فكما أن تغير صفة الدم بالرائحة إلى طيب المسك أخرجه من النجاسة إلى الطهارة ، فكذلك تغير صفة الماء إذا تغير بالنجاسة يخرجه عن صفة الطهارة إلى صفة النجاسة ، فإذا لم يوجد التغير لم توجد النجاسة ، قلت : هذا القائل أخذ هذا من كلام الكرماني ، فإنه نقله في شرحه عن بعضهم ، ثم قال هذا القائل ، وتعقب بأن الغرض إثبات انحصار التنجس بالتغير ، وما ذكر يدل على أن التنجس يحصل بالتغير ، وهو باق لا أنه لا يحصل إلا به ، وهو موضع النزاع ، انتهى .

قلت : هذا أيضا كلام الكرماني ، ولكنه سبكه في صورة غير ظاهرة ، وقول الكرماني هكذا ، فنقول للبخاري : لا يلزم من وجود الشيء عند الشيء أن لا يوجد عند عدمه لجواز مقتض آخر ، ولا يلزم من كونه خرج بالتغير إلى النجاسة أن لا يخرج إلا به لاحتمال وصف آخر يخرج به عن الطهارة بمجرد الملاقاة ، انتهى . حاصل هذا أنه وارد على قولهم : إن مقصود البخاري من إيراد هذا الحديث تأكيد مذهبه في أن الماء لا يتنجس بمجرد الملاقاة . ومنها ما قاله ابن بطال : إنما ذكر البخاري هذا الحديث في باب نجاسة الماء لأنه لم يجد حديثا صحيح السند في الماء ، فاستدل على حكم المائع بحكم الدم المائع ، وهو المعنى الجامع بينهما انتهى .

قلت : هذا أيضا وجه غير حسن لا يخفى . ومنها ما قاله ابن رشد ، وهو أن مراده أن انتقال الدم إلى الرائحة الطيبة هو الذي نقله من حالة الذم إلى حالة المدح ، فحصل من هذا تغليب وصف واحد ، وهو الرائحة على وصفين ، وهما الطعم واللون ، فيستنبط منه أنه متى تغير أحد الأوصاف الثلاثة بصلاح أو فساد تبعه الوصفان الباقيان ، انتهى . قلت : هذا ظاهر الفساد لأنه يلزم منه أنه إذا وصف واحد بالنجاسة أن لا يؤثر حتى يوجد الوصفان الآخران ، وليس كذلك ، فإن هذا لم ينقل إلا عن ربيعة ، وليس بصحيح ، ومنها ما قاله ابن المنير : لما تغيرت صفته إلى صفة طاهرة بطل حكم النجاسة فيه .

ومنها ما قاله القشيري : المراعاة في الماء بتغير لونه دون رائحته ؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم سمى الخارج من جرح الشهيد دما ، وإن كان ريحه ريح المسك ، ولم يقل : مسكا ، وغلب اسم المسك لكونه على رائحته ، فكذلك الماء ما لم يتغير طعمه . وكل هؤلاء خارجون عن الدائرة ، ولم يذكر أحد منهم وجها صحيحا ظاهرا لإيراد هذا الحديث في هذا الباب ؛ لأن هذا الحديث في بيان فضل الشهيد على أن الحكم المذكور فيه من أمور الآخرة ، والحكم في الماء بالطهارة والنجاسة من أمور الدنيا ، وكيف يلتئم هذا بذاك . ورعاية المناسبة في مثل هذه الأشياء بأدنى وجه يلمح فيه كافية ، والتكلفات بالوجوه البعيدة غير مستملحة ، ويمكن أن يقال : وجه المناسبة في هذا أنه لما كان مبنى الأمر في الماء التغير بوقوع النجاسة ، وأنه يخرج عن كونه صالحا للاستعمال لتغير صفته التي خلق عليها أورد له نظيرا بتغير دم الشهيد ، فإن مطلق الدم نجس ، ولكنه تغير بواسطة الشهادة في سبيل الله ، ولهذا لا يغسل عنه دمه ليظهر شرفه يوم القيامة لأهل الموقف بانتقال صفته المذمومة إلى الصفة المحمودة حيث صار انتشاره كرائحة المسك ، فافهم ، فإن هذا المقدار كاف .

( بيان رجاله ) : وهم خمسة : الأول اختلفوا فيه أنه أحمد بن محمد بن أبي موسى المروزي المعروف بمردويه ، هكذا قاله الحاكم أبو عبد الله ، والكلاباذي ، والإمام أبو نصر حامد بن محمود بن علي الفزاري في كتابه مختصر البخاري ، وذكر الدارقطني أنه أحمد بن محمد بن عدي عرف بشبويه ، وقال أبو أحمد بن عدي : ابن أحمد بن محمد ، عن عبد الله بن معمر لا يعرف ، ومردويه مات سنة خمس وثلاثين ومائتين ، وأخرج له الترمذي ، والنسائي ، وقال : لا بأس به ، وشبويه مات سنة تسع وعشرين أو ثلاثين ومائة ، وروى عنه أبو داود ، الثاني : عبد الله بن المبارك ، الثالث : معمر بفتح الميمين ، وسكون العين المهملة ، وبالراء ابن راشد تقدم في كتاب الوحي ، هو وابن المبارك ، الرابع : همام على وزن فعال بالتشديد ابن المنبه بكسر الباء الموحدة بعد النون المفتوحة ، تقدم في باب حسن إسلام المرء ، الخامس : أبو هريرة رضي الله تعالى عنه . ( بيان لطائف إسناده ) : فيه التحديث بصيغة الجمع في موضع ، والإخبار كذلك في موضعين ، والعنعنة في موضعين ، وفيه أن رواته ما بين مروزي ، وبصري ، ومدني . ( بيان تعدد موضعه ومن أخرجه غيره ) أخرجه البخاري أيضا في الجهاد ، وأخرجه مسلم أيضا في الجهاد ، وأخرجه ابن عساكر مضعفا عن أبي أمامة يرفعه : والذي نفسي بيده لا يكلم أحد في سبيل الله والله تعالى أعلم بمن يكلم فذكره ، وفي لفظ : ما وقعت قطرة أحب إلى الله من قطرة دم في سبيل الله ، أو قطرة دمع في سواد الليل لا يراها إلا الله تعالى .

( بيان لغاته ومعناه ) قوله : كلم بفتح الكاف وسكون اللام ، قال الكرماني : أي جراحة ، وليس كذلك ، بل الكلم الجرح من كلمه يكلمه كلما إذا جرحه من باب ضرب يضرب ، والجمع كلوم ، وكلام ، ورجل كليم ، ومكلوم أي : مجروح ، ومنه اشتقاق الكلام من الاسم والفعل والحرف ، قوله : يكلمه المسلم بضم الياء وسكون الكاف ، وفتح اللام أي يكلم به ، فحذف الجار ، وأوصل المجرور إلى الفعل ، والمسلم مرفوع لأنه مفعول ما لم يسم فاعله ، قوله : في سبيل الله قيد يخرج به ما إذا كلم الرجل في غير سبيل الله ، وفي رواية البخاري في الجهاد من طريق الأعرج ، عن أبي هريرة : والله تعالى أعلم بمن يكلم في سبيله ، قوله : كهيئتها أي : كهيئة الكلمة ، وأنث الضمير باعتبار الكلمة ، وقال الكرماني : وتبعه بعضهم تأنيث الضمير باعتبار إرادة الجراحة ، قلت : ليس كذلك ، بل باعتبار الكلمة ؛ لأن الكلم والكلمة مصدران ، والجراحة اسم لا يعبر به عن المصدر مع أن بعضهم قال : ويوضحه رواية القابسي ، عن أبي زيد المروزي ، عن الفربري كل كلمة يكلمها ، وكذا هو في رواية ابن عساكر ، قلت : هذا يوضح ما قلت لا ما قاله ، فافهم ، قوله : إذ طعنت أي : حين طعنت ، وفي بعض النسخ وجميع نسخ مسلم : إذا طعنت ، بلفظ إذا مع الألف ، قال الكرماني : فإن قلت : إذا للاستقبال ، ولا يصح المعنى عليه ، قلت : هو هاهنا لمجرد الظرفية ، إذ هو بمعنى إذ ، وقد يتعاقبان ، أو هو لاستحضار صورة الطعن إذ الاستحضار كما يكون بصريح لفظ المضارع كما في قوله تعالى : وَاللَّهُ الَّذِي أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا يكون أيضا بما في معنى المضارع ، كما نحن فيه ، وقال الكرماني أيضا : ما وجه التأنيث في طعنت ، والمطعون هو المسلم ؟ قلت : أصله طعن بها ، وقد حذف الجار ثم أوصل الضمير المجرور إلى الفعل ، وصار المنفصل متصلا ، قلت : هذا تعسف ، بل التأنيث فيها باعتبار الكلمة كما في هيئتها لأنها هي المطعونة في الحقيقة ، والذي يكلم إنما يسمى مطعونا باعتبار الكلمة ، والطعنة ، قوله : تفجر بتشديد الجيم ؛ لأن أصله تتفجر ، فحذفت إحدى التاءين كما في قوله : نَارًا تَلَظَّى أصله تتلظى ، وقال الكرماني : تفجر بضم الجيم من الثلاثي ، وبفتح الجيم المشددة ، وحذفت التاء الأولى منه من التفعل ، قلت : أشار بهذا إلى جواز الوجهين فيه ، ولكنه مبني على مجيء الرواية بهما ، قوله : واللون وفي بعض النسخ اللون بدون الواو ، واللون من المبصرات ، وهو أظهر المحسوسات حقيقة ووجودا ، فلذلك استغنى عن تعريفه ، وإثباته بالدليل ، ومن القدماء من زعم أنه لا حقيقة للألوان أصلا ، ومنهم من ظن أن اللون الحقيقي ليس إلا السواد والبياض ، وما عداهما إنما يحصل من تركيبهما ، ومنهم من زعم أن الألوان الحقيقية خمسة : السواد ، والبياض ، والحمرة ، والخضرة ، والصفرة ، وجعل البواقي مركبة منها ، والدم أصله دمو بالتحريك ، وإنما قالوا : دمي يدمى لأجل الكسرة التي قبل الياء كما قالوا : رضي يرضى من الرضوان ، وقال سيبويه : أصله دمي بالتحريك ، وإن جاء جمعه مخالفا لنظائره ، والذاهب منه الياء ، والدليل عليها قولهم في تثنيته : دميان ، وبعض العرب يقول في تثنيته : دموان ، قوله : عرف المسك بكسر الميم ، وهو معرب مشك بالشين المعجمة ، وضم الميم ، ويروى : عرف مسك منكرا ، وكذلك الدم يروى منكرا ، قوله : والعرف بفتح العين المهملة ، وسكون الراء ، وفي آخره فاء ، وهي الرائحة الطيبة ، والمنتنة أيضا . ( بيان استنباط الفوائد ) منها أن الحكمة في كون دم الشهيد يأتي يوم القيامة على هيئته أنه يشهد لصاحبه بفضله ، وعلى ظالمه بفعله ، ومنها كونه على رائحة المسك إظهارا لفضيلته لأهل المحشر ، ولهذا لا يغسل دمه ، ولا هو يغسل خلافا لسعيد بن المسيب والحسن ، ومنها الدلالة على فضل الجراحة في سبيل الله ، ومنها أن قوله : عرف المسك لا يستلزم أن يكون مسكا حقيقة ، بل يجعله الله شيئا يشبه هذا ، ولا كونه دما يستلزم أن يكون دما نجسا حقيقة ، ويجوز أن يحوله الله إلى مسك حقيقة لقدرته على كل شيء كما أنه يحول أعمال بني آدم من الحسنات والسيئات إلى جسد ليوزن في الميزان الذي ينصبه يوم القيامة ، والله أعلم .

هذا المحتوى شرحٌ لـ1 حديث
موقع حَـدِيث